حرب ترامب الضريبية.. العالم الذي سينهار

حرب ترامب الضريبية.. العالم الذي سينهار

د. زياد منصور

              كما يقال: “الاقتصاد هو الحصان، والسياسة هي العربة”. ولذا يجب أن يشغل كل منهما مكانه الصحيح – الاقتصاد يجب أن يتقدّم السياسة، وليس العكس.

في الدول الغربية الحديثة، اختل هذا الترابط المنطقي بين السياسة والاقتصاد. وها هو ترامب يعمل على قلب الأمور رأسًا على عقب. فكما أعلن في حملته الانتخابية، أطلق رئيس الولايات المتحدة حربًا تجارية على عشرات الدول. وكانت الصِّين، كما هو متوقع، الأكثر تضررًا. لكن حتى الدول الصَّغيرة مثل أوكرانيا لم تسلم من حربه “الضرائبية”. باستثناء روسيا وبيلاروس، وذلك فقط بسبب عدم وجود تجارة بينها والولايات المتحدة بسبب العقوبات.

إعلان التعريفات الجمركية كان عرضًا مبهرجًا وخرج عن أي مألوف. لكن في اليوم الثاني فقط، ردت مؤشرات البورصات الأمريكية على عرض ترامب بانخفاض الأسعار. سياسة ترامب التعريفية لها أهداف سياسية واقتصادية. ولكن ما هي بالضبط؟ هذا ما يجب تحليله والتوقف عند نتائجه.

“يصف بعض الخبراء، خطوات ترامب بأنها “يوم التحرير”، أو (حرب ترامب التعريفية ضدَّ جميع أعدائه) – هو عرض يشبه إلى حد كبير عرضه الأخير في الكونغرس. تركيز ترامب الانتخابي في هذا العرض قام على مبدأ “حماية مصالح الطبقة العاملة الأمريكية” (!). أما التموضع السياسي الخارجي فهو “التعريفات الجمركية الناعمة”، حيث يفرض تعريفات لا تتجاوز نصف تلك التي فرضتها الدول الأخرى مسبقًا (مثل الصين واليابان وتايوان وفيتنام وغيرها).

من جهته يصف ترامب علاقته بهذه الدول في خطابه باستخدام تعليقات ساخرة (الكثير منها قد يُعتبر إهانة من قبل تلك الدول). بفرضه هذه “التعريفات المخفضة”، يبدو ترامب من ناحية واثقًا من أن جميع الدول المذكورة ستهرع إليه غدًا صباحًا للتفاوض حول خفض التعريفات المتبادل. لكن من ناحية أخرى…، يشير ترامب: “إذا لم يرغبوا في التفاوض، فسيتعين علينا خوض صراع معهم”. حسنًا، لننتظر غدًا لنرى رد فعل الأسواق، فمن الواضح أن الراغبين في “خوض صراع” مع ترامب لن يبقوا مكتوفي الأيدي”.

بحسب الضجة الإعلامية الأخيرة، فإن دونالد ترامب وجه ضربة قوية للتجارة الدولية. وهنا لن نخوض في تحليل جدّي لتداعيات ذلك على الاقتصاد العالمي أو الدول بحدِّ ذاتها، بما في ذلك أمريكا نفسها.

ولكن من المتوقع أن هذه الضجة ستهدأ قريبًا، وسيتكيف الجميع مع الوضع الجديد. أما التداعيات – إذا ظهرت أصلًا ولم تتوصل الدول بسرعة إلى اتفاقات ثنائية لتخفيف التوتر – فسيحتاج الأمر لوقت أطول لرصدها.

 الكساد الكبير

     الملاحظ أولاً أن بعض الاقتصاديين بدأوا يروجون لفكرة حدوث كساد كبير جديد على غرار أزمة 1929-1933. لكن هناك من يقول أنه في تلك الحقبة كان العالم يعتمد على معيار الذهب، أما اليوم فيمكن معالجة أي أزمة بضخ تريليونات الدولارات وخفض أسعار الفائدة إلى الصفر… مما يؤدي لاحقاً إلى ارتفاع الأصول المضاربة – الأسهم والعملات الرقمية.

لكن لنكون واقعيين… الصادرات والواردات الأمريكية لا تمثل سوى 3-4% من الاقتصاد العالمي و10-13% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة. وبذا فإن معظم المعلقين يبالغون في تقدير تأثير التعريفات الجمركية على الاقتصاد العالمي. فالقطاع الخاص سيبدأ بالتكيف مع الوضع الجديد وإيجاد طرق للتعامل معه. أما على الصعيد السياسي، فستجري الدول مفاوضات مع واشنطن وستتخذ إجراءات مضادة. مع التأكيد على أن فرض رسوم أقل على أوكرانيا مقارنة بالاتحاد الأوروبي يعتبر ميزة إيجابية لها.

دعونا نسلط الضوء على الجانب السياسي في خضم جداول ترامب التعريفية. الواقع أن واشنطن ضربت عشوائيًا بدوافع اقتصادية بحتة، دون تمييز يذكر بين الدول. الصراع التجاري الأمريكي-الصيني أمر متوقع، لكن المفاجأة كانت في تضرر حلفاء أمريكا: الاتحاد الأوروبي (20%)، وحتى شركاء واشنطن الاستراتيجيون في آسيا مثل كوريا الجنوبية (25%) واليابان (24%).

الأكثر غرابة هو فرض رسوم بنسبة 10% على صادرات أوكرانيا – التي يخطط ترامب للسيطرة عليها كاملة، بما في ذلك ثرواتها الطبيعية. رغم أن حجم صادراتها للولايات المتحدة ضئيل (حوالي مليار دولار حسب بيانات البرلمان الأوكراني). لقد كان بإمكان ترامب منح “حامي الديمقراطية” الأوكراني إعفاءً ما، أو استثناء ما، لكنه اختار عدم فعل ذلك بشكل لافت.

المفارقة تكمن في الغياب الواضح لروسيا وبيلاروسيا من القوائم التعريفية. التبرير الرسمي في وزارة العدل الأمريكية هو انعدام التجارة بفعل العقوبات. لكن هذا غير دقيق تمامًا – فالتبادل التجاري مستمر بحوالي 3.5 مليار دولار سنويًا، لكنه يشمل سلعًا استراتيجية تفضل واشنطن تجاهلها. قد تكون هذه التفصيلة صغيرة، لكنها مثيرة للاهتمام في سياق “دور الوساطة” الذي يلعبه ترامب في الأزمة الأوكرانية.

الميغا ديد (الجد العملاق) المؤثر

    قرر الميغا ديد القيام بترميم شامل للعالم القديم، وبدايةً، ووفقًا لنصائح الكلاسيكيين، قرر تدميره.

ماذا حدث؟ قام ترامب بفرض أكبر رسوم جمركية أمريكية في القرن الأخير، حيث رفع التعريفات الجمركية بنسبة لا تقل عن 10% على جميع المصدّرين إلى الولايات المتحدة وزادها بشكل كبير على بعض الدول.

على سبيل المثال، تجاوزت الرسوم الجمركية الإجمالية على الصين 50%، بينما بلغت على بعض السلع 65%. إنه إجراء غير مسبوق، حيث تقدر وكالة بلومبيرغ أنه يرفع متوسط ​​مستوى الرسوم الجمركية الأمريكية إلى 23%، وهو أعلى مستوى له منذ مئة عام. الفكرة الأساسية وراء هذه الرسوم هي ما يسمى بـ “التعريفات المتبادلة.

تدّعي إدارة ترامب أن معدلات هذه الرسوم تُحسب بناءً على الحواجز التي تفرضها الدول الأخرى على البضائع الأمريكية. وتتمثل منهجية حساب ما يسمى بـ “التعريفات العادلة” في قسمة الفائض التجاري للدولة مع الولايات المتحدة على إجمالي صادراتها، ثم تقسيم الناتج على اثنين. هل هناك منطق في ذلك؟ فعليًّا هو غير موجود.

ما هي العواقب؟

     ارتفاع الأسعار وتباطؤ الاقتصاد الأمريكي. سيكون الاستيراد أكثر تكلفة، مما سيرفع الأسعار في الولايات المتحدة بشكل عام. من المرجح أن يؤدي ذلك إلى تباطؤ النمو الاقتصادي، وربما حتى إلى ركود. في الوقت نفسه، لن يتمكن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي من التدخل بسبب تسارع التضخم.

في مقابل ذلك هناك مخاطر من إجراءات انتقامية. قد تقوم الصين واليابان والاتحاد الأوروبي بفرض تدابير مضادة، مما سيدفع ترامب إلى الرد بزيادة أخرى في الرسوم، وهكذا يدخل الاقتصاد العالمي في دوامة جديدة من التصعيد. الصين تدين بالفعل التعريفات الجديدة وتدرس اتخاذ تدابير انتقامية، ولن تكتفي بمجرد التهديد.

الأمر الثاني احتمال إعادة هيكلة سلاسل التوريد وظهور طرق التفاف جديدة. سيبدأ المصدرون في البحث عن طرق بديلة للإمداد، مما سيؤدي إلى زيادة في الأساليب غير الرسمية وغير الشَّرعية، مثل إعادة تصدير البضائع عبر دول ثالثة واستخدام مسارات لوجستية جديدة.

تؤكد تجربة العقوبات على النفط الروسي أن التدفق التجاري لا يمكن إيقافه بمجرد التوقيع على قرار. عندما يكون هناك طلب على سلعة معينة، ستظهر طرق بديلة لتداولها. من المحتمل أن تنشئ الصين نسختها الخاصة من “الأسطول الموازي” لتجاوز القيود، كما حدث مع النفط الروسي.

رد فعل الأسواق

     كانت الأسواق تأمل أن يكون ترامب يمزح، لكن بمجرد الإعلان عن الرسوم الجمركية، شهدت الأسواق المالية صدمة، تخللها، انخفاض حاد في أسعار الأسهم في التداولات اللاحقة بعد الإغلاق؛ انخفاض العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى أدنى مستوى له منذ خمسة أشهر؛ ارتفاع قياسي في أسعار الذهب؛ تراجع الدولار والعقود الآجلة للأسهم الأمريكية.

إذن، ما الهدف من كل هذا؟

     إذا نجح ترامب في خطته، فقد تستخدم الحكومة العائدات الجمركية لخفض الضرائب الداخلية. إلى جانب تحرير القيود الاقتصادية، قد يؤدي ذلك إلى تحفيز النشاط التجاري في الولايات المتحدة على المدى الطويل، مما يضع أساسًا لنمو اقتصادي صحي.

ولكن هناك شعور بأن هذا المخطط المثالي قد لا يسير كما هو محدد له. بل وربما يكون لدى ترامب رؤية أعمق من مجرد التأثيرات الاقتصادية قصيرة المدى، إذ يسعى إلى هدم النظام العالمي القديم لإعادة تشكيله وفق شروط جديدة.

الانطباعات الأولية حول تجديد التعريفة الجمركية لترامب

     لقد أُعلن ترامب حربًا تجارية شاملة ضد الصين. الوضع يشبه إلى حد كبير الحصار التجاري على اليابان عشية الحرب العالمية الثانية.

الانطباع الثاني هو أن الاتحاد الأوروبي يتجه نحو هبوط اقتصادي حاد. الهبوط السلس غير مرجح على الأرجح.

في حربها الاقتصادية تقوم الولايات المتحدة “بتحطيم” الجنوب العالمي: كمبوديا، فيتنام، بنغلاديش، سريلانكا، إندونيسيا، باكستان، إلخ.

وبالمثل، آسيا الموالية للغرب، كاليابان وكوريا الجنوبية اللتان وُضعتا في نفس مصاف الجنوب العالمي. وهذين الأمرين سيدفعان هذه الدول نحو الصين، نحو إنشاء منطقة التجارة الحرة الآسيوية. سيُسرّع هذا من توحيد “الجزيرة الأوراسية العالمية”. بالمناسبة، التعريفات “ضربت” كازاخستان أيضًا – لم يعد لديها مفر الآن سوى الصين وروسيا. الولايات المتحدة “فكّكت” ارتباطها بآسيا الوسطى.

لكن أخطر وضع هو مع الهند – فلن تمول الولايات المتحدة هناك مشروعًا تنمويًا جديدًا كما فعلت سابقًا في الصين. كثيرون اليوم لن يصدقوا إن الهند ستتوجه نحو “الجزيرة الأوراسية العالمية”. حتى أن البعض  رسموا خرائط للحروب الصينية-الهندية القديمة. الآن اتضح الوضع – الهند ستعزز موقعها في مجموعة بريكس.

من المستفيد نسبيًا؟ تقريبًا كل أمريكا اللاتينية، بما في ذلك البرازيل والأرجنتين. وهذا يؤكد مرة أخرى رغبة ترامب في إحياء “عقيدة مونرو 2.0” – الهيمنة على نصف الكرة الغربي وتشكيل كتلة جيوسياسية من “الأمريكتين” على أساسه. “تحالف الخمسة” باقٍ – تفرض الولايات المتحدة تعريفة معتدلة على بريطانيا وأستراليا ونيوزيلندا. أما كندا فما زالت تنتظر دورها. تعامل ترامب بلطف مع السعودية – لكنها في النهاية لا تصدر شيئًا للولايات المتحدة.

كما أن التعريفات منخفضة نسبيًا على مصر وتركيا. دور تركيا كمنصة عالمية لـ”nearshoring” الصناعي، أي “الاستيراد القريب” أو “إعادة التوريد الإقليمي”، وهي استراتيجية اقتصادية تعتمد على نقل العمليات الصناعية أو مراكز الإنتاج إلى دول قريبة جغرافيًا من الأسواق المستهدفة، بدلاً من الاعتماد على الإنتاج في مناطق بعيدة مثل آسيا، يمكن إنشاء منصة صناعية تستهدف الأسواق الكبرى مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة)، وهذا ألمر سيتعزز بشكل كبير.

على الأرجح، هذا ما دفع أردوغان إلى ممارسة التطرف الداخلي (اعتقال عمدة إسطنبول). كل من كتب عن “ميدان تركي” وانهيار نظام أردوغان السياسي قد يكون مخطئًا جدًا. في العديد من الدول، ستبدأ المصانع في الإغلاق، وسينخفض عدد الوظائف والأجور. الاستقرار سيبقى في دول قليلة.

قد تصبح تركيا ضمن الرابحين، شريطة ألا يتم تأجيج الحراك الاحتجاجي فيها بشكل كبير. بخلاف ذلك، فإن العالم يتجه نحو ركود اقتصادي خطير، ومن المحتمل جدًا أن ترامب قرر بشكل متعمد “ثقب الفقاعة العالمية” في السنة الأولى من ولايته الثانية، مما يسرّع هذا الانهيار الاقتصادي.

البديل كان أكثر خطورة بالنسبة له: لو انتظر عامين، لكان الركود قد وقع في نهاية ولايته، مما يعني تكرار الإخفاق الكبير الذي حدث خلال جائحة كورونا، عندما خسر الانتخابات بسبب الانهيار الاقتصادي في الأشهر الأخيرة من حملته. لذا، إذا كانت الفقاعة لا بد أن تنفجر، فمن الأفضل أن يحدث ذلك وفق خطة مدروسة، وليس بطريقة عشوائية وفي أسوأ توقيت ممكن.

إن استراتيجية ترامب واضحة، وتقوم على تفجير الفقاعة الاقتصادية العالمية. وخلق حالة من عدم الاستقرار العالمي، مما سيدفع رؤوس الأموال إلى البحث عن “موانئ آمنة”، وأول وجهة ستكون الولايات المتحدة.

لكن بعض الدول ستحصل على مكاسب جانبية، مثل: أمريكا اللاتينية، مصر، السعودية،

تركيا، بريطانيا وأستراليا.

إذن كيف تصبح “صديقًا لترامب”؟

     هناك وصفة بسيطة، بأن تتخلى عن الطموحات الجيوسياسية، كما فعلت دول أمريكا اللاتينية. ثم الخضوع السياسي، كما هو الحال مع بعض الدول العربية. ومن ثم تمويل الاقتصاد الأمريكي، كما تفعل السعودية.

 والأهم أن تكون دولة “قريبة عائليًا”، مثل بريطانيا وأستراليا؛ وأن تكون حليفًا استراتيجيًا مهمًا، مثل تركيا.

أما بقية الدول… فمصيرها أن تبقى خارج اللعبة تمامًا.

Visited 131 times, 20 visit(s) today
شارك الموضوع

د. زياد منصور

أستاذ جامعي وباحث في التاريخ الروسي