الحركة الصهيونية وأفق العالم الجهنَّمي

الحركة الصهيونية وأفق العالم الجهنَّمي

سعيد بوخليط

من بين أشهر الإيديولوجيات العدمية،التي أفرزها التطور التاريخي الحديث، وتعكس بنيويا مجموعة أزمات قيمية وروحية،اختبرتها سياقات سابقة عن عصارة النموذج في تحققه الراهن،نصادف المنظومة الشوفينية المسماة بالحركة الصهيونية،التي تبنَّت مبدئيا قضية تجميع شتات كل اليهود في العالم قاطبة،ضمن حدود وطن واحد يعكس هويتهم القومية.يعود جذر كلمة الصهيونية،إلى جبل صهيون في القدس مثلما وردت الإشارة في الكتاب المقدس سفر إشعياء.

اشرأبَّت الأعناق بخصوص هذا الوطن المفترض بداية جغرافيا،نحو وجهتي الأرجنتين وأوغندا، قبل وقوع الاختيار نهائيا على فلسطين.

إذن،نتيجة تبلور الأفكار القومية في أوروبا،نزع اليهود بدورهم نحو احتضان واعتناق دعوات هذا التقليد فاستلهموا،محرِّضات الدوافع القومية على أساس ديني، إيديولوجي، ثقافي، انتظمت بواعثها ضمن بوتقة إطار الحركة الصهيونية،ثم اكتست فيما بعد واجهة سياسية تنطوي ضمنيا على خلفية قوامها أسوأ الاعتقادات التيولوجية.

 تنامت حدَّة هذه الدعوى بسبب عجز اليهود عن الاندماج ضمن مكونات المجتمعات الأخرى،بسبب تهميشهم من لدن باقي الهويات،بالتالي تطلعهم كي يتخلصوا من تبعات معاداة السامية التي سادت تلك المجتمعات.وضع بلغ أقصى مستوياته المباشرة، مع مخيمات الاعتقال الشاقة التي أقامها النازيون وكذا الهولوكوست أو المحرقة.

قبل القرن التاسع عشر،ألمحت كتابات مجموعة من الأسماء اليهودية اللامعة في مجالها إلى حق اليهود التاريخي بخصوص العودة إلى الأراضي المقدسة المقصود بها فلسطين،بناء على مقتضيات قومية وتجسيد فكرة إعادة بني صهيون،ثم تحقيق آمال الشعب اليهودي بالعيش في وطن أجداده،بعد أن كان الأمر سابقا لأهداف محض دينية كالحج وزيارة قبور الأولياء أو إمكانية الدفن في الأرض المقدسة.

غير أنه بكيفية إجرائية واضحة،ارتبط المشروع الصهيوني عمليا بصنيع الصحفي اليهودي المجري تيودور هرتزل،الذي أصدر سنة 1896 كتابه الشهير”الدولة اليهودية”، ثم خلال السنة الموالية1897،أشرف في مدينة بال السويسرية على التئام أول مؤتمر قصد المبادرة حقا إلى استهلال أولى خطوات المشروع،إبان فترة ميزتها قضية الضابط اليهودي الفرنسي ألفريد دريفوس الذي اتُّهم بالخيانة العظمى تحت دواعي إفشائه إلى ألمانيا بأسرار عسكرية فرنسية،لكن القضاء حكم ببراءته.حادثة خلقت حماسا زائدا لدى هرتزل.   

أكَّد ملهم الحركة الصهيونية في خطاب الافتتاح،على ضرورة تأسيس وطن قومي لليهود،والانطلاق نحو تحديد أولى الخطوات العملية قصد بلورة الحلم واقعيا،بناء على ثلاث خطوات كبيرة تتمثل في : السعي نحو العمل بكل الوسائل قصد تشجيع أن يستوطن العمال اليهود الزراعيون فلسطين،تقوية الوعي القومي اليهودي،أخيرا الرهان على اكتساب الموافقة والدعم الدوليين،بحيث قصد دهاء الرجل استثمار فاعلية دعم دولة كبيرة واسعة النفوذ تؤمِّن الأراضي للمستوطنين اليهود.

هكذا،التجأ هرتزل فعلا إلى السلطان العثماني وكذا القيصر الألماني،ثم توجت مساعيه حقا ومعه خليفته حاييم و ايزمان بالحصول على وعد آرثر جيمس بلفور سنة 1917، ثم توطد المشروع بكيفية ”قانونية”عندما أصدرت الأمم المتحدة يوم 29نوفمبر 1947،قرار التقسيم إلى دولتين يهودية فلسطينية. وبعد الأعمال الإرهابية والوحشية لميليشيات الهاغاناه والأرغون،نحو الفلسطينيين وهزيمة العرب في حرب النكبة،أعلن رسميا يوم 14مايو 1948عن تأسيس دولة إسرائيل.   

عموما،تباينت الحركة الصهيونية حسب تأويلها للأطروحات القاعدية إلى تيارات، هي :

*الصهيونية المتديِّنة : يفسر عقائديو التوراة الوجود اليهودي بكون شعب الله المختار،قد أضاع أرضه المقدسة نتيجة اقترافه المعاصي والآثام ضد الآخرين،ثم تخليه عن عبادة إلهه الواحد والبحث عن آلهة أخرى.  

*الصهيونية الثقافية : تستند قوميتها على ركائز التراث الثقافي والروحي لليهود وكذا تراث اللغة العبرية. 

*الصهيونية الليبرالية :تستلهم  مرجعيات الديمقراطية وحقوق الإنسان،واستيعاب توجُّهات السوق الحرة،دون الاكتراث بمحدِّدات الدين والعرق.تصور أكثر اعتدالا وتمدُّنا من المنحيين السابقين،لأنَّ أدبياته استحضرت الدعوة إلى مساواة بين العرب واليهود،وآمنت بدولة مجاورة للفلسطينيين.  

*الصهيونية العمالية أو الاشتراكية :أيضا هذا التوجه أقرب إلى الأفق الليبرالي، بحيث ألغى دعاته الفيصل الديني بخصوص تحديد المسألة الدينية،والتركيز في المقابل على الجانب الاقتصادي والاجتماعي.   

أما بخصوص لبنات المنظومات الصهيونية،فقد تبلورت ضمن معالم الإطار التالي :

*إيمان اليهود شعب الله المختار بإله واحد،سيرسل في نهاية المطاف المسيح كي ينقذ اليهود ويخلِّص الإنسانية ؛

*اليهود شعب الله المختار،بل اعتُبرت أرواح اليهود جزءا من الله بينما تبقى الأرواح الأخرى مجرد أرواح شيطانية؛

*يمثِّل اليهود رغم شتاتهم في كل بلدان العالم شعبا واحدا،ينحدرون من أصل واحد مرجعه فلسطين. أرض الميعاد التي وهبها الله لبني إسرائيل بكيفية لارجعة فيها؛

*حتمية سيطرة اليهود على المنطقة،وإقامة دولتهم على امتداد أرض الميعاد الممتدة حقيقة من نهر النيل إلى الفرات؛ 

*إشعال نار الحروب والفتن بين القوى و الدول.

لكن هذه الصهيونية السياسية-الدينية،احتاجت إلى  أذرع اقتصادية- مالية  كي تعمل بنيويا على توفير الشروط المادية ، وتعضيد متواليات المخطَّط الاستيطاني بالروافد اللوجستيكية :

-المنظمة الصهيونية العالمية : يعود تأسيسها إلى سنة 1897،قصد تشجيع هجرة اليهود نحو فلسطين.

 – الصندوق القومي اليهودي : بادرت الصهيونية سنة 1901 إلى إنشاء هذا الصندوق بهدف تجميع الأموال من اليهود لشراء الأراضي الفلسطينية.

– الوكالة اليهودية : تعتبر جهازا تنفيذيا للحركة الصهيونية،اتجهت مهامها نحو تجميع وتوفير الإعانات المادية لإسرائيل منذ إعلان قيامها كدولة سنة 1948،ثم الدعاية قصد تجميع الأموال وتشجيع العودة إلى فلسطين والاستيطان وتثقيف اليهود خارج إسرائيل.  

لقد اعتمد التطرف الصهيوني،على نفس الأسانيد والمقوِّمات التي وجَّهت ضمنيا مختلف أهل التطرف المنتمين إلى الديانات الأخرى غير اليهودية؛ أي الإسلام والمسيحية  وكذا الديانات البشرية،بمعنى التحوُّل بالنظرية غاية أقصى مستويات تصلُّبها وتحجُّرها، فتصير حتما عقيدة جامدة وعُقدة مَرَضية تتنافى جملة وتفصيلا مع جلِّ مقتضيات التطور، الليونة،الجدل،النفي والتجاوز، الاختلاف، التعدُّد،إلخ.

حينما تستكين النظرية إلى مناحي الدوغماطيقية أو العقيدة المطلقة،تصبح ببساطة نظرية ميِّتة،تحيا بالموت،توجد من أجل الموت،تتنفَّس الموت، تبعث الموت.هكذا،أحوال آليات العقلية الصهيونية.

لذلك،فكل المنظومات التي افتقدت حسّ التطور التاريخي،حولت هذا التاريخ باسم امتلاكها الحقيقة إلى مقبرة هائلة للموتى،بحيث قتلت ملايين البشر باسم أحادية التأويل وشمولية التصور. تجعل من نفسها نسقا مكتملا،لايأتيه الباطل،يتآكل بنيويا،مع استمراره في القتل.هكذا،انتحرت ذاتيا وتحلَّلت آليا مختلف الأصوليات العقائدية،وهي تجرف العالم والجماعات البشرية وجهة الخراب العظيم والتدمير الموضوعي.نفس المآل،ينتظر حتما الذُّهان الصهيوني.   

الحركة الصهيونية رؤية عنصرية بامتياز،تعتبر باقي الأعراق،لاسيما العربي مجرد عنصر سلبي ينبغي اكتساحه دون هوادة،بل حتى داخل الكيان العبري نفسه، تعيش منظومته المجتمعية على إيقاع تصنيف محض إثني؛ من ثمة طبقي بين السفارديم والأشكناز والفلاشا،بين يهود أمريكا وأوروبا الغربية ثم أولئك المنحدرين من البلدان العربية وإفريقيا.  

استثمرت دوما الحركة الصهيونية،قضية الهولوكوست وجعلت منها بكل الوسائل تأنيبا رمزيا للوعي السياسي الأوروبي،وسيفا مسلَّطا على رقاب المنتقدين،تستغل استراتجيا بكل الوسائل حسب مختلف السياقات،تمنح مبررات بهدف التلاعب سحريا بموقعي المعتدي والضحية.

في نفس الوقت،استمر من جهة أخرى،تصور لدى الليبراليين العرب والغربيين، يراهن على خلق ومدِّ وتكريس أواصر النقاش السياسي مع الأطراف العلمانية اليسارية أساسا داخل البيت الاسرائلي،قصد إضعاف أطروحات  العقائديين مثلما يعمِّمها اليمين المتطرف الذي ينهل أساسا من مشارب المرجعية الصهيونية.

لكن الملاحظ،أنَّ كتلة الفريق الحداثي القادر على ممارسة وعي نقدي من داخل الدولة العبرية،وتطوير آليات اشتغالها،نحو تعضيد جسور الإيمان بحق الجميع في الوجود،وفي الطليعة الجار الفلسطيني،قد تراجع كثيرا صوته ونسقه لصالح أنصار خطابات الرفض والتمركز العرقي والديني.

أفق توضِّحه بجلاء،طبيعة تحالفات الحكومات المتعاقبة على تل أبيت،طيلة  العقود الأخيرة،مما يشي بأنَّ حيثيات التطرف العقائدي تسود أكثر فأكثر مفاصل الكيان العبري،معطيات انحدار فكري خطير يضمر تهديدا شاملا لمرتكزات إيتيقا التعايش ليس فقط ضمن المحيط الإقليمي،بل الأخطر تصدير محرِّضات العنف ومأسسة هويته،وأيضا مثيرا أوليا لتعميم أوراش الحقد والضغينة لدى الخصم العربي والإسلامي،حينها تندفع شتى أشكال تجليات العمى،وتغدو فعلا قابضة على زمام المصير البشري، فبالتأكيد لن ينعم حينها فرد واحد في  هذا العالم بالسلام والطمأنينة.

تتعارض الصهيونية جوهريا مع ممكنات الديمقراطية والفكر التحرُّري،بحيث تمثل آخر أشكال الاستعمار الكلاسيكية في صيغته الفَظَّة،أي النموذج الاستعماري مثلما تبلور ضمن صوره المباشرة الأولى،مادام النزوع الاستعماري قد اتخذ راهنا صيغا أخرى،أكثر ليونة ودهاء وتأقلما سياقيا، تعبِّر عنها امبريالية النمط وعولمة متاهة الاستهلاك اللامتناهي.

عند الطرف النقيض،فتحتُ عيناي منذ الصغر على ملاحم حركة تحرُّر وطنية، عريقة، شعبية، وأصيلة أرست معالم إرث ثوري وفق أبعاده الثلاثة الإيديولوجية، الثقافية، والقيمية،على اعتبار أن تجربة منظمة التحرير الفلسطينية الطويلة بتراكمات أدبياتها وصنيع كوادرها العسكرية منذ أواسط الستينات غاية نهاية هذا المسار الثوري بداية التسعينات حين توقيع اتفاق أوسلو،عبر تضحيات أجيال من مناضلي فصائلها فتح، الجبهة الشعبية، الجبهة الديمقراطية، الحزب الشيوعي، الصاعقة،جبهة التحرير العربية،جبهة النضال الشعبي،أقول بأنها مدرسة نضالية بكل المقاييس،ألهمت أنصار الحرية في كل القارات،ووطَّدت داخل المنطقة ضميرا متوقِّدا لايكلُّ أو يتعب،وشعلة لاتتوقف عن تنبيه الشعوب حيال المخطَّطات الجهنمية التي تُنسج باستمرار خيوطها في الخفاء من طرف عتاة الصهيونية و متخاذلي الرجعيات العربية.

Visited 3 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

سعيد بوخليط

كاتب ومترجم مغربي