عربٌ وغيرُ عربٍ.. كلُّهم لهم نصيبهم من الدم الفلسطيني المسفوك

عربٌ وغيرُ عربٍ.. كلُّهم لهم نصيبهم من الدم الفلسطيني المسفوك

عبد السلام بنعيسي

     احتدم الصراع بقوة في صيف سنة 2020، في ليبيا، بين الدولة المصرية من جهة، ونظيرتها التركية من الجهة المقابلة، وأوشك البلدان على الدخول في اصطدام مسلّحٍ فوق الأرض الليبية. فحين كانت قوات حكومة الوفاق الوطني التي تسيطر على الغرب الليبي، وتحظى بدعمٍ من أنقرة، تتأهب لاجتياح مدينة سرت الليبية، وفرض السيطرة عليها، بادر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، شخصيا، إلى إصدار تحذيرٍ شديد اللهجة، يهدد فيه، بتدخل الجيش المصري، عسكريا في ليبيا، إذا تقدمت القوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني في مدينة سرت الاستراتيجية، وراجت حينئذ تقارير إخبارية تفيد بأن القوات المصرية شرعت في اتخاذ الترتيبات اللوجستية اللازمة للدخول إلى ليبيا بغرض التصدي لأي اقترابٍ تركي من مدينة سرت، ودفع أي خطرٍ قد يدنو من الشرق صوب الحدود المصرية، وكان التبرير الذي تقدمه القاهرة لاتخاذها ذلك القرار هو أنها تدافع عن مجالها الحيوي، ولا تقبل بأن تصبح تحت ضغط  القوات التركية التي كانت تُعتبَرُ، بالنسبة للقيادة المصرية، دخيلة على ليبيا، ومحتلة لأرضها..

   وبمجرد وقوع أي مناوشة بين الدولة الإيرانية وأي دولة خليجية، كنا نقرأ في الصحافة المكتوبة، ونتابع، في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، تصريحات نارية تصدر عن المسؤولين المصريين، ضد الدولة الإيرانية، ويتم الإعلان في تلك التصريحات، بشكل جازم، بأن الجيش المصري سيتدخل لنصرة كل دولة خليجية تتعرض لعدوان من طرف إيران، وأن القاهرة لن تتردد في إرسال قواتها العسكرية والدخول في الحرب من أجل الدفاع عن أمن الخليج، باعتباره، جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، وللرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تصريح مشهور في هذا الباب، حيث أورد فيه أن الحضور العسكري المصري للدفاع عن أمن الخليج  ضد إيران خيارٌ معدٌّ ومحسومٌ، وأنه لن يتطلب سوى (( مسافة السكة)). وسمعنا وقرأنا مؤخرا تقارير إخبارية عن تهديد مصري بالتصدي لأي تدخلٍّ إثيوبي في الصومال، باعتباره بلدا عربيا يشكل امتدادا للعمق المصري في جواره الجنوبي.

   وبطبيعة الحال، لا يمكن لأي كان أن يجادل في حق مصر في الدفاع عن أمنها الوطني على حدودها الغربية، وعن الأمن القومي العربي في الخليج، وفي أي مكان آخر، ولكن الأمر الذي يثير الحيرة في نفس كل عربي هو هذا التلكؤ والتردد والتلعثم في الدفاع عن الأمن المصري على الحدود الشرقية الشمالية، وتحديدا في قطاع غزة، فها هي القوات الصهيونية اكتسحت جغرافية القطاع برمته، واحتلته في كل أرجائه، وها هي  تعدُّ العدة، وتتجهز لغزو مدينة رفح الملاصقة لمصر، إنها في طريقها لكي تدُقُّ الأبواب الموجودة في الجذران على الحدود المصرية، وتعمل من أجل هدمها واقتحامها لتهجير الفلسطينيين، خارج وطنهم، إلى داخل سيناء، بعد أن اقترفت ضدهم جرائم يندى لها جبين البشرية..

  فأين هي القوات المصرية من المذابح والمجازر المقترفة ضد الفلسطينيين في قطاع غزة؟ ألا يدخل القطاع في المجال الحيوي لأرض الكنانة؟ لماذا لم يتحرك الجيش المصري للدفاع عن الشعب الفلسطيني الذي يتعرض أمام مرآه لعملية إبادة جماعية؟ ألا يستحق الفلسطينيون حماية إنسانية توفرها لهم الدولة المصرية، من الجيشٍ الصهيوني المجهزٍ بأحدث أنواع الأسلحة التي يفرغ نيرانها في أجساد أطفالهم، ونسائهم، وشيوخهم العزل ليريدهم أشلاء ممزقة في الهواء، أو مردومة تحت الأنقاض؟  أليس الفلسطينيون عربا وأشقاء، وتجمعهم بالمصريين روابط الدم، واللغة، والثقافة، والدين، والجيرة، والمصير المشترك؟

   الفلسطينيون الذين لا يزالون على قيد الحياة، لأنهم نجوا بأعجوبة من القصف الصهيوني العشوائي لمساكنهم، ويعيشون محاصرين من كل الجهات في العراء داخل القطاع، ألا يستحق هؤلاء الناس، مجرد مساعدة إنسانية مصرية، تتمثل في مدِّهم بالمواد الغذائية، وبالأدوية، وبالأغطية، لكيلا يموتوا من الجوع، ومن البرد القارس، ومن الأمراض المتفشية بينهم؟ فهؤلاء مدنيون وأبرياء، وحمايتهم من القتل المحقق، واجبٌ، قانوني وأخلاقي، تفرضه على العالم عموما، وعلى جيرانهم المصريين خصوصا، القيمُ الإنسانية الحضارية المشتركة.

   القوانين الوضعية والسماوية تعاقب كل متلكئ في تقديم المساعدة لإنسان يكون معرّضاً للخطر الشديد. عدم مساعدة هذا الإنسان، وعدم دفع الخطر عنه، تستوجب عقوبة حبسية على من يقترفها. فلماذا لا تبادر الدولة المصرية إلى توفير الحماية لجارها وشقيقها الشعب الفلسطيني الضعيف والمظلوم، وهو يتعرض للإبادة؟ هل الشجاعة المصرية تحضر، والجرأة في اتخاذ القرار تكون جاهزة ومُعدَّةً سلفا أمام الأتراك والإيرانيين، ولكنها تغيب حيال الصهاينة؟ هل لأن الفلسطينيين فقراء ومعدمون، يصبح دعمُهم من جانب مصر، غائبا، في حين يكون الدعم للخليجيين الأثرياء، حاضرا ومعبرا عن نفسه بشكل تلقائي ومُسبق، ودون أن يطلبه المعنيون به من مصر؟؟ أليست هذه ازدواجية معايير مكشوفة؟ أليس هذا نفاقا مفضوحا؟ ألا يمكن تفسير هذا التصرف بالطمع في المال الخليجي، دون أي دافعٍ آخر؟

   ليست الدولة العبرية هي وحدها المتورطة في اقتراف جرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة. كل الذين يتفرجون في هذه الجرائم التي تُقترف قرب حدودهم، وعلى مرمى حجرٍ منهم، ولا يحركون ساكنا من أجل وقفها، ولا يقدمون الحماية والمساعدة في التصدي لها، أو على الأقل التخفيف من حدتها وهولها، هم بدورهم، متورطون، ولو بطريقة غير مباشرة، في ارتكاب هذه الجرائم والتشجيع على تفاقمها. المتفرجون في الجرائم، لا يختلفون، في العمق، في موقفهم، عن موقف الأمريكان والأوروبيين الذين يدعمون الكيان الصهيوني، بشكل مباشر، ويغطون جرائمه ويتبنونها بصفاقة منقطعة النظير.

 والأدهى هو أنه، من خلال التهجير القسري، تريد الدولة العبرية التخلص من المشكل الفلسطيني برميه، إلى الداخل المصري، وتحويله مشكلا مصريا صرفا، والدولة المصرية تتعامل مع الخطط الجهنمية الإسرائيلية، بعدم إيلائها الحزم الذي تقتضيه خطورتها. عندما يتعلق الأمر بتركيا وإيران تهدد مصر بالدخول في الحرب ضدهما، ولكن حين تقوم إسرائيل بالتدمير والقتل والتهجير للشعب الفلسطيني، فإن القاهرة تكتفي بالحديث عن احتمالية خفض مستوى العلاقات، وتجميد الاتصالات بحكومة نتنياهو!! هل الأمر ناجمٌ عن ضعف بليغ أصاب الدولة المصرية، وباتت بسببه عاجزة عن إتيان أي فعلٍ جدي ومؤثر ضد الكيان الصهيوني، أم أننا أمام تفاهم بين الطرفين، على صيغة لتصفية القضية الفلسطينية، صيغةٌ ستكشف الأيامُ المقبلة تفاصيلها؟؟

   في انتظار اتضاح الصورة، فإن المؤكد هو أن عربا وغيرُ عربٍ، جميعهم، لهم نصيبهم من التورط في الدم الفلسطيني المسفوك بغزارة، في حرب الإبادة المشنة على الفلسطينيين، منذ ما يفوق أربعة أشهر متواصلة ومتلاحقة، بالليل وبالنهار، ولا من مغيث، إلا من إسنادٍ من بعض مكونات المقاومة في لبنان، واليمن، والعراق، بدعمٍ من سوريا وإيران. والبقية الباقية من العرب والمسلمين في عداد المتفرجين أو المتواطئين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

شارك الموضوع

عبد السلام بنعيسي

صحافي وكاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *