الاحتفال المسرحي عيش مضاعف

الاحتفال المسرحي عيش مضاعف

د. عبد الكريم برشيد

 فاتحة الكلام

     بخصوص المسرح وبخصوص فعل التمسرح، وفي فاتحة هذا الكلام، القديم الجديد معا، يتساءل المسرحي الاحتفالي عن معنى أن يكون الإنسان مسرحيا في هذه الحياة المسرحية، وهل يجرؤ أي أحد أن يسأل مثل هذا السؤال من غير أن يكون إنسانا حيا، بشكل حقيقي، وأن يكون مواطنا مدنيا بشكل حقيقي، وأن يكون عالما ومفكرا وفنانا، بشكل حقيقي، وأن يكون فاعلا ومنفعلا ومتفاعلا، في ذاته ومحيطه، بشكل حقيقي، وأن يكون يكون متأملا ومفكرا وسائلا ومتسائلا، بشكل حقيقي؟

ولما كان الشاعر الاحتفالي، في هذا الكون الاحتفالي، وفي هذا العالم الاحتفالي، وفي هذا الزمن الاحتفالي، محكوما بأن يعيش حياته الواحدة، بأعمار متعددة ومتنوعة، وأن يحيا الوجود المضاعف، وأن يعيش الزمن المضاعف، فقد حاول دائما أن يحيا هذه الحياة، وهي في صورتها الصادقة والشفافة، وأن يعبر عنها، بكل اللغات وبكل الأبجديات، الكائنة والممكنة معا، إيمانا منه بأن وجود لغة واحدة يتيمة، لا تكفي، وبأن وجود أبجدية واحدة، في هذا الوجود المتعدد الجهات والحيوات والهويات لا تكفي، وأن وجود مسرح واحد اوحد، في هذا العالم المتنوع الجغرافيات واللغات والثقافات لا يكفي، وأن وجود مسرح ثابت وجامد، في هذا العيش المتجدد بالحالات الجديدة، والمدهش في كل اللحظات بالمقامات المدهشة والعجيبة، فإنه ليس مسرحا حقيقيا أبدا، وقد يكون شيئا آخر، وأن يكون ضروريا أن نبحث له عن تسمية الآخر.

 لا شيء أجمل من الحياة إلا الحياة

    وبحسب الاحتفالي، العاشق للجمال في الحياة، فإنه لا شيء أجمل من الحياة إلا الحياة، ولا شيء عند المسافر أبلغ من فعل السفر، وهل تكون هذه الحياة، في معناها الحقيقي، إلا سفرا سورياليا في قطار الحياة؟ ولعل هذا هو ما عبرت عنه احتفالية مسرحية اسمها (يا مسافر وحدك) والتي أخرجها المخرج الاحتفالي عبد المجيد فنيش، والتي قدمتها فرقة الأوركيد من مدينة بني ملال، والتي صدرت عن منشورات ايديسوفت بالدار البيضاء.

وإلى حدود هذا اليوم، ورغم أن هذا الاحتفالي الذي يسكنني، قد تكلم كثيرا جدا، وأنه قد كتب كثيرا جدا، فإنه مازال في حاجة إلى الكلام، ومازال الكلام الصادق في حاجة إليه، ولقد تعود أن يقول كلمته الصادقة، وأن يمضي.. إلى الأمام، لأن الحقيقة موجودة في الأمام، وليس في الخلف.

ولقد تغيرت أشياء كثيرة في هذا الواقع، وتجددت وقائع كثيرة في خرائطه، ولكن حفيد سارق النار مازال لم يتغير، ومازال يقبض على الجمر المشعل، ومازال يسعى لأن يحول تلك النار الحارقة إلى نور يضيء الطريق إلى الحق وإلى الحقيقة.

ومازال ذلك المشاغب الاحتفالي مصرا على فعل الشغب العلمي والفكري والجمالي، ومازالت الأسئلة الاحتفالية القديمة تهرب من تلك الأجوبة المدرسية الكائنة والجاهزة، إلى هذه الأسئلة الأخرى الجديدة، والتي تعاود الظهور، مع كل يوم جديد، ومع كل ساعة جديدة في هذل الزمن المتجدد.

 المسرح والوجود وسؤال الوجود

    ولقد تعددت الأسئلة في أعمار هذه الاحتفالية، ولكن يبقى أن أكبر وأخطر كل الأسئلة هو سؤال الكينونة وسؤال الوجود (أي أن نكون أو لا نكون، وحول قطب هذا السؤال المركزي تدور آلاف الأسئلة الفرعية، وهي بهذا تنتمي كلها إلى السؤال المؤسس، والذي تدور في فلكه وملكوته كل الأسئلة)، هكذا تكلم الاحتفالي في كتاب (فلسفة التعييد الاحتفالي في اليومي وفي ما وراء اليومي) والذي صدر عن منشورات توبقال بمدينة الدار البيضاء.

وهذه الاحتفالية، المغرمة باصول الأشياء، وبأسس الأفكار، وبمصادر العلوم، وبمنابع الفنون، تجد نفسها دائما، سوأء في حياتها أو في حياة افكارها، منحازة إلى روح المسرح، قبل اشكاله وقبل صيغه وقبل تقنياته وقبل آلياته المتجددة، والتي قد تكون موسمية، وتكون عايدبرة، لأن الاصل في المسرح أنه البدء المؤسس لما بعده، وأنه الجذع الذي تتفرع عنه كل الفنون، القديمة والجديدة والمستجدة معا، كما أنه فن شامل ومتكامل وابدي وسرمدي وخالد، ولقد راهن الاحتفالي هذا المسرح، لأنه ( فن حيوي، ولأنه ايضا، احسن ما يمكن أن يعبر عن صوت الحياة، وعن تدفقها وعفويتها وشفافيتها وانسيابيتها) وبهذا فقد كان الاحتفالي مخلصا ووفيا لفلسفته الفكرية والجمالية والأخلاقية القائمة على إنسانية الإنسان وعلى حيوية الحياة، وعلى مدنية المدينة

ولأن الأصل في هذا الاحتفالي هو انه مواطن مدني حر ومتحرر وعاقل وفاعل و ومستقل، فقد دعا لمسرح شامل ومتكامل، مسرح يقوم على (التعبير الحر للإنسان الحر، في المجتمع الحر).)

وهذا المسرح الاحتفالي ينطلق أساسا (من المبدأ التالي، والذي هو (أسبقية الحياة على الفكر) وقد يكون هذا المسرح حياة أخرى، أجمل وأكمل وأصدق، وقد يكون تفكيرا حيا بالكلمات وبالحركات وبالمواقف وبالشخصيات وبالحالات، وعليه، فإنه جوهر هذا المسرح، وخليته الأساس، هو الاحتفال وهو العيد دائما (وماذا يمكن أن يكون الاحتفال سوى أنه الحياة التي هي مجموع الصدف المتداخلة والتجاورة والمتشابكة.. لأن الاحتفال هو الممكن واللاممكن، وهو المعروف والمجهول، والحاضر والغائب، المتوقع والمفاجئ، والواقع والحلمي، والمحسوس والمتخيل). هكذا تحدث المسرحي الاحتفالي في كتابه (الاحتفالية مواقف ومواقف..   مضادة) – الكتاب الثاني.

والمسرح أساسا حياة وحيوية، وهو لحظته الحية المتحركة، وهو فعل يمشي إلى الأمام ولا يلتفت إلى الخلف، وفي معنى هذه الحيوية، والتي هي نهر الحياة، يقول الاحتفالي (إن النهر هو الماء، وهو المجرى، وهو الزمن) الذي تتحقق فيه هذه الحركة، والذي هو لحظات متغيرة ومتجددة ومنفلتة.

والماء الذي لا يتحرك يلحقه الفساد، وكل ماء لا يسير داخل خط محدد ومعلوم، لا يمكن أن يكون نهرا أبدا، وكل حركة مسرحية في التاريخ، ليس لها ذاكرة وليس لها تاريخ، وليس لها مجرى ثابت تجرى فيه، فهو مجرد هذيان وفوضى، أو هو فعل لا يقول شيئا، ولا يتغيأ شيئا، وهذا هو حال كثير من التجارب المسرحية المغربية والعربية اليوم، والتي تمشي وتسير، بغير بوصلة ولا خرائط، ومن غير أن تعرف من أين جاءت، ولا إلى أين يمكن أن تمضي…

في هذه الأيام الأخيرة كانت لي لقاءات صحفية كثيرة جدا، ولقد حاصرتني باقة من الأسئلة الجادة والجديدة، وكانت لي رحلة ممتعة وسريعة إلى مدينة طنجة، وبمدينة الدار البيضاء كنت ضيفا على موقع le 360 في ضياعة الإعلامي المثقف أشرف حساني، أما بمدينة طنجة فقد استضافتني المذيعة والمثقفة اعتماد سلام، وفي الحوار الأول كان السؤال منصبا على حاضر المسرح المغربي بشكل خاص، أما الحوار الثاني فقد كان منصبا على مساري الوجودي والفكري والإبداعي، وفي الحوار الأول، قال أشرف الحساني في تقديمه التعريفي ما يلي:

(بات المسرحي عبد الكريم برشيد، من المسرحيين المغاربة القلائل الذين تميّزت أعمالهم المسرحية ونظيرتها النقدية، بإبدالات هامّة على مُستوى طرح أفكار جديدة، تهدف إلى تحديث الفرجة المسرحية في المغرب). وفي هذا الحوار يقول الاحتفالي بأنّ المسرح المغريي اليوم (يبدو عبارة عن مسرح إداري همّه الأساس، يتمثّل في تقديم أوراق تُقدّم للوزارة على أساس أنها العروض التي قد جرى عرضها داخل المسارح، أكثر من كونه مسرح يُفكّر في اجتراح أفق فني جديد أكثر تجذّراً في الذاكرة المغربية وبيئتها).

هو مسرح إداري إذن، بنته الإدارة بحس إداري، وبتصور إداري، يحضر فيه الكثير من الأوراق، ويغيب فيه، أو يغيبر، كثير من المسرح ومن روح المسرح ومن اجتهادات المسرح ومن جنون المسرح ومن شطحات المسرح.

ويضيف الصحفي في تقديمه أن (صاحب “احتفالية الصعلوك” بأن الغرض الأساس من دخوله إلى عالم المسرح، ليس كتابة مسرحيات وعرضها، وإنّما التفكير في تأسيس تيار مسرحي مغربي. ونظراً إلى طبيعة المجتمع من حيث التركيب وغنى حضارته، كان مفهوم «الاحتفالية» يفرض نفسه في الحلقة والأسواق والحفلات وهذا الأمر، قادني إلى التفكير براديغم الاحتفالية باعتبارها نمطاً مسرحياً قديماً وقادراً على التجدّد والتأصيل. إذْ يرى بأنّ هذه الاحتفالية «هي منظومة من القيم أولا، وأنها حدث في التاريخ الحديث ثانيا، وأنها ظاهرة من ظواهره المتعددة ثالثا، وأنها هزة من هزاته العنيفة والقوية رابعا، وأن مثل هذا الاختيار له بالتأكيد أسئلته، وله أجوبته وله خلفياته التي يضمرها».

وبخصوص ضرب المثل، يقول لكم الاحتفالي ما يلي:

هل أتاكم حديث تلك المغنية الصاعدة، والتي كانت في أول ظهور لها أمام الجمهور الواسع، والتي غنت له مطلع الأغنية أولا، ووجدت الجمهور يهتف أمامها وهو يردد:

أعد.. أعد.. أعد..

فداخلها شيء من الفرح ومنة الارتاح، وأعادت نفس المطلع مرة ثانية، ووجدت نفس الجمهور يهتف أمامها بنفس الكل:

أعد.. أعد.. أعد ..

وأعادت المطلع بكثير من الارتياح ومن الثقة في النفس ومن الفرح..

وبقي الحال على ما هو عليه، هي تغني نفس المطلع، والجمهور يطالبها بالإعادة، حتى خرج لها واحد من الجمهور وقال لها بصوت مرتفع:

لا يمكنك أن تغني شيئا آخر، قبل أن تحسني غناء المقدمة أولا، وربما كان هذا هو حال المسرحيين العرب اليوم، أنهم يعيدون نفس المطلع، لحد الإملال، ولحد السأم، قبل أن ينتقلوا إلى ما بعد المقدمة، والتي طال انتظار ها، الشيء الذي جعل هذا المسرح العربي حبيس مقدمته الطللية، والتي طالت أكثر مما يلزم.

ونحن اليوم، تماما كما بالأمس، أمام جمهور مسرحي يصفق لكثير من العروض المسرحية، والجمهور يقول: أعد.. أعد.. ويتم تقديم نفس المسرحية، بكثير من عدم الفهم ومن عدم الإتقان للأبجديات الأساسية للفعل المسرحي، ويبقى أن أشير أن هذا المسرح العربي يتوفر على كفاءات كبيرة، ولكنها تمثل الاستثناء، ولا تمثل القاعدة..

 الاحتفالية بين التمثيل والتمثل

    والاحتفالية في مجال المسرح، تقترح التمثل في مقابل التمثيل، لأنها ترى أن ما يقع في الواقع اليومي هو التمثيل الحق، وأن إعادة إنتاج هذا التمثيل الواقعي، بكل ما فيه من كذب وزيف ومن كرنفالية، هو ابتعاد عن الحقيقة بمسافتين أو بدرجتين، وهذا ما جعل الاحتفالي في بيان (ألف باء الواقعية في المسرح) يقول: (فعندما أراك لا أرى غير القناع، أما أنت، فمصادر لفترة قد تطول وقد تقصر.. ومن هنا كان (التمثيل) هو ما يحدث يوميا داخل المجتمع، وبهذا كان الاحتفال هو ذلك الحيز الزمني الذي تتوقف فيه لعبة التمثيل).

وبالنسبة للاحتفالي والاحتفالية. فإن مسرحا يمثل على الجمهور، بدل أن يتمثل معه واقعا تخيلا، هو بالتأكيد مسرح كاذب ومزيف،

وفي هذا التمثل يحضر الحكي، وتحضر المحاكاة، ويصبح لهذه المحاكاة معنى التحدي ومعنى التصدي، وتكون في درجة الموقف النقدي، والذي بهتم بالصورة وبما وراءها وبما خلفها، والذي لا يستعرض الواقع، كما هو هذا الواقع، ولكنه يعريه، ويكشف الحجب عنه، ويرفع الأقنعة هن وجهه، وفي فعل هذا الحكي يحضر الماضي، وتحضر الذاكرة، ولكنه في فعل التمثل يحضر التوقع، وتحضر النبوءة، ويحضر فعل قراءة الغائب والمغيب، وفي بيان (ألف باء الواقعية الاحتفالية في المسرح)، والذي نشر بمجلة (الثقافة الجديدة) سنة 1976، يقول الاحتفالي بأن المحاكاة الاحتفالية (لا تعني نقل الواقع كما هو بالفعل، ولكن كما يمكن أن يكون، أو كما كان من الممكن أن يكون)، والأساس في المحاكاة الاحتفالية هو أنها لا تتعلق بصور الأشياء، ولكن بجوهرها وبروحها، والاحتفالي ليس مصورا صحفيا، ولكنه متنبئ وعراف، وهذا ما جعل هذه المحاكاة الاحتفالية (قائمة على التحدي والتجاوز)، أي تحدي الكائن، بحثا عن الممكن، وبحثا عن الموجود لتجاوزه بالبديل المستقبلي. وليس لتكريسه وإعادة إنتاجه واستنساخه,

ونحن في الفعل الاحتفالي نقول بأن ما نراه أمامنا هو بالتأكيد موجود، وحتى ما لا نراه، فهو موجود أيضا، وكل ما هو بعيد عنا. زمننا أو مكانيا، فهو فريب بالنسبة إلينا، نحن الآن هنا، وهو في نفس الوقت بعيد بالنسبة للآخرين هناك، في الجغرافيات الأخرى وفي الأزمان الأخرى.

وفي البدايات الأولى للمسرح الاحتفالي، في أواسط السبعينات من القرن الماضي، كانت التهمة الأبرز، والموجهة لهذا المسرح الجديد هي تهمة الغموض، وكنا نقول لهم ما يلي. هو فعلا مسرح غامض وملتبس، لأنه الحياة، ومتى كانت هذه الحياة واصخة؟ وحتى بالنسبة الينا، في جماعة المسرح الاحتفالي، فقد كانت هذه الاحتفالية غامضة، وكانت في حاة إلى البحث والاجتهاد والتجريب.

وكنا نقول لمنتقدي هذه الاحتفالية الولبدة بأن ما هو غامض هذا اليوم فد لا يكون غامضا غدا، أو بعد غد، ونحن ما تبنينا فلسفة إصدار البيانات الاحتفالبة إلا من أجل أن نبين بها وفيهت ما ينبغي تبيانه، وأن نوضح أيضا. وأن ستوضح، ولقد كانوا ينتظرون منا. ونحن في درجة الصفر من الاحتفالية، أن نقدم لهم هذا المسرح الجديد وهو في حجة الكمال النهائي، وأن نقول لهم هذا هو المسرح الاحتفالي، وهذا هو إنجيله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفها.

Visited 10 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

د. عبد الكريم برشيد

كاتب مغربي