دفع بلا قانونية الدعم التربوي لوزارة التعليم بالمغرب

دفع بلا قانونية الدعم التربوي لوزارة التعليم بالمغرب

إسماعيل طاهري

     يسود لدي اقتناع أن وزارة التربية الوطنية ستتحول قريبا الى وزارة للدعم التربوي. وحتى مشروع المدرسة الرائدة (tal) الذي شرعت الوزارة السنة الدراسية الجارية في تنزيله في أكثر من  600  مؤسسة ابتدائية سيكون الدعم التربوي حاضرا بقوة في أسسه وتفاصيل تفاصيله. وما يؤكد هذا التحليل هو برنامج الدعم التربوي الذي شرعت الوزارة في تنفيذه خلال العطلة المدرسية البينية الثانية.

فكل الممارسات الصفية المرتبطة بإرساء الموارد وبناء التعلمات سيتم تحجيمها وربما الإستعاضة عنها بالدعم المفترى عليه. فالوزارة غير محتاجة لأستاذ باحث أو مفكر من طراز عابد الجابري أو عبد الله العروي أو محمد سبيلا..فهي في حاجة الى أستاذ يقوم بلعب دور مساعد ومرشد وربما حارس أمن تربوي يقوم بكل شيء لكي لا يقوم بأي شيء. مما يؤدي الى ضعف المردودية وفتح الافاق أمام الدعم التربوي (بمعنى الدروس الإضافية) ربما كبديل غير معلن عن بناء التعلمات وإرساء الموارد وما يستتبعه من تقويم ودعم مندمج.

فهل احترمت الوزارة في هذه العملية مفهوم الدعم التربوي؟

يعتبر خالد بكاري أستاذ بمركز تكوين الأساتذة  في مقال على صفحته بالفيسبوك: 

إن التقويم والدعم هما أصعب محطة في سيرورة التعلم، ولا يمكن أن يقوم به إلا الأستاذ(ة) الذي اشرف على بناء التعلمات، أو أن تسند لمن تلقى تكوينا في بيداغوجيات الدعم والتقويم، ويبني استراتيجياته وفق ما يمده به من اشرف على بناء التعلمات، وهذا النوع الأخير، لا يوجد بمؤسساستنا (استاذ متخصص في الدعم والتقويم فقط).*

وعندما نتوقف بسرعة عند مفهوم الدعم التربوي لنرى إن كانت الوزارة تحترم مفهومه المعتمد في أدبياتها.

يقول الدكتور محمد الدريج الخبير التربوي المرموق عن مفهوم الدعم التربوي:

الدعم التربوي “مجموعة من الانشطة والوسائل والتقنيات التربوية التي تعمل على تصحيح تعثرات العملية التعليمية لتدارك النقص الحاصل وتقليص الفارق بين الاهداف والنتائج المحصلة. كما أنه مجموعة من الطرائق والأدوات والتقنيات الخاصة التي تنتهج داخل القسم الدراسي عبر الوحدات والمواد أو خارجه، في شكل أنشطة تكميلية _ تصحيحية، لتلافي ما قد يظهر على المتعلم من صعوبات تعتري سيره الدراسي.” **

وحسب كراسة مصوغة “مجزوءة التقويم”*** التي تعتبر مرجعا في التكوين الأساس للأساتذة فهناك ثلاثة أنماط من الدعم التربوي: دعم مندمج ودعم مؤسسي ودعم خارجي:

 1- الدعم الخارجي هو في صلب العملية لأنه يرتبط بمعالجة الحالات النفسية والاجتماعية والاقتصادية للمتعلمين وهي عملية جارية ولكن نتائجها محدودة والعديد من المؤسسات لا تعرف تطبيق هذا الدعم الخارجي أمام انخفاض منسوب أنشطة الحياة المدرسية خصوصا في المستوى الإبتدائي اذا ما استثنينا برنامج تيسير ومليون محفظة. وحتى برنامج المطاعم المدرسية في طريقه الى الزوال وقد استفحل أمره بعد استغلال ماكر للتدابير الاحترازية المرتبطة بكورونا منذ مارس 2020 حيث تم وقف العمل بالإطعام المدرسي مؤقتا لكن العديد من المؤسسات صار الوقف ذاته فيها ممتدا في الزمن الى الآن.

 2- أما الدعم التربوي المندمج فهو مجملا من اختصاص الاستاذ الممارس في القسم الدراسي. وهناك أسبوع للدعم والتقويم والمعالجة وتوليف التعلمات في الأسبوع الخامس/ الاخير من كل وحدة دراسية (السنة الدراسية تتكون من ست وحدات) إضافة الى أسبوع آخر في نهاية كل أسدس من الأسدسين الدراسيين.

3-  وهناك دعم مؤسسي وهو دعم يتم داخل المؤسسة في أقسام خاصة أو أوقات خارجة عن حصص البرنامج الدراسي.

بمعنى أن الدعم المندمج والمؤسسي لا يتم الا بناء على نتائج تقويم الموارد المرساة خلال الأسابيع الأربعة الأولى من الوحدة الدراسية التي تضم خمسة أسابيع. أو استعدادا للتقويمات الإجمالية الإشهادية في نهاية الأسدسين( الامتحانات) وما دون ذلك فهو عبث في عبث.

وبناء عليه فكل عمليات الدعم التي ستقوم بها الوزارة في إطار برنامج الدعم التربوي(أوراش) سوف لن تكون مبنية على تقويم كاف ومبني على أسس معرفية دقيقة لأن أغلبية من سيقومون بهذه العملية ليسوا أساتذة نظاميين ولم يتلقوا تكوينا تربويا أكاديميا أساسيا أو مستمرا لأنهم ليسوا ببساطة من الأسرة التعليمية مهما كانت كفاءاتهم العلمية أو تجاربهم في الدروس الإضافية أو الخصوصية في المنازل أو الجمعيات الربحية او المدارس الخاصة ويحتمل أن يلقنوا التلاميذ معلومات خاطئة علميا.

 وبالتالي سيكون نجاح الدعم التربوي العشوائي للوزارة صعبا وسيزيد من صعوبة نجاحه حالة الإحتقان التي يعيشها القطاع. فالخلفية القائمة وراء هكذا دعم تربوي خلفية انتقامية ضد الأساتذة المحتجين. ويسود وهم لدى مسيري الوزارة بإمكانية تعويضهم أو انتحال صفتهم وهي عملية فشلت سابقا في تكسير إضرابات  تنسيقية الأساتذة المفروض عليهم التعاقد منذ 2018.

وسيكون تقييم أثار عملية الدعم المعلنة خلال العطل المدرسية البينية أو غيرها صعبا بل قد يمر بلا تقييم جدي كما حدث مع برامج الدعم عن بعد في عهد جائحة كورونا لأن العملية في عمقها لا تربوية وما دامت لا تربوية فهي أخلاقيا لا قانونية مهما كانت التخريجات القانونية الملتوية لشرعنتها، لذلك فهي شكل من أشكال استعمال الشطط في ممارسة السلطة التربوية.

من جهة أخرى فهذاالدعم التربوي ممول من عدة جهات مانحة أولها برنامج أوراش والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية وبرنامج تحدي الألفية…الخ كما أصرت الوزارة على الحديث عن الدعم التطوعي الذي سيقوم به الأساتذة الممارسين داخل المؤسسات. وهذا الدعم التطوعي (بدون مقابل مادي) أصبح مع النظام الأساسي واجبا مهنيا لذلك تم التخلص في النظام الأساسي (المجمد) من تحديد ساعات عمل الأساتذة ليتسنى فرضه بقوة المرسوم القانونية.

لا يعقل جلب غرباء عن المؤسسة للقيام بالدعم  (الساعات الإضافية)خلال العطلة البينية وما بعدها اذا استمر الإضراب واقتحام الحرم المدرسي خصوصا الأقسام التي تضم متعلقات المدرسين/ الأساتذة والمتعلمين/ التلاميذ. فهذا تدمير ممنهج لمفهوم المدرسةوحرمتها. ومحاولة ترقيعية يائسة لإفشال حراك الأساتذة وكسر شوكته.

مراجع:

* عن صفحة خالد بكاري: https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=pfbid02ZoNqbXHJmKdF7dHtuGq585CcE3P66VpuSvRh9j5UahSS5kCsBUvEdxRPaqoBbAesl&id=1381505738&mibextid=Nif5oz

** عن العربي السليماني. المفيد في التربية الجزء  1.الطبعة 9سنة 2016 . المطبعة والوراقة الوطنية /مراكش ص310.

*** عن كراسة مجزوءة التقويم. وزارة التربية الوطنية ص 86.

شارك الموضوع

اسماعيل طاهري

كاتب وباحث من المغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *