“لا وقت للتأجيل.. انطلقن”.. حوار مع المحامية والناشطة النسوية العراقية منال حميد

“لا وقت للتأجيل.. انطلقن”.. حوار مع المحامية والناشطة النسوية العراقية منال حميد

حوار: لحسن أوزين

     منال حميد محامية وعاملة في مجال التمكين المعرفي النسوي من العراق،  مدينة النجف. حاصلة على بكالوريوس قانون من جامعة الكوفة. إلى جانب عملها كمحامية، هي ناشطة نسوية في عدة مجالات. وفاعلة في تحالف أمان النسوي. صدر لها مؤلف بعنوان “أسئلة يجب علينا طرحها كنسويات” عام 2023. كما أن لها العديد من المقالات والدراسات القيمة في مواقع مؤسسة “الحوار المتمدن”، ومواقع إلكترونية أخرى أيضا.

     يأتي هذا الحوار مع المحامية والناشطة النسوية منال حميد بعد قراءتي للكثير من مقالاتها، ولكتابها الأخير المعنون بـ”أسئلة يجب علينا طرحها كنسويات”. حيث تشكلت لدي بعض الأسئلة، فاقترحت عليها إجراء هذا الحوار لتسليط الضوء على تجربتها الشجاعة والمتميزة، بوصفها محامية وكاتبة نسوية، في مجتمع عربي مسلم، متجذر في التاريخ والحضارة، وعانى طويلا من الحروب والقهر والاستبداد السياسي والديني. كما عرف ثورات وتحولات سوسيولوجية وثقافية، ساهمت فيها النساء بأدوار هامة ومؤثرة. وهذا ما أنتج ديناميات اجتماعية فاعلة، فردية وجماعية، لا تقبل النكوص والاستسلام. تبعا لهذا الإطار العام حاولنا من خلال أسئلة هذا الحوار، التعرف على مجهودات تجربة منال حميد في مجال النسوية، وعن الصعوبات والاكراهات التي حالت تاريخيا وسياسيا واجتماعيا ودينيا، دون بروز النساء، كحركة نسوية، بشكل يوافق عطاءهن وحضورهن المطموس والمغيب عن قصد مرات كثيرة. وأحيانا أخرى لأسباب تاريخية اجتماعية وثقافية، تسلطية ذكورية، نتج عنها تواطؤ ذاتي، من طرف النساء، أقرب إلى قبول وضعية المهمش والتابع، كقدر طبيعي محتوم لا مفر منه. لكن رغم هذا كله يبقى إصرار الحراك النسوي العراقي قويا وشجاعا في تأكيد حضوره الفاعل الاجتماعي والسياسي والثقافي…

– من يطلع على بطاقة معلوماتك الشخصية الموجودة على صفحتك في الموقع الفرعي، في “الحوار المتمدن”، لا بد أن تتوارد إلى ذهنه الكثير من الأسئلة، من بينها: ما طبيعة البيئة الأسرية، والدائرة الاجتماعية الثقافية، التي سمحت لمنال حميد أن تحقق كل هذا الحضور المتنوع والمتعدد على المستوى المهني والمعرفي والعلائقي الاجتماعي والميداني، خاصة، ونحن نستحضر قوة وسلطة وتجذر التصورات والمعتقدات الذكورية الأبوية التي تقف في وجه طموحات وتطلعات المرأة في أن تكون وتصير ذاتا حرة مستقلة وفاعلة…؟

 – منال حميد: ولدت في أسرة أحد أهم  سماتها هو إمكانية نقد ومساءلة كل شيء، وزرع هذه الصفة كانت بفضل والدي، في طفولتي. كان الاسلام السياسي يضع نصب عينيه الناشئة، ويركز على أدلجتهم لصالحه، أي كنت هدف وما أعانني على امتصاص أقل قدر ممكن من تأثيره، وسموم إشعاعه هو صفة المراجعة والمساءلة لكل شيء، وكل تفصيلة وعدم التسليم بها .

مكتبة والدي ثم ثانويتي هن من نبهنني لإمكانية قراءة الطريقة التي يسير فيها البشر، نحو فهم أنفسهم وفهم العالم. ثم صرت أصقل التحسس الجندري الذي كنت أمتلكه منذ مراحل الطفولة المبكرة، من خلال القراءة.

أما عن الدائرة الاجتماعية والثقافية، فأنا بمرور الوقت صرت قطعة حديد يجذبها مغناطيس، أبعاده اليسار وشكل السياسة الحالية وقضايا الجندر والأمومة،  وكل ما يركز على تلك الأبعاد فأنا أنجذب إليه وأستكشفه وأحاول خلق العلاقة معه إما بالتحليل والتفكيك، او النقد أو ابتكار سبل الحلول 

– ارتباطا بالسؤال السابق، نعرف الطبيعة القهرية والاستبدادية لأنظمتنا السياسية الاجتماعية والثقافية والدينية، حيث يتمفصل التجريم السياسي والتحريم الديني، فكيف وجدت منال نفسها فاعلة حقوقية، وناشطة نسوية بخلفيات يسارية، إنسانية وإيكولوجية؟ وهذا الواقع الموضوعي صعب على الحركات الاجتماعية بمختلف خلفياتها السياسية والفكرية والأيديولوجية، فماذا يمكن أن تقولي عن تجربتك في خوض هذا الصراع من داخل الحراك النسائي بعيون نسوية سياسية معرفية ثقافية…؟

 – منال حميد: بسبب كل ما ذكرت أنا لا أجد نفسي فاعلة بالشكل الذي يحقق رضاي عليه، نحن نتحرك في حقل ألغام، يجب على الناشطات في واقعنا أن تضع محرار بين شفتيها يتحسس لكل كلمة لا تناسب العشيرة والميلشيات والأحزاب والدين والدولة. وأشعر بأنني لو امتلكت حرية أكثر بقليل مما أمتلك لكنت بمستوى أرتضيه لنفسي مرحليا. مؤخرا تم إخراس النسويات، وصارت مفردة جندر غير مقبولة حتى في مؤسسات الدولة، ولا في مواقع التواصل، ولا في الورش والجلسات.  نشهد تراجعا حتى في مكتسبات ما بعد 2003 على مستوى الحركة.

تتعرض الناشطات إذا فقدت هذا المحرار، أو فقدت توازنها في حقل الألغام هذا للتشهير والابتزاز وإعدامها مجتمعيا، عبر تسقيطها والطعن بشرفها، لتمتد دائرة الضرر الى أولادها وأهلها وحتى كل من التقط حتى صورة معها .

وبرضانا وعدمه إذا بقى الحال كما هو عليه، سيتحول الحراك النسوي الى حراك نخبوي بين الناشطات لا يتعداهن، وهذه مشكلة في حد ذاتها، لمن نطور نسويتنا ؟ قطعا من أجل القواعد من النساء ومن أجل واقع أفضل لكل النساء، لا لكي نعرف ونفكك ونحلل النظريات النسوية. نريد ابتكار حلول للمشاكل لا فهمها فحسب،  والحلول مرتبطة بالأرض، والتنفيذ عليها وشكل الأرض حقل الغام .

–  في كتابك الصادر مؤخرا تحت عنوان  “أسئلة يجب علينا طرحها كنسويات”، تصرين على ضرورة السؤال النقدي الجذري في قراءة السيرورة التاريخية للحراك النسوي العراقي، في ارتباطه بالتحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي عرفها العراق الحديث والمعاصر. لم كل هذه الجذرية في السؤال والنقد معرفة وممارسة؟ فهل الواقع العراقي، (قوى سياسية ومدنية وثقافية ديمقراطية) يوفر ظروف وشروط هذا النقد والتحول إلى حركة نسوية واضحة معرفيا وإيديولوجيا، ومتقدمة سياسيا، أم أنك تأخذين بمبدأ: كن واقعيا وأطلب المستحيل؟

– منال حميد:  لا أعتقد أن ما طالبت به في كتابي مستحيلا , وانطلاقا من واقعيتي لا أره مستحيلا، قد يكون صعبا ويتطلب إرادة وجدية، لكن ليس مستحيل. الظروف التي من حولنا إذا قُدر لها ونطقت ستقول مجتمعة (لا وقت للتأجيل، انطلقن). نحتاج أن نشمر عن سواعدنا لنفهم موقعنا في السياسة العراقية، في السلطة الاجتماعية،  في فحص إمكانياتنا على  تحريك كل ما هو ساكن بينما هو صاخب، أن نفهم كيف نحول غضب النساء، وعدم رضاهن الى ثورة حقيقية أيا كان شكلها.

– في كتاباتك وبالتحديد في كتابك الأخير أنت لا تطرحين أسئلة فقط، بل تحاولين اكتشاف السؤال النقدي القادر على إنتاج أدوات التحليل النقدي لواقع الحراك النسوي، الذي هو واقع سياسي اجتماعي ثقافي ديني مأزوم ومشدود نحو الماضي، وغارق في الشكل السياسي والاقتصادي للسيطرة الرأسمالية بسطوتها النيوليبرالية، والهيمنة الامبريالية الغربية. وبالتالي تحاولين الإسهام في إنتاج معرفة تحتاجها صيرورة الحركة النسوية المنشودة في نضالها المزدوج سياسيا واجتماعيا، في الارتباط عضويا بكل الفئات والطبقات الاجتماعية المقهورة الطامحة الى الحرية والعدالة والديمقراطية، وفي الوقت نفسه النضال لخلخلة أو تقويض النظام الذكوري الأبوي سياسيا وثقافيا ومجتمعيا ودينيا. فهل يمكن القول إن غياب الاهتمام بامتلاك الحراك النسوي لمثل هذه المعرفية في البحث والنقد والسؤال، هو من بين أسباب إعاقة هذا التحول نحو حركة نسوية واضحة و فاعلة ومستقلة؟

– منال حميد: نعم. كما أشرت سابقا لدينا عديد المواد المعرفية من شمال العالم وجنوبه حول تفكيك القضايا النسوية وتحليلها ونقدها، لكن قليلة تلك التي تضع الحلول لمواجهتها أو تضع حلول قابلة للتنفيذ آنيا، وليس في زمن متخيل. ولأننا نترجم لنفايات الامم الفكرية، فنادرا ما تكون نتاجات تخص التنظيمات السياسية واشكالها وتحدياتها وآليات وطرق ابتكارها متاحة باللغة العربية. وما أنتج باللغة العربية جدا ضئيل، نحن نعرف مشكلاتنا جيدا، ولا نحتاج آلاف الساعات لمناقشتها في جلسات ومؤتمرات وورش، نحن نريد حلها . يجب أن نساعد في التأسيس لمعرفة محلية عارفة بالظروف الخاصة بالبلد، وملمة بفهم أبعاد النفسية العراقية لكي تضع مواد معرفية معنية بالوصول للحلول.

– السؤال الخامس: غالبا ما يتم إرجاع قضايا النساء إلى الخلف والتذرع بأولوية البعد الوطني في كل نضال تخوضه النساء بجانب القوى الحية في المجتمع. كيف أثر هذا النوع من الاقصاء المقنع بالوطنية على تطور الحركة النسوية؟

– منال حميد: هذا أسلوب متبع في أغلب المجتمعات، لكي يعرقل سير التحركات النسوية نحو أهدافها  ويعتبر أسلوبا ناجحا، لذلك لايزال يتبع الى اللحظة، حيث هو قادر أن يوهم القواعد من النساء، وحتى معظم الناشطات/ين على أن القضايا النسوية قابلة للتأجيل. لكن الفطنات/ين منهن يعرفن أنها قابلة للتأجيل لأنها نسوية فقط.

في حراك تشرين 2019 وهي الانتفاضة الشعبية الاخيرة في العراق، عندما أرادت النساء رفع مطالب نسوية، وتسليط الضوء على قضاياهن قيل لهن إنها قضايا غير ذات أولوية. ونحن الآن نطالب بنظام غير محاصصاتي، وغير طائفي وبمجرد الحصول عليه ستحل مشاكل النساء أيضا. ولكنها قطعا ليست الحقيقة، إذ هناك شواهد عربية وعالمية تدلل على فشل ذلك التفكير، وبمجرد نجاح الثورات لا مكان للنساء اللواتي شاركن فيها، ولا وضع أفضل لحقوقهن أو موضعهن في المجتمع.

إمكانية تسرب ذلك الوهم الى الناشطات مرة بعد مرة، هو أحد تمظهرات ركاكة الحراك، لا سبب من أسبابه. فهناك حراكات نسوية في مواضع أخرى من العالم استطاعت أن تستفيد من الحوادث العالمية المشابهة، وأن تلاحظ كيف خرجت النساء من تلك الثورات بلا طائل وتعلمت منها. بينما نحن ما نزال نقتنع بأن هناك قضايا تخص عشرون مليون امرأة، ولا تستطيع أن ترقى الى مرتبة الأولوية، ولا تستطيع أن تصنف نفسها كقضايا وطنية.

في حراك 2019 كانت هناك خيم اعتصام للمطالبين بالتثبيت، كموظفين على ملاك الدولة، وهناك المطالبين بقانون تقاعد منصف، وهناك ذوي الإعاقة المطالبين بقوانين أفضل لهم. لكن عندما حاولت النساء أن تطالب بحقوق وقضايا تخص عموم النساء، صارت قضايا ثانوية. وبالفعل هناك منظمات نسوية معروفة تبنت هذا الخطاب ولاتزال تعتد به وتعتقد أنه صائب.

– في نظرك إزاء تغول الإسلام السياسي المتشدد، والعنصري الطائفي مع النساء، كما تشيرين في بعض نصوصك، ماذا يمكن أن تقدمه النسوية الإسلامية من خدمات وإسهامات معرفية وسياسية،  بحيث تكون  في صالح التحول النوعي للحراك، في تطوره نحو حركة نسوية عراقية؟

 – منال حميد: في العراق هناك فهم ملتبس وغير واضح تقريبا، حول النسوية الاسلامية لدرجة الاعتقاد بأن كل من تتمسك بدينها، وتمارس نشاطها النسوي دون المساس بمحظورات الدين على النساء، هي نسوية إسلامية وهي ليست الحقيقة بلا شك. النسوية الاسلامية مدرسة تتطلب الجرأة والشجاعة والقوة لنسف ثوابت وأحكام وآيات عبر استخدام أدوات متعددة كالسياقية، وأسباب النزول وإعادة التأويل. لا يستطعن من يتوهمن أنهن تحت ظل النسوية الاسلامية موافقتها. وغالبية من كنت بتماس معهن كن إسلامويات، لسن ضد أي حكم إسلامي يخص النساء.  ولسن نسويات اسلاميات، حيث هن  لا يبعدن أكثر من جمل من قبيل (الاسلام كرم المرأة والله رحيم وليس بالصورة التي يروجها دعاة الاسلام ولا يوجد تقاطع بين الدين روحيا وبين احكام النساء). وهي جمل تكشف عن أحد أمرين برأيي، إما التي أمامي هي متدينة تدين العامة الذي نألفه، ولا تريد أن تعرف أبعد من ذلك، وتنعم ببعض انتصارات القوانين المدنية في حياتها الاجتماعية، أو أنها لا تعرف النسوية الإسلامية، ولم تتعمق فيها. وفي الحالتين مستوى النشاط فيها يكون قشط سطح دون الحفر بالجذور، وتنقية الدين مما علق به وفق تصورات المدرسة النسوية الإسلامية. وفي الأحوال المثالية لفهم هذه المدرسة وتطورها بالعراق، وبشكل متماسك، برأيي نستطيع أن نستفيد منها بشكل تكتيكي لا استراتيجي، و  من الممكن أن يكون لها قبول ونحقق من خلالها انتصارات لها تماس بحياة النساء مثل قانون الأحوال الشخصية.

– ماذا عن تجربتك في تحالف أمان النسوي؟

– منال حميد: قبل أن أتعرف على المنظمات والتنظيمات النسوية، وبسن مبكرة قرأت الكثير عن تاريخ الحركة النسوية في الوطن العربي والعراق.  ولاحظت في الحركة النسوية المصرية، في بواكيرها أنها مرتبطة بحزب الوفد. وأن الحركة في العراق مرتبطة بالحزب الشيوعي، وكنت أعتقد أن المنظمات ربما هي البديل عن هذا، باعتبارها مستقلة عن الأحزاب.

لكن وبالتعرف الوجاهي أو الميداني مع المنظمات، وجدتها وبأحسن الأحوال مؤسسات حقوقية وليست نسوية. وتعيد إنتاج النظام الأبوي في إدارتها لعملها الذي ينبغي أن ترفضه، وتقسم الناس فيها الى موظفين بأجر، وموظفين من غير أجر ( متطوعين ).  وهذا عندي لا يعني أنها منظمة نسوية وإن عرفت نفسها كذلك.

فابتعدت، حتى وجدني تحالف أمان ووجدته. ولم أصدق أنه لا يُسير بشكل هرمي، بل أفقي في إدارته لعضواته، الى أن عايشت معهن التجربة. وحضرت لقاءاتهن وتعرفت على المؤسِسات بشكل أعمق ، وهذا كان مطمئنا لي، وخاصة عندما شهدت مناقشة حول موقف كانت المؤسِسات يرفضنه. لكن العضوات أصررن عليه، وبالفعل تم تنفيذه، وهذا أشعرني بأنني وصلت للمكان الذي أنشده. ربما ليس بالشكل المثالي، أو الذي أطمح له، لكن هو مثالي كتنظيم نسوي وفق السياق العراق النسوي الحالي، وهو بلا شك مستمر في تطوير نفسه .

يركز بشكل أساسي على خلق كوادر نسوية، قادرة على تقديم الأعمال والأنشطة النسوية بسخاء، ولأجل القضية ذاتها لا من أجل النفع، أو الكسب، او تحويل النسوية الى مهنة، وعلى إنتاج المعرفة النسوية عبر توطين تلك المعرفة لا استيرادها هي أيضا.

التحالف يعترف باستمرار على أنه يشق طريقه، لكن بأسلوب كرة الثلج التي تسقط صغيرة وتتدحرج لتلف معها أشباهها، وتتحول الى كرة كبيرة ومؤثرة وهذا تواضع.

أعتز بتجربتي مع هذا النوع من التنظيمات التي لا تنفصل عن القواعد، وتأخذ ظروفهن من حيث شح الموارد والحبس القسري بعين الاعتبار.  فرغم إمكانياته للعمل بشكل أساسي على الأرض، لكنه فضل وما زال يفضل استخدام الرقمنة لأنها تناسب واقع النساء العراقيات في الوقت الحالي.

Visited 40 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

لحسن أوزين

كاتب مغربي