المجاهد والزعيم بنسعيد آيت إيدر.. وطنية ونضال وترافع

المجاهد والزعيم بنسعيد آيت إيدر.. وطنية ونضال وترافع

 مصطفى المتوكل الساحلي

     ولد وترعرع الوطني المجاهد والمقاوم والقائد السياسي سي محمد بن سعيد أيت إيدر في يوليو 1925 بمنطقة تين منصور بسوس، التابعة لإقليم شتوكة آيت باها، حيث تلقى تعليمه بالمدارس العتيقة.. وفي أوائل الأربعينيات التحق بمراكش ليتابع دراسته بمدرسة ابن يوسف، حيث التقى ثلة من الشباب الوطنيين الجاهزين للعمل الوطني والنضالي ومقاومة الاستعمار ومنهم، محمد الفقيه البصري ومحمد بوراس الفكيكي ومولاي عبد السلام الجبلي …إلخ.. حيث كانت لهم علاقات وطيدة بالفقيه العلامة المختار السوسي من جهة، وبعض المقاومين، ومنهم عمر المتوكل الساحلي وعبد الله إبراهيم، هذا الأخير هو من ساهم في تأطيرهم السياسي والفكري للحزب، وحضروا دروسا وعروضا  قدمها المهدي  بنبركة، وخاصة في مجال حركات التحرر العالمية، بمناطق من آسيا والمشرق العربي، وكذا تاريخ المغرب.

   التحق الراحل محمد بنسعيد بالقطاع الطلابي لشبيبة حزب الاستقلال 1948، وقام مع رفاقه الطلبة بمبادرات نضالية احتجاجية ومطلبية، بتنسيق مع الحركة الوطنية، كما كانوا ينسقون مع طلبة جامعة القرويين بفاس.

   في عام 1951، وبعد القمع الذي تعرض له طلبة القرويين، خاض طلبة كلية بن يوسف إضرابا عاما عن الدراسة واحجاجات تضامنية، مما أدى بأجهزة الاحتلال إلى قمعهم بواسطة عميلهم الباشا التهامي الكلاوي. وتعرض بنسعيد للضرب والتنكيل مثل رفاقه الفقيه البصري ومولاي عبد السلام الجبلي وبوشعيب الدكالي الحريري وعمر البيضاوي. ونتيجة لذلك قام بنسعيد رفقة طالب آخر بالتعرض لأحد العملاء وأشبعوه ضربا، مما جعل الاحتلال يبحث عنهم، فتسللوا إلى الرباط بنية مقابلة الملك محمد الخامس، حيث استقبلهم ولي العهد آنذاك مولاي الحسن، ليتدخل الملك  لصالح الطلبة الذين تم ترسيبهم في امتحانات الباكلوريا، ليعاد لهم الامتحان، فنجح  بنسعيد و أربعة أخرين من أصل عشرة، وقامت قوى الاحتلال باعتقال ونفي بنسعيد إلى مسقط رأسه بتين منصور بشتوكة في مارس 1952. وقاموا بتنظيم  أنشطة منها الاحتفال بعيد العرش 18 نونبر 1952. كما قاموا بمهام ذات صلة بالعمل السياسي الوطني، بتواصل مباشر مع نظرائهم في الرباط والدار البيضاء وفاس وأكادير ومراكش ومكناس،  ولعبوا أدوارا نضالية وتنظيمية مهمة في دعم المقاومة وتأطير الاحتجاج ضد اغتيال الزعيم النقابي فرحات حشاد، ثم أطروا  بخلايا المقاومة الأحداث، التي أعقبت نفي الملك محمد الخامس وأسرته 20 غشت 1953. مما تسبب في تعرضهم لابتلاءات جعلت البعض منهم يغادر مراكش إلى فاس ثم إلى الدار البيضاء، وبصموا تاريخ المقاومة بقيادتهم وحنكتهم، سواء بمراكش أو الدار البيضاء، التي كانت تقوم بمهام التنسيق والتخطيط والتوجيه، حيث التقوا بمجاهدين آخرين ينتمون إلى سوس ومناطق مختلفة من المغرب…

   في أبريل 1954، انتقل إلى سيدي إفني بآيت باعمران، منطقة البطولات والوفاء، وهي منطقة محتلة من طرف الاسبان، وشكل رفقة ثلة من المقاومين، الذين انكشف أمرهم عند المخابرات الفرنسية، قاعدة خلفية للمنظمة السرية، وأحدثت شبكة للاتصال والتنسيق مع الدار البيضاء ومراكش، وقاموا بتنسيق مع البعض من رجالات آيت باعمران بفتح مدرسة ابتدائية، أساتذتها من اللاجئين للمنطقة، مما تسبب في تخوف الاحتلال الاسباني منهم، ليقوم بإبعاد البعض منهم إلى الداخلة، التي نقلوا إليها عملهم الوطني والتعبوي الذي أبعدوا من أجله.

   وفي أوائل 1955، وبعد اعتقال أحد أعضاء المقاومة السرية بمكناس، امتدت الاعتقالات لتشمل العديد من المقاومين بعدة مدن من تازة وتافيلالت ووارزازات ومناطق بجنوب المغرب، فقامت  قيادة المقاومة بترحيل العديد منهم، من الذين كانوا  مهددين ومستهدفين من البوليس الفرنسي، إلى مركز سيدي إفني في الجنوب ومركز تطوان بالشمال.

   هكذا توفرت شروط تأسيس جيش التحرير بالشمال، في 2 أكتوبر 1955، بعد تحضيرات عدة، تابعها بنسعيد منذ بداياتها ليلتحق بجيش التحرير في الشمال (دجنبر 1955)، مكلفا بمهمة التنسيق وربط الاتصال بين القيادة المركزية بتطوان ومواقع جيش التحرير بالشمال والجنوب، سيدي إفني ومدريد، ونظرا  للصراعات التي شهدها  المغرب بعد الاستقلال مباشرة  بسبب اختراقات ومشاكل وصراعات سياسوية ، كانت وراءها عدة جهات، منها بعض قيادات الجيش، لهذا بذلت محاولات لتصفية الأجواء ولم الشمل، ولعب بنسعيد آيت إيدر  دورا  أساسيا في إعداد جوازات سفر وإخراج كل من الفقيه البصري وسعيد بونعيلات وحسن صفي الدين الأعرج لاجتماع في مدريد، دعا له وحضر وساهم في تأطيره علال الفاسي بدار عبد الكبير الفاسي، بحضور المهدي بنبركة والدكتور الخطيب والحسين برادة وعباس لمسعدي وآخرين.

    ولاعتبارات دقيقة لتجنب فشل الاجتماع  غادر الاجتماع كل من المهدي بنبركة وعبد الكبير الفاسي، ومما تمخض عن هذا الاجتماع المصادقة على قرار عدم  تجريد  جيش التحرير من السلاح.. في فبراير 1956 عقد لقاء بالقاهرة بإيعاز من جمال عبد الناصر وقيادة الجزائر، للتنسيق والاتفاق بين قيادات من مصر والجزائر وتونس وجيش التحرير المغربي، على عدم وضع السلاح وضرورة مواصلة الكفاح المشترك حتى تحرير شمال إفريقيا، المغرب وتونس والجزائر، وأكدوا رفضهم للاتفاقات السياسية للأحزاب، وبعد اغتيال عباس المسعدي سيكلف عبد الكريم الخطيب بحل جيش التحرير. ونظرا لتعثر وفشل لقاء مدريد، قامت قيادات من جيش التحرير والمقاومة بالدار البيضاء والخميسات بتشكيل ثلاث لجن عمل: واحدة يرأسها بنسعيد، والثانية بوشعيب الحريري الدكالي. وقد تعطلت هذه المبادرة. وقام إبراهيم الروداني ما بين 1956و1957 بمحاولات أخرى لتوحيد فصائل المقاومة، لكنه فشل في مهمته، لتخندقهم في أحزاب ومنظمات ثلاثة: حزب الاستقلال، ونقابة الاتحاد المغربي للشغل، ومنظمة الهلال الأسود التابعة لحزب الشورى والاستقلال… وكانت إرادة الدولة تجريد جيش التحرير من السلاح، وعمد بنسعيد أيت إيدر إلى  تحويل الأسلحة التي توصل بها إلى جيش التحرير بالجنوب المغربي، بعد أن وافق محمد الخامس على مواصلة الكفاح المسلح، لتحرير كل الأراضي المحتلة من فرنسا وإسبانيا…

   – شارك محمد بنسعيد أيت إيدر وبوشعيب الدكالي مع الملك محمد الخامس ووزير الداخلية إدريس المحمدي، بإدماج المقاومين، بتوظيف العديد منهم في الجيش الملكي والقوات المساعدة ووزارة الداخلية.. إلخ، ومنحت  رخص النقل للبعض منهم، ونظرا لانحراف وخروج عملية الإدماج وتسوية أوضاع المقاومين عن الخط السليم، قرر بنسعيد  الالتحاق بجيش التحرير في الجنوب..

   – يشير بنسعيد آيت إيدر في مذكراته، أنه في 1956 توافد على المغرب وعلى كلميم، مركز جيش التحرير قيادات سياسية ووطنين، من موريتانيا ومنهم الزعيم الموريتاني حرمة ولد بابانا، الذي كان عضوا بالمجلس الأعلى لإفريقيا الغربية والنائب البرلماني في الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان)، ومنهم باهي محمد حرمة.. وأصدر الملك  محمد الخامس التوجيهات  لجيش التحرير ليحرر الجنوب ولمؤازرة موريتانيا ضد فرنسا…

   فكان أول هجوم في 6 يوليوز1956، على معسكر للجيش الفرنسي يسمى بفم الاعشار ، قتل فيها 25  وأصيب 100 من العدو، واستشهد جندي واحد من جيش التحرير وجرح ستة… وتوالت الهجمات النوعية القوية لجيش التحرير ضد الجيش الفرنسي، منها : مركالة، ومحاميد الغزلان  والسويحات، والزمول…

   … وانطلق فصيل من جيش التحرير في أكتوبر 1956 ليصل في يناير 1957 لموريتانيا، ورغم بعد الطريق عبر الصحراء الوعرة واعتماد طرق الدواب، ورغم الصعوبات بما فيها طرق الإمداد والدعم، فقد تعرض الجيش الفرنسي لخسائر فاقت أضرار جيش التحرير.. ليقوم الجيش الفرنسي بتدعيم قواته وقدراته، مما اضطر فصيل جيش التحرير إلى التراجع غير المنظم بسبب القصف المدفعي المكثف…

  .. يقول بنسعيد آيت إيدر إنهم خططوا  بعد شهر من هزيمتهم الأولى للانتقام من الجيش الفرنسي، فكانت المعركة الأولى في 14 فبراير 1957 قرب جبل رغيوة ببير موكرين، ضد كتائب الفرنسيين القادمة من تيندوف.. فتمكن جيش التحرير من خوض عدة معارك ومناورات حررت السمارة وطانطان، واضطر الجيش الاسباني إلى إخلاء العديد من المناطق والمراكز  العسكرية، كما غادرت قوات الاسبان منطة الداخلة ومركز العركوب  وأوسرد،  وكانت هذه المعارك بتنسيق ودعم من قبائل الرقيبات وأولاد دليم والصحراويين المنخرطين في الجيش الاسباني… وقام  المقاوم ناضل الهاشمي منفردا مع مرافقين بنقل سلاح بسيارة لاندروفر من السمارة إلى وادي الذهب، وبالتفاف القبائل معهم، وكذا المغاربة المنتمين للجيش الاسباني، حيث فر الاسبان إلى الكويرة.. فأصبحت لجيش التحرير  مطلق الحرية للتحرك في ربوع الصحراء، وقطعه لخطوط إمدادات الجيش الاسباني، وحصار طرفاية والعيون والداخلة. وبفضل معلومات استخبارية للصحراويين، التي أبلغت لجيش التحرير، قام بوضع خطط دقيقة مكنته في صبيحة الأول من فبراير 1958، إذ انطلقت معركة امتدت لثلاثة أيام، مكنت من الإيقاع بفرقة عسكرية أبيدت كاملة 800 بضباطها، والتي كانت ستهجم لفك الحصار على العيون، ولعبت قبيلة أولاد دليم دورا في (معركة تافودارت)…

   –  تعرض بنسعيد لمحاولة اغتيال في عام 1957، عندما كان في لقاء سري بمنزل الراحل مايوحل بلقاسم في نواحي كليميم، ومن الحاضرين في الاجتماع كان كريم محمد بن إبراهيم الباعمراني ومحمد بورحيم المعروف بلقب بنسعيد الصغير، حيث بعد مغادرة الاجتماع اعترض طريقهم أفراد يحملون رشاشات، قالوا إنهم جاؤوا لتصفية أيت يدر، وبادرهم بسرعة بنسعيد الصغير بتوجيه رشاشه إليهم، لتفشل العملية …

   – في فبراير 1958 وقعت معركة “إيكوفيون”، تحالف فيها الجيش الاسباني والجيش الفرنسي، وتجهزا لها بكل أصناف قواتهم العسكرية برا وجوا.. وهجموا من كل الاتجاهات وعلى كل المحاور، في استهداف لجيش التحرير أينما وجد وتواجد، ورغم ذلك تكبدت جيوشهم خسائر كبيرة في سيدي إيفني وبيجاريفن وسيدي محمد بن داود الركنت… ولم تستثن قوات الاحتلال بتافودارت قتل الأطفال والنساء، وحرق كل ما فيه منفعة، وإعدام عدد كبير بمبرر أنهم متعاونين مع جيش التحرير.. وحاصرت قوات الاحتلال مراكز المقاومة، وقطعت طرق الإمدادات، وبلغ عدد المعارك بآيت باعمران 50 معركة، وبالصحراء المغربية 15 معركة. مما تسبب في  نزوح  وابتعاد السكان  عن مناطق المعارك، فوجدت قيادة جيش التحرير صعوبات في مواجهة الاستعمار وتوفير ظروف استقبال وإيواء النازحين، وضعفت قدرات جيش التحرير المالية، التي كانت تغطي بعض مصاريف المجاهدين الدنيا المتعلقة بالتموين واللباس والسلاح.. وعتبارا لهذه الوضعية الصعبة لعب المهدي بنبركة أدوارا محورية في تقديم الحلول، اعتمادا على خبرته في أوراش بناء “طريق الوحدة” لتأطير وتوجيه التدخلات، ومن نتائج هذه المعارك الأخيرة اضطر الاحتلال الاسباني إلى  الاعتراف باستقلال طرفاية، التي حررها جيش التحرير وأحكم دفاعاتها…

    ولظروف عسكرية، ولتباين الإمكانيات العسكرية بشريا ومعدات، يوضح بنسعيد آيت إيدر أن المعتمد في مواجهة  قوات الاحتلال الفرنسية والاسبانية كان أسلوب حروب العصابات..

   – يعتبر بنسعيد  نتائج معركة “إيكوفيون” هزيمة عسكرية  لجيش التحرير وليست سياسية.  وتحدث عن مؤتمر  “بوخشيبة” بين منطقة طرفاية ومنطقة العيون (12 مارس 1958) عقد اجتماع ضم رؤساء القبائل الصحراوية وشاركت فيه قبائل من موريتانيا  وحضره ولي العهد (الحسنالثاني).. ومن االمواقف والتوصيات المنبثقة، تأييد خطاب محمد الخامس الذي ألقاه في المحاميد بتاريخ 26 فبراير 1958، والذي أكد على استمرار الكفاح حتى استرجاع كل الأراضي المغربية المحتلة، كما حضرت قيادات جيش التحرير لعقد مؤتمر  ثان في الرباط، في مارس 1959، حضره مؤتمرون عن كل قبائل الصحراء الغربية والشرقية، وعن موريتانيا، وآيت باعمران.. ومن القضايا المطوحة اتخاذ كل التدابير لتحرير الصحراء وموريتانيا، وقرأ  ولي العهد كلمة نيابة عن الملك، وانتخب فال ولد عمير، أمير التوارزة الموريتاني، رئيسا للمؤتمر، وعلى حرمة ولد بابانا، والعبادلة بن الشيخ محمد الأغضف نائبين له.. واعتمد توصيات مؤتمر “بوخشيبة”… 

    – بنسعيد آيت شغلته مهامه ومسؤولياته بجيش التحرير بالجنوب لثلاثة أعوام عن تطورات الوضع السياسي المقلقة بالمغرب والمليئة بالصراعات والتناقضات داخل حزب الاستقلال، بين المحافظين والتقدميين من جهة، والاستقلال مع حزب الشورى والاستقلال من جهة ثانية، وفي مواجهتم  سياسيا  وكيديا  كانت الحركة الشعبية التي كان وراء تأسيسها كل من الدكتور عبد الكريم الخطيب والمحجوبي أحرضان، وأحمد رضا كديرة الذي أسس تكتلا تحت مسمى “الدفاع عن المؤسسات الدستورية” (الفديك)..

   وهكذا أسست لجنة سياسية يؤطرها المهدي بنبركة للتحضير  لمؤتمر الحزب (11 يناير 1959)… وكان محمد بنسعيد من بين مؤسسي الجامعات المتحدة في 25 يناير 1959، ليخرج إلى الوجود حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.

   ومما قاله  سي بنسعيد أيت إيدر في كتابه عن المهدي بنركة بأنه: تعرض لمؤامرات خطيرة باعتباره يمثل الوجه الأبرز للحداثة بالمغرب، وأنه الحامل لمشروع الدولة العصرية الديموقراطية المحصنة والمستقلة.. وهو صاحب القوة الاقتراحية التي كانت تميزه عمن سواه من السياسيين الآخرين.. وأبدع عمليا عندما خطط ووضع مشروع طريق الوحدة شمال المغرب، وأنه يمتلك طاقة ودينامية تؤثر بقوة في محيطها وقادر على تعبئة الموارد البشرية، ويمتلك رؤية مستقبلية باقتراح مشاريع وبرامج  كبرى للتنمية، مثل الإصلاح الزراعي.. وكان له وزن كبير ومعتبر في الخارج، لكل ذلك وغيره طبخت المؤامرات والاتهامات للقضاء عليه والإضرار بالخط الوطني الديموقراطي، لذلك روج  أعداؤه لفرية لئيمة بأنه هو من اغتال عباس المسعدي وذلك لتفجير صراعات مهلكة…

   – وقال سي بنسعيد يعتبر اليوسفي والبصري من أبرز رموز المقاومة المغربية وحركة التحرر الوطني لذلك استهدفا أيضا بمؤامرة المس بسيادة الدولة ومقدساتها، بالاستناد على مقال نشر بجريدة “التحرير” 1959 يدافع عن الشرعية واستقلال الدولة، حيث تم اعتقالهما وامتدت الاعتقالات لتشمل العديد من الوطنيين والمقاومين وقياديين، منهم بنسعيد ايت ايدر، الذي نصب له سد أمني بالطريق خارج كلميم، ليعتقل ويرسل إلى الدار البيضاء بمعتقل درب السلطان، حيث تعرض للتعذيب بكل الوسائل، مثل غطس الرأس في الماء النثن الملوث، والصعق بالكهرباء، لمدة 15 يوما.. وبقي في السجن لشهرين دون محاكمة، وهي الفترة التي تم فيها تفكيك جيش التحرير بالجنوب..

   –  بعد خروج سي محمد بنسعيد  واصل نضاله السياسي  في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ليصبح مسؤولا وطنيا في الحزب، مكلفا بالتنظيم، بعدما  كان مسؤولا حزبيا في الجنوب المغربي..

   وبسبب ارتفاع وتيرة التضييق والاعتقال والمؤامرات، ولأنه مبحوث عنه من البوليس المغربي، غادر المغرب بالتنقل سرا  من الدار البيضاء إلى وجدة، ثم دخل الجزائر عبر وهران في  8 دجنبر 1962 ، وبقي في الجزائر إلى 1963 ليعود للمغرب لاستئناف نضاله..

   – بعد ما سمي بمؤامرة يوليوز 1963، اعتقل الفقيه محمد البصري وعمر بنجلون، وحكم عليهما بالإعدام، كما حوكم سي محمد بنسعيد غيابيا، وحكم عليه بنفس الحكم..

   – أصبح سي بنسعيد  في الجزائر التي التجأ  إليها، مسؤولا عن مشاكل اللاجئين المغاربة، حيث بادر هو ومولاي عبد السلام الجبلي بتفكيك معسكر لتدريب بعض المغاربة اللاجئين بالجزائر على السلاح..

  وقام سي محمد بنسعيد وسي محمد اليازغي  بزيارة بنبركة في جنيف، والذي فتحت معه قنوات الاتصال من الدولة لأجل عودته للمغرب، وفق أرضية سياسية اقترحت عليه، والتي لم يتم التوافق عليها لتباين التوجهات حول مغرب المؤسسات..

  – وعندما تعرض المهدي للاختطاف ثم التصفية، صرح سي محمد بنسعيد: ” كان  خبر اختطاف بنبركة واغتياله  قد نزل علينا كالصاعقة”.

  – وفي علاقته بالفقيه البصري حسم بمعية الجبلي في أمر النهج الذي يتبعه البصري: “وبلغ الخلاف بيننا وبين الفقيه حد القطيعة والخروج من الجزائر 1967”.. ويقصد وقوف البصري وراء إحداث تنظيم سري مسلح بالمغرب، والذي انكشف أمره، حيث اعتقل سنة 1969 أكثر من 300 مناضل وقائد، منهم محمد الحبيب الفرقاني، واختطف سعيد بونعيلات وأحمد بنجلون بعاصمة إسبانيا، وصدر 170 حكما بالإعدام، كما  وقعت أحداث مولاي بوعزة 1973 في نواحي خنيفرة، اعتقل فيها العديد من المناضلين والأطر، وصدرت في البعض منهم أحكام بالإعدام..

   بعد مغادرته الجزائر إلى فرنسا، عام 1967، بسبب الصراعات مع الفقيه البصري، نظم لقاء حضره بنسعيد والجبلي  وسي عبد الرحيم بوعبيد وسي عبد الرحمن اليوسفي وحسن صفي الدين لعرج، موضوعه المصالحة مع الفقيه البصري، وتم النقاش لضرورة صياغة خط جديد للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، غير مزدوج ولاغامض، أي: (الظاهر سياسي والخفي عمل مسلح)، وكان هذا الاجتماع هو السبب في انفراط علاقة بنسعيد بقيادة الاتحاد ..

   – تسجل في جامعة “فانسين” في ضواحي باريس 1968 لدراسة التاريخ والجغرافية، ونال الإجازة وهو يحمل اسما مستعارا هو: “خالد عبد الله”، وهو اسم لمواطن من مواليد تلمسان، واعتمده اسمه الحركي، باعتباره مهاجرا جزائريا.. وبه أعدت كل وثائقه في فرنسا آنذاك.. ومنحت له السلطات الفرنسية رخصة الإقامة السنوية باسم: “خالد عبد الله بنسعيد آيت إيدر”، ولم يتخل عن تلك الهوية إلا بعد أن رجع إلى المغرب سنة 1980.

   – اتصل أحمد حرزني ببنسعيد في باريس مقترحا عليه المشاركة في “منظمة 23 مارس”.

  – اشتغل رفقة رشيد سكيرج وأحمد الحجامي والعربي مفضال ومحمد الحبيب الطالب، على إحداث وإصدار “جريدة 23 مارس”، حيث صدر عددها الأول سنة 1973 واستمرت إلى 1979، وركز خطها التحريري على انتقاد سياسات الدولة المغربية وانتقاذ النظام الجزائري..

  – زاره مصطفى الوالي في بيته بباريس بفرنسا، والذي سيصبح رئيسا للبوليزاريو.. وكان النقاش حول الصحراء المغربية وضرورة إيجاد مخرج لها لتحريرها من الاستعمار، ولم يكن يومها مشكل الانفصال مطروحا. وعبر الوالي عن استعداده للوقوف مع الجيش المغربي بتعبئة الشباب الصحراوي إذا قرر الجيش  تحرير الصحراء..  ولم يلتق به بنسعيد بعد هذا اللقاء.. وللإشارة فمصطفى الوالي من الشباب الذين أرسلهم بنسعيد إلى البيضاء سنة 1957 لمتابعة دراستهم..

  – بعد العودة للمغرب في 8 مارس 1981. وبعد مشاركته في تحضيرات أدبية ومادية، تم تأسيس “منظمة العمل الديموقراطي الشعبي” عام 1983.  

  – وبعد توقيف “جريدة 23 مارس” أسست جريدة  سميت باقترح بنسعيد  “أنوال”، وتم اعتماد الاسم لرمزيته التاريخية والوطنية، وصدر العدد الأول منها في نونبر 1979 وهي شهرية، وتجدر الإشارة إلى أنها كانت متميزة ورائدة وأصبحت لسان الاتحاد الاشتراكي بعد منع جريدة “المحرر” واعتقال عبد الرحيم بوعبيد والعديد من أعضاء القيادة الحزبية، بسبب موقف الاتحاد من الاستفتاء على الصحراء، الذي خالف توجه الدولة، و قام  سي محمد بنسعيد بزيارة للسي عبد الرحيم بوعبيد في السجن..

   – ساندت منظمة العمل الديموقراطي الشعبي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، منذ بدايتها الشرعية، حيث قررت قيادتها دعم مرشحي الاتحاد الاشتراكي في الانتخابات الجماعية ودعت للتصويت عليهم..

   – توقفت  جريدة “أنوال” التي كانت في اسم مديرها عبد اللطيف عواد، مثل كل الجرائد الحزبية لاعتبارات قانونية، بعد 17 سنة من العطاء السياسي والثقافي والتأطيري، ذلك بسبب الاستفتاء على الدستور 1996، الذي كان قرار المنظمة هو مقاطعته، فوقع صراع قوي داخل المنظمة، مما أدى إلى انسحاب العديد من الأطر القيادية والكفاءات الذين انضم أغلبهم بحزب الاتحاد الاشتراكي لاحقا ..

   – قررت منظمة العمل تقديم ترشيحات للانتخابات التشريعية 1984، حيث ترشح سي بنسعيد عن دائرة شتوكة آيت باها، موطنه الأصلي، حيث فاز بمقدها البرلماني..

   – ساهم في تأسيس تحالف وطني وتقدمي بالبرلمان، مكون من حزب الاستقلال، وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب التقدم والاشتراكية، و حزب منظمة العمل الديموقراطي الشعبي.

   – انتخب للبرلمان 4 ولايات لمدة 23 سنة من الترافع والنضال والدفاع عن قضايا منطقته والجماهير الشعبية.. ومن بين ما تميز به البرلماني سي محمد بنسعيد هو طرحه لقضية المعتقل السريري السيئ الذكر “تازمامارت”، والذي كان من بين معتقليه قيادات من جيش التحرير المغربي منهم: ولد ميارة من رقيبات الشرق، والوالي ولد يابيت من قبيلة العروسيين.. حيث ترافع بنسعيد حول وضعية المعتقلين الصعبة واللاإنسانية، وطرح موضوعها على وزير الداخلية إدريس البصري، ثم طرحها بالبرلمان، مما أثار رجة قوية في المشهد السياسي.. وأثناء طرحه لملف تازمامارت بالبرلمان في جلسة عمومية قاطعة الوزير أحمد العلوي مرارا، وقال له بنسعيد “إن لم تسكت فلدي ما أقوله فيك ولن يعجبك”. ويوضح بنسعيد في كتابه  أنه كان سيقول بأن أحمد العلوي أرسل برقية يناصر فيها دمية الاستعمار بن عرفة ضد ملك المغرب محمد الخامس. ويقول في مذكرته إن الوطني والقيادي الاتحادي عبد اللطبف بنجلون ومحمد التبر، أثارا في ملتمس الرقابة بالبرلمان ” 1963 البرقية  – وكان مسير الجلسة هو رئيس البرلمان أحمد عصمان، الذي أجاب الوزير بما مفاده: “هل أنا مسير الجلسة أم اأت؟ “ولقد تضامن  واحتج في الجلسة مع بنسعيد فريق الاتحاد الاشتراكي والفريق الاستقلالي ضد الوزير..

وفي 15 شتنبر 1991 وبعد نضال وتضحيات دامت طوال لعقود  الاستقلال.. سيتم إغلاق هذا المعتقل المشؤوم ويصدر عفو عام عن المعتقلين السياسيين وعن المنفيين بالخارج..

   – عملت منظمة العمل الديموقراطي الشعبي والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية على تأسيس المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، بعد أن وقع صراع داخل الاتحاد الاشتراكي أوائل الثمانينات، امتدت آثاره إلى الساحة الحقوقية والتنظيمية، حيث غادر البعض منهم الاتحاد، وأغلبهم كانوا  قياديين في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، التي كان الاتحاد يشكل نسبة راجحة من قيادتها وقواعدها..

–   تم تأسيس الكتلة الديموقراطية في ماي 1992، وتشكلت من : بنسعيد آيت إيدر وقيادة المنظمة، وعبد الرحيم بوعبيد وقيادة الاتحادالاشتراكي، ومحمد بوسته وقيادة حزب الاستقلال، وعلي يعته وقيادة التقدم والاشتراكية، والزعيم عبد الله إبراهيم عن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الذي أقنعه بنسعيد آيت إيدر بالانضمام إلى الكتلة الديمقراطية فقبل، لقد كان عبد الله إبراهيم أستاذا لبنسعيد بمراكش، ثم أصبحا صديقين وشركاء في العمل الوطني من أجل الاستقلال وبناء الوطن، ومن أبرز أعمالهما تقديم مذكرة تدعو للإصلاح الدستوري والسياسي والديموقراطي…

– كان الاستفتاء على دستور 1996، الذي تباينت فيه مواقف مكونات الكتلة، حيث  كان موقف الاتحاد مع الدستور الجديد، وموقف بنسعيد والمنظمة هو المقاطعة.. وهذا تسبب في صراعات داخل المنظمة وانشقاق والتحاق قياديين وقياديات ومناضلين ومناضلات منهم بالاتحاد الاشتراكي.

–  2002 ستتوحد أربعة  فصائل يسارية: منظمة العمل الديموقراطي الشعبي، وحركة الديموقراطيين المستقلين، والحركة من اجل الديموقراطية، وفعاليات يسارية مستقلة، وكان منهم من بقى من “منظمة 23 مارس”، ومنهم  أحمد حرزني، فعملوا على استكمال الإعدادات لتأسيس حزب جديد، ليلتحق بهم تيار الوفاء للديموقراطية، الذي يضم محمد الساسي واتحاديين آخرين. وسيكون المؤتمر الثاني 2007 ببوزنيقة، الذي سيغير اسم الحزب ليصبح “اليسار الاشتراكي الموحد”.

– بقي بنسعيد آيت إيدر وفيا لقناعاته وللخط السياسي والايديولوجي الذي اختاره لنفسه، وحافظ على علاقاته التاريخية مع القوى الوطنية والقيادات التقدمية والحقوقية، ومع رفاقه في المقاومة وجيش التحرير، بل حافظ على علاقاته بأسر من توفي منهم، يصل الرحم ويسأل عنهم ويشاطرهم أفراحهم وأحزانهم…

   – …بنسعيد سجل تاريخي متميز وذاكرة قوية وثقت لتفاصيل تهم حقبة أساسية من تاريخ الحركة الوطنية السياسية المغربية والمغاربية والعالمية، وتاريخ المقاومة المسلحة السرية بمدن وبوادي المغرب، وتاريخ تأسيس ونشأة وبناء جيش التحرير المغربي وأشرف على الانطلاقة الفعلية لأعماله بسوس والجنوب المغربي لتحرير الصحراء المغربية المحتلة من الدولة الفاشية الاسبانية والصحراء المغربية الشرقية المحتلة من نظام الحكم الفرنسي العنصري المشبع بالكراهية  واستعباد البشرية.

   سي محمد بنسعيد آيت إيدر من القادة السياسيين القلائل العارفين بتفاصيل وجزئيات وأسرار الجزائر وجيش تحريرها وقيادته، وخلفيات افتعالهم للصراع بالصحراء المغربية،…كما أنه كان من العارفين بحركة الشباب المغاربة بالصحراء، المتشبعين بأفكار الأجداد والاباء الوطنيين والمجاهدين بالجنوب المغربي، الذين كانوا من المبادرين الأوائل في تشكيل جيش أوائل القرن التاسع عشر والتحرك شمالا لمنع الاحتلال الفرنسي من بسط قواته وللعمل على طرده… كما أنه رحمه الله كانت له علاقة وثيقة بتكوين وتعليم الطلبة الصحراويين، سواء من التحق للدراسة بتارودانت أو أكادير أو الدار البيضاء،التي تميزت بتخصيص أماكن لإيوائهم والإنفاق عليهم… وهو ذاكرة غنية تعرف مفاتيح تاريخ العمل السياسي الحزبي منذ الأربعينات إلى يوم وفاته سواء الأحزاب الأصيلة أو المفبركة..

   انتقل إلى عفو الله ورحمته سي محمد بنسعيد آيت إيدر صبيحة يوم الثلاثاء 6 فبراير 2024، الموافق 26  رجب 1445 ه  بالمستشفى العسكري بالرباط، ودفن بمقبرة الشهداء بالدار البيضاء يوم الأربعاء 7 فبراير 2024.

نسأل الله أن يشمله بواسع رحماته ومغفرته وأن يجمعه مع الأنبياء والمرسلين والصالحين والشهداء والصديقين ورفاقه في والكفاح بالفردوس الأعلى…آمين … ونعزي أسرة الفقيد العزيز كما نعزي أنفسنا وكل رفاقه وإخوانه وأحبابه والحركة الوطنية والتقدمية والحقوقية والنقابية والمجتمع المدني .

– أصدر آيت إيدر مذكراته سنة 2018 تحت عنوان: “هكذا تكلم محمد بنسعيد”. –  وكتاب: “صفحات من ملحمة جيش التحرير بالجنوب المغربي”، قدم له ذ. عبد الله إبراهيم…

(*)  المقال عن كتاب “هكذا تكلم محمد بنسعيد”

شارك الموضوع

مصطفى المتوكل الساحلي

ناشط سياسي ونقابي مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *