في الذّكرىَ 61 لرحيل الزّعيم محمّد عبد الكريم الخطّابيّ: برحيلك َتدَاعَتْ صُرُوحُ المَجْدِ

في الذّكرىَ 61 لرحيل الزّعيم محمّد عبد الكريم الخطّابيّ: برحيلك َتدَاعَتْ صُرُوحُ المَجْدِ

د. محمّد محمّد الخطّابي

     بمناسبة حلول الذكرى الواحدة والستّين لرحيل المشمول برحمة الزعيم محمّد عبد الكريم الخطابي الذي لبّى دعوة ربّه  فى 6  من شهر فبراير من عام 1963 بأرض الكنانة بقاهرة المُعزّ لدين الله، واستبشاراً، واستذكاراً، واستغواراً، واستحضاراً لما قام أنجزه هذا البطل الشّهمُ فريد زمانه في الكفاح والنضال إلى جانب المجاهدين الصّناديد، والشّهداء الأبرار الآخرين رحمهم الله تعالى جميعاً بواسع رحمته، الذين أعطوا النّفسَ والنّفيسَ، من أجل صَوْن كرامتهم، والذّوذ عن شرفهم، ونخوتهم، وشهامتهم خلال حرب الرّيف التحرّريّة الماجدة التي خاضها أجدادُنا الميامين ببسالة، وشجاعة منقطعتيْ النّظير ضدّ المستعمِر الاسباني الغاشم، والتي سَمَتْ بالمغرب، وبسائر المغاربة الأحرار قاطبةً من أقصى البلاد إلى أقصاه إلى أعلىَ قمم العزّة  والكرامة، وأسمىَ منازل السّؤدد والمجد، وبوّأت هذا البلد الأمين مغربنا الحبيب أرقى مقامات الرفعة والخلود، فى مختلف أنحاء المعمور. ففى مثل هذا اليوم من أيّام الله المشهودة، طُوِيتْ صفحةٌ رائعة من صفحات تاريخ النضال، ولم تُطْوَ أصداؤُها، ولم تُمْحَ مناقبُها، ولم تُنْسَ أمجادُها ومآثرُها إلى اليوم، والتي ما انفكّت الأجيال، تلو الأجيال تتغنّى بمآثرها فى مختلف ربوع هذا البلد الامين الذي لا يرضى الذلّ والخنوع، وما برح يذكّرنا هذا الحدث التاريخي العتيد في كلّ حَوْلٍ بالمعارك الباسلة التي خاضها المجاهدُون الصّناديد ضدّ المستعمِر الإسباني والفرنسي، وفى طليعة هذه المعارك الكبرى التي تعتبر ذُرَّة البطولات، وذِرْوة الانتصارات، وأمّ المعارك فى تاريخ المغرب احديث وهي معركة  “أنوال” وبهذه المناسبة كذلك نتضرّع إلى المولىَ جلّ وَعَلاَ ليشملَ كافةَ مجاهدينا الأشاوسَ، وشهداءَنا الميامينَ في أعالي شمال المغرب وأقاصي جنوبه وفى شرقه وغربه بواسع رحمته، وأن يُسكنهم اللّهُ تعالى جميعاً فسيحَ فراديسه وجنانه، وأن يُمطر عليهم شآبيبَ رضوانه وغفرانه.

وأذكر من بينهم فى هذا المقام  جدّنا الأبرّ من والدنا المُنعّم تغمّدهما اللهُ تعالى بواسع رحمته  – بشهادة شقيق القائد البطل السّي مَحمد عبد الكريم الخطابي خلال لقاءاتي المتواصلة به في القاهرة أواسط الستينيّات من القرن الفارط – المجاهد الصنديد “مُوحْ نَ سِّي أحمد الورياغلي الأجديري خطّابي” شهيد معركة أنوال الخالدة، إلى جانب العديد من الشّهداء الآخرين من الأبطال الأبرار والميامين الأخيار فى يوم الأربعاء 21 من شهر يوليو 1921.

وعلى الرّغم من بُعد المزار، والنأي عن فى الوطن الغالي والديار، تفتّقت القريحة، وجاد العقلُ، وتدفّق القلبُ، وانتشتِ الرّوحُ، وتحرّك الوجدانُ، ونطق الِلسانُ، وفاض الجَنانُ، وفار، وفاه القلَمُ بهذه الإفصاحات، والإجهاشات التلقائية، والمشاعر الإسترجاعية وبهذا الدّفق أو التداعي العفوي العميق، فأقول:

برحيلكَ تدَاعَتْ صُرُوحُ المَجْدِ

تَداعتْ صُرُوحُ المجدِ بالكوكبِ الدُرِّي/

وأنوارُ شُموسِ اللّه غابتْ مع الظهرِ/

تَداعىَ حِمَى الإيمانِ والعَدلِ والهُدَى/

وقوّاتُ بأسٍ دونها قوّة الذرِّ/

أبطالٌ الشّهادة  جاشت نفُوسُهم/

فأصبحوا نورَ التُّرب والمِسْكَ للقبْر/

فتاهت عقولٌ كانت بالأمس رشدَها/

وزاغتْ عيونٌ دمعُها لجّةُ البّحر/

أشاوسُ تعالتْ بكم الشّهامةُ والندىَ /

ونضالُكم على كلِّ لسانٍ بها يَسْرىِ/

هبّ المجاهدُون عن بكرة أبيهمُ/

ونزلتْ على الأعداء قاصِمَةُ الظّهرِ/

وَكَالطّيرِ مِكلُومِ الجناحيْن فإرْتَمَىَ/

على الصّخرِ منهوكاً تحطّم بالكسْرِ/

كأنّ لدَى إستشهادكُمْ يا نخوةَ أَرْضِنَا/

جُسُومٌ بلا رأسٍ أيادٍ على البَّترِ/

أبناءُ الأماجدِ والأفاضلِ والحِجَى/

أحفادُ المَكَارِم والميامين والفخرِ/

كلُّ  العشائرِ والمداشرِ تحتفي /

بشهامتكم  دوْماً من نَصْرٍ إلى نصرِ/

فخرَ المغاربة والصّناديد والنُّهَى/

مجدَ المعالي والنّدَى وغُرّة الدّهرِ/

أساسُ جِهادُكمْ فرقانٌ وشهادةٌ/  

وذِكْرُكُمُ للّه فى السرِّ وفى الجَّهْر/

شجاعتكمْ فى القلوب كانت تميمةٌ/

تجذلنا من  حيثُ ندْرِى وَلاَ ندْرِى/

هذا ” الرّيفُ” قد ألقى إليكمْ بسَمْعِه/

وذِكْركمْ فى كلّ رياضٍ به يَجري/

عَجَباً أنْ يُرَوَّعَ الرُّومِيُّ ويَنْثني/***

تحت أَقْدَامِكُم وإِقْدَامِكُم سَاعَةَ الظّفْرِ/

طلائعُ النّور تهفُو إليكمْ بوَهْجِهَا  /

وذكرَاكُمُ فى النفوسِ عاطرةِ الذِّكر/

حُشْدٌ على الحَقِّ صُنَّاعُ المَجْد والفِدَا/

مع بزُوغِ  شمسٍ أو قمَرٍ أو بَدْرِ/

أنوالُ يا مَرتعَ البطولاتِ بأسرها/

أدواحُكِ العَلياء  دائمةُ النّضرِ/

***

* – تحريراً فى 6 فبراير 2024 “حيّ المزمّة” (أجدير) – الحسيمة.

** – الرُّوميّ أو ذَارُوميِ، هو اسمٌ أو صّفةٌ أو نعتٌ كان يطلقه أهلُ الرّيف على الإسبان الدخلاء، أو على الأجنبيّ بشكل عام، وواضحٌ أنّ هذا الاسم يعود لعهد الرّوم منذ وجود الإمبراطورية الرّومانية قبل الفتح الإسلامي بشمال إفريقيا، وجَمْعُ ذارومي هو ”إِيرُومِييّن”.

شارك الموضوع

د. محمد محمد الخطابي

كاتب، وباحث، ومترجم من المغرب عضو الأكاديمية الاسبانية- الأمريكية للآداب والعلوم بوغوتا كولومبيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *