غـــــزة “هاشم” مالئة الدنيا وشاغلة الناس

غـــــزة “هاشم” مالئة الدنيا وشاغلة الناس

جورج الراسي

 غزة مالئة الدنيا و شاغلة الناس، ليس  منذ السابع من تشرين  فحسب،  بل منذ  أقدم عصور التاريخ . وعلى الأقل منذ  أيام  الفراعنة  حتى يومنا هذا

                        بلاد كنعان و حكم فرعون 

غزة هو اسم كنعاني لا لبس فيه ، وهو يعني البناء االقوي او الحصن . وقد وردت  اول إشارة إليه في رسائل تل العمارنة و خلال حكم الفرعون تحتمس الثالث أسسها العرب الكنعانيون  قرابة  الألف الثالثة قبل الميلاد،  وتعتبر بوابة آسيا  و مدخل إفريقيا  بحكم موقعها الجغرافي بين مصر و بلاد الشام ، و بين آسيا و إفريقيا . كانت عبر التا ريخ عقدة مواصلات  و محطة  قوافل و مركزا تجاريا عالميا.

منحها هذا الموقع  مكانة استراتيجية وعسكرية فائقة. فهي الخط  الأمامي للدفاع  عن  فلسطين و بلاد الشام  جنوبا ، والموقع المتقدم للدفاع عن العمق  المصري، مما جعلها  ميدان مواجهة، وساحة قتال لمعظم  امبراطوريات  العالم  القديمة و الحديثة .

اتسمت المدينة  بألأهمية عندما حولها الملك المصري ثيتموزي  الثالث  آلى قاعدة لجيشه في حربه مع سورية  في القرن الخامس   عشر  قبل الميلاد . ويعود الإحتلال الفرعوني لفلسطين  إلى 3300 سنة . و ما زالت الإكتشافات التي تعود إلى تلك الحقبة تتوالى إلى يومنا هذا و كان آخرها ضريح حجري كنعاني الأصل يعود  لوجيه كان يعمل في خدمة جهاز  الحكم الفرعوني  في البلاد لأن الفراعنة  كانوا  يفضلون أن يدفنوا في مصر فقط لتقديسهم  نهر النيل.

و كانت الأضرحة الحجرية تصمم على شكل انسان و تضم تشكيلة من الأدوات الخزفية و أواني لحفظ الغذاء و أدوات لطاولة الطعام و أخرى للعبادة و خنجرا  برونزيا و كمية من العظام الحيوانية والغرض من هذا كله أن يجد الميت ما يتناوله بعد قيامه منشطا من الموت وفقا للمعتقدات  الفرعونية.

و من الأمور اللافتة ختما معدنيا  على شكل خنفساء يزدان بغطاء ذهبي استخدم لتوقيع وثائق خطية و يحمل إسم الملك ستي الأول حاكم مصر في القرن الثالث عشر  قبل الميلاد، وهو والد  الفرعون ذائع الصيت  رعمسيس الثاني الذي يعتقد أن بني إسرائيل  خرجوا  من مصر في فترة حكمه ( بعدنا محلنا).. لم تتغير أمور كثيرة منذ ذلك الوقت فخلال العام الأول  من حكم  الفرعون ستي الأول  ( 1294  قبل الميلاد) شهدت منطقة  الأغوار قرب بيسان حالة تمرد   اخمدها الفرعون . و الختم المشار إليه كان يحمل صورة أفعى الكوبرا التي تتولى الدفاع عن الملك.

وتمت اكتشافات مماثلة في بيسان ورفح  اللتين كانتا  مقرا للحكم  الفرعوني في البلاد. مع العلم أن الفراعنة  لم يقيموا فيها  بل بنوا مراكزحكمهم ،  وتركوا  آثارا  عديدة كاللوحة  الرخامية التي تحمل كتابات هيلوغرافية في بيسان..

 كان غرض الفراعنة  من التواجد في تلك المراكز طيلة الحقبة البرونزية المتأخرة تأمين خطوط التجارة  و طمعا بالمعادن من النقب  و الأخشاب  و الأصباغ   ( التي جلبوها من لبنان  أيضا ) ، و كإجراءات  و قائية دفاعية  لمنع تهديد مصر من جهة الشرق.

            من شمشوم إلى قمبيز إلى الإسكندر الكبير

تتوالى بعد ذلك سلسلة من الإحتلالات لم توفر احدا من حضارات العالم  القديم. ففي عام 1190 قبل الميلاد  هاجمت  ” شعوب البحر  ” الآتية من جزيرة  كريت  في المتوسط  ( يسميها العرب ” أقريطش “)  الشواطئ  الكنعانيية  بين غزة و يافا ،  بعد أن شنوا هجوما على مصر  ( لم يخطئ  رئيس الوزراء  المصري حين قال في تصريح أخير له  ان مصر تتعرض دائما للهجوم من جهة الشرق ) …

وظهر منذ ذلك الوقت اسم “Les Philistins”  الذي حوله الرومان إلى ” فلسطين “. كانت غزة واحدة من المدن الملكية الخمس لدى البيزنطيين  القدماء  في القرن  الثامن قبل الميلاد وقد احتلها الأشوريون من القرن  الثالث  إلى القرن الأول قبل الميلاد ، و كانت مدار صراع  بين المصريين و السوريين  و الجماعات العبرية .

 كان  القطاع  يحتل مساحة 80 هكتار  ، ويقوم على هضبة ارتفاعها   45  مترا ، على بعد 2،5  كلم من شاطئ  البحر ، و كان منذ ذلك الوقت  ” في حرب مع اسرائيل ” وفق ما جاء في العهد القديم. وفيها القي القبض على شمشوم  الذي مات تحت أنقاض الهيكل الذي حا ول هدمه! ( برسم هوليود )

وفي عام 525 قبل الميلاد  استولى عليها فرس قمبيز الثاني  “ملك الCambyse”  الملك الأخميني  لكي يجعل منها رأس جسر لمواجهة مصر  (مرة ثانية رئيس وزراء مصر على حق، كما أن إيران صاحبة سوابق  في المنطقة..! ).

في عام  332  قبل الميلاد  أخذها الإسكندر الكبير  على اعتبار أنها كانت على طريق غزواته  بعد حصار  طويل  ، و نفذ  ” بروفه ” أولى  لقتل جميع السكان او أخذهم كعبيد.

وفي عام  145 قبل الميلاد وضعت اليد عليها طائفة يهودية  عرفت بإسم ” المكابيين “.

          عرب و صليبيون وايوبيون و مغول وصلاح الدين

عام 634  دخلها العرب بقيادة عمرو  بن العاص  ،    و أقام فيها  الأمويون  حامية  ، و  بدأت عملية اسلمة متدرجة  ، و فيها ولد الإمام الشافعي،  ولو أنه  لم يعش  ولا تولى التدريس فيها . و  من منشآت الأمويين فيها ورشة لصك العملة …

ولم يكد يحل القرن الثاني عشر  ميلادي  ، وفي عام  1149 على وجه التحديد،  حتى  بدأت الحملات الصليبية  . و قد بدأ الصليبيون غزوهم ببناء قصر محصن على أعلى مرتفع  في المدينة ، سلموه  إلى جمعية عرفت بإسم  ” اهل  الهيكل ”  .

في جنوب ذلك الحصنن بنيت كنيسة على النمط  ” الغوتي ”   ( تحولت فيما بعد إلى مسجد غزة الكبير ) ، بالإضافة  إلى كنيسة  القديس  بورفير     التابعة للكنيسة الأورتوذكسية   التي سلمت إلى جماعة  الهيكل Les  والتي قصفها الإسرائيليون  في عدوانهم  الحالي على غزة ) 

كانت غزة موقعا متقدما لمملكة الفرنج الذين كانوا يطلقون عليها اسم  Gazara وفي عام 1170 استولى عليها صلاح الدين و لم  يستعصي عليه سوى احتلال القلعة . وفي عام 1187  بعد معركة حطين   ضمن الجلاء  عن غزة و دير البلح  ، لكن ملك الإنكليز   ريتشارد  قلب  الأسد  تمكن من استعادتها  عام 1192…لكنه عاد فسلمها إلى صلاح الدين  بعد هدم  دفاعاتها…( هذه الواقعة  موضوع فيلم  شهير.)

و في عام  1239 شن الفرنج هجمة جديدة   تم تحطيمها  في بيت حانون شمال  القطاع  ، و يحتوي مسجد تلك الضاحية على توابيت المسلمين الذين سقطوا في تلك  المعركة.

حاكم دمشق الصالح اسماعيل  لم يكن صالحا  كما يوحي اسمه ، فقد تحالف مع  جماعة الهيكل  ضد حكام مصر،   واعدا إياهم بإعادة  غزة إليهم  في حال   أنتصروا  لكنهم هزموا و بقيت غزة تحت سلطة الأيوبيين   في مصر  ثم في سورية  حتى  عام 1260  حين احتلها المغول  آلى أن استعادها المملوكي بيبرس،  و استمر  عهد المماليك  من أواخر  القرن الثالث عشر حتى أوائل  القرن السادس عشر. وما لبثوا  أن أخلوا مكانهم إلى العثمانيين  عام 1516 بعد معركة خان يونس  ، و انتهت غزة  تحت إدارة مصر العثمانية.

             من بونابرت إلى العصر  الحديث

المرة الوحيدة ربما التي اجتاز فيها أحد الفاتحين  الطريق  المعاكس  من سيناء  إلى فلسطين  كان  نابليون  بونابرت  ، عام 1799  حين كان على  رأس الحملة المصرية..

فقد شن حربا شعواء على العثمانيين ، وسعى إلى استنهاض العرب  بما في ذلك الدروز  و المسيحيين  ضدهم  و افتتح   مسار  المتابعة  الفرنسية  لشؤون  الشرق المعقد  حتى مجيء  الجنرال ديغول،  وصولا إلى الرئيس الحالي  امانويل ماكرون  ( و الرحلات  المكوكية  لمبعوثه إلى لبنان  لو دريان.! ).

في 26   شباط / فبراير 1799  دخل نابليون إلى غزة على  رأس الجيش الفرنسي  و استقر في قصر  الباش ، و كتب إلى الجنرال  Desaix  المتواجد  في مصر العليا  بتاريخ  27  شباط / فبراير  1799  (9 ventôse وفق التقويم الفرنسي القديم  )  يصف له فيها جمال غزة و يقول : ” لو رأيت الحمضيات  و أشجار  الزيتون  و تكونات التربة التي تشبه مقاطعة  Languedoc  حتى لتظن نفسك في منطقة Béziers”. وعندما  كان نابليون  يتغنى بجمال  غزة ، كان المهندس- الجغرافي   Pierre  Jacobin  حاملا  البوصلة يضع خرائط المدينة.

و اخيرا هي غزة هاشم  و هو اللقب  الذي اطبقه  عليها العرب  فذلك نسبة إلى هاشم بن عبد مناف جد النبي الكريم، الذي دفن فيها في مسجد يحمل اسمه.

(يتبع )

شارك الموضوع

جورج الراسي

صحفي وكاتب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *