فيليب سوليرز ومهنة الناشر

فيليب سوليرز ومهنة الناشر

     ترجمة: سعيد بوخليط

        يعتبر فيليب سوليرز رمزا أساسيا للوسط الأدبي الفرنسي منذ نصف قرن، ومن القلائل الذين نجحوا على مستوى تحقيق المعادلة الخطيرة بأن يكون في نفس الوقت كاتبا وناشرا. يشرف لدى غاليمار على سلسلة ”اللانهائي” منذ أربعة وعشرين سنة، ومجلته التي تحمل نفس الاسم، التزم سوليرز عبر حلقاتها باكتشاف كتَّاب (سيسيل جيلبيرت، ريجيس جوفري، إيمانويل بيرنهايم، كاثرين كوسيه…) بحيث وجدوا سبيلهم منذ تلك الفترة.

    سوليرز المزداد سنة 1936، وهو شخصية عمومية قدر عشقه للظلِّ وشعريته، يجلس في غرفة مكتبه الصغير المغطاة جدرانه بالكتب، داخل مؤسسة غاليمار، كي يتحدث عن مجلة تيل كيل، ثم بارت ولاكان، باطاي، وفي خضم ذلك مساره كناشر. سيجارة بين الشفتين، يصور خطابه إشعاعيا حيثيات مايزيد عن خمسين سنة انصبَّت على النشر وكذا الأدب الفرنسي.

س- متى وكيف أصبحتَ ناشرا؟

ج -عندما أدركتُ، بعد أن حققتُ نجاحا كبيرا للغاية، بواسطة روايتي ”عزلة فضولية” (1958)، وأنا في سنٍّ صغيرة لم أتجاوز حينها الثانية والعشرين، بدا لي الأمر مريبا جدا،مما خلق لدي رغبة اختراق نظام النشر. جيد أن تحقَّق ذلك الأمر، لأنه بوسعي الإقرار حاليا، بأنَّ  تلك البداية مع ”سوي” ثم ”غاليمار”، حفَّزتني على مواصلة الإصدار مرة أخرى. إذن، تبنَّيت مشروع النشر الذاتي. خطوة، مكَّنتني من استباق زمن إمكانية اختفاء القراءة. من جهة أخرى، أثارت سلسلة ”فوليو” اهتمامي قصد بلورة المشروع الموسوعي الذي ميَّز مضامين بعض كتبي (حرب الذوق، خطاب رائع، إلخ)، مع تحوُّل التقدير بخصوص كل المكتبة. نشأ مع مشروعي مع رولان بارت، حينما كتب نصّا رائعا للغاية حول لوحات موسوعة ديدرو. جمعتنا باستمرار جلسات عشاء مشتركة، حدَّثني إبّانها عن ضرورة إعادة صياغة الموسوعة. توفي سنة 1980، ثم واصلت المشروع: يلزم إعادة كتابة التاريخ بناء على وجهة نظر أخرى.

س- بدأتَ أولا بإصدار مجلة تيل كيل

ج -لقد ساعدني القدر، هكذا نجحتُ في تأسيس مجلة فصلية استمرت مدة عشرين سنة، ضمن منشورات سوي، سميت تيل كيل أثارت فزع الجميع. بالكاد، يُعرف اسم فوكو حين قدومه للمرة الأولى إلى المركز الثقافي الدولي بسوريزي، مع ذلك تبنَّت اسمه مجلة تيل كيل، وقبل ولوج رولان بارت كوليج دو فرانس، تعرَّض لجملة انتقادات، لكن أنا من أصدرتُ مؤلفاته، ضمنها النقد والحقيقة، الذي أثار جدلا كبيرا. أيضا، خلال حقبة لم يكن مشهورا سواء ديريدا أو كريستيفا، ستظهر كتاباتهما على صفحات تيل كيل، تماما كما الشأن مع السجالات الدائرة حول الرواية الجديدة، إلخ. إنَّها حقبة بداية تتجه نحو ثورة، تحقَّقت فعلا، خلال ماي 68 وتثير غاية اليوم قشعريرة الجميع. لكن منذ تلك الفترة، نتَّجه شيئا فشيئا، نحو الانحدار: نعيش في خضمِّ حقبة رجعية لم أعاين مثلها سابقا، جراء انتصار الرأسمالية المالية.

س- ماهي نتائج سياق حقبتنا على الأدب؟

ج -تتساقط النتائج في شكل مطر خفيف. لاسيما داخل فرنسا، موطن ثورة الأنوار. يعيش الفرنسيون حقبة غير قابلة للتصوُّر. داخل فرنسا، يسود شعور عميق بالذَّنب (حكومة فيشي، موسكو…). لم يتمكَّن مني هذا الشعور وقد كلَّف ذلك غاليا جدا. ترعرعتُ في أحضان أسرة ذات نزوع إنجليزي، وخلال الحرب، كانت إنجلترا باستمرار على صواب. تبعا لعبارة هيتشكوك فأنا بريء وسط عالم المذنبين. أحببتُ القصيدة، لأنها أكثر الأفعال براءة، القصيدة الوجودية، الذوق. منذئذ، أرخيتُ سمعي، لإيقاع تلك القصيدة، وكيفية كتابتها، وما الذي تتطلَّع اللغة نحو قوله. إعادة ترتيب المكتبة، وجعلها ضمن المنظور، وبما أني أكتب بالفرنسية، أهتمُّ كثيرا بما يحدث لهذه اللغة، وهي عَصَب الفكر الثَّوري الحقيقي.

س- لماذا أسَّستَ مشروع مجلة اللانهائي وتلك السلسلة؟

ج – بعد وفاة زملائي الأكثر إنتاجية مثل رولان بارت، جاك لاكان، بدأت تيل كيل تختبر وضعا صعبا، ثم اكتملت لديَّ مسودة رواية النساء قصد إصدارها، لم أبادر إلى بلورة هذا المبتغى مع دار النشر “سوي”. لماذا؟ لأنها ممتلئة بالنساء، وخلال تلك الحقبة ساد “سوي” احتشام مبالغ فيه. وصلت إلى غاليمار بواسطة أنطوان غاليمار الذي تعرَّفت عليه سنة 1968، ثم استمرت صداقتنا دائما. مررتُ أولا عند روبير دونويل، كي أتعقَّم، لكن بما أن الرواية حظيت بالرَّواج، فقد انتميتُ إلى غاليمار سنة 1988 -1989.  

س -مادواعي استمراركَ في مهنة النشر؟

ج -لأنَّه وضع يسمح لي بالبقاء ضمن سياق سجال دائم مع كتَّاب آخرين، وهذا يهمُّني كثيرا بخصوص تمثُّل كيفية تحقق عملية تداول الأدب رغم كل شيء. انتميتُ إلى عالم الإصدار قصد مساعدة شباب صغار، والأكثر إثارة للاهتمام بين أعمار 22 و32، بعد ذلك يسود التَّحلُّل. بهذا الصدد، يظلُّ جان جاك شوهل، الشخص الوحيد الذي أبان عن معجزة ضمن سيرورة النظام.

س -كيف تلحُّ عليكَ رغبة إصدار عمل معين؟

ج -حينما يتجلى صوت معين. تصلني عشرات المسودَّات خلال الأسبوع، فألقي نظرة سريعة حول صفحة أو صفحتين. نفتح كتابا قصد الإصغاء إلى مايقوله وبالكيفية التي قيلت. لذلك فالمسألة محض صوتية،يتعلق الأمر بزخم إيقاعي يعكس من خلاله أحدهم نفس رؤيتي. صياغة جملة: الكلمات حسب نظام مرتَّب. أستاذ الفرنسية الكبير، يبقى سان سيمون.

س- ما تصوركَ بخصوص تطور الأدب الفرنسي؟

ج – بصدد تحوُّل مهمٍّ جدا. لكن مجازفته، تكراره الدائم لنفس التأطير الطبيعي، الاجتماعي، لأنَّ ذلك يعتبر رجعيا.   

س-مع ذلك أصدرتَ بداية الدخول الثقافي رواية يانيك هاينيل”الثعالب الشَّاحبة”، التي تطرقت باستفاضة للهجرة.

ج -الثعالب الشَّاحبة عمل ثوري يضعنا في موقع العثور ثانية على جوف المجتمع. امتلك هاينيل منظورا صحيحا للمجتمع. كتب عمله التمرُّد في باريس الذي تميَّز ببعده التوقُّعي جدا، داعيا إلى ضرورة التنصُّل من هويتها، نعاين مشهد إحراق الأفراد لأوراق هوياتهم. اليوم،يحيا إدوارد سنودن!هاهو شخص يستحق المشاهدة وبوسعه أن يكون محور رواية. شخص عَكْس التاريخ المعاصر، إذا استعرنا تعبير بلزاك. حينما نكتب بطريقة عكسية للمجتمع، يلزمنا امتلاك معلومات دقيقة للغاية. لمَّا كتب سان سيمون عن مدينة فرساي، أبان عن قدرات واعية بكلِّ شيء. وقعت أحداث مايو 1968، لأنَّ شرطة دوغول كانت سيِّئة جدا ولم تتوقع مجريات الأمور. منذئذ، حدث التقدم.

س -كيف بلغنا الوضع الحالي؟

ج – طفرة ثورية سنوات الستينات، والسبعينات سنوات الرصاص، فيما بعد اختبر المشهد انتهاكا تامّا، وحاليا نعيش تدميرا عاما. تتواصل معيارية القرن التاسع عشر وفق صيغ أخرى. فيما سبق، ارتبط كوليج دو فرانس برولان بارت، بينما حاليا، نجد اسم أنطوان كومبانيون، الوضع مختلف تماما.

س- من هنا غياب سجال فكري حقيقي؟

ج -أنا لست مفكّرا، يهمُّني الأدب أساسا. قناعتي الحقيقية، أنَّ الأدب يتأمل أكثر من الفلاسفة. الشعر أيضا. أولي اهتمامي للكتَّاب قصد مساعدتهم حتى يصيروا هوية ما يفكروا فيه.

س- ماهي اللقاءات الوازنة التي راكمتها خلال مساركَ؟

ج – بالتأكيد خلال مرحلة البداية، ركَّزتُ على أشخاص بدا لي تعرُّض نصوصهم لتبخيس قيمتها وكذا التهميش. الأول، هو فرانسيس بونج، الذي اشتغلتُ صحبته على مجلة تيل كيل. أما التطور الأكثر أهمية، فقد تجلى بالتأكيد مع جورج باطاي. لقاء رائع.نجلس في مطعم ”بري أو كليرك”، كي نحتسي كأسا، ثم ألاحظ قدوم أندري بروتون، الذي يتعقَّب امرأة. أنهض من الكرسيِّ وأخطو صوبه لتحيته فقد التقيته خلال مناسبة سابقة في شارع لافونتين، ويبادرني مستفسرا: ”أليس ذاك الجالس هو جورج باطاي؟” تصافحا حينها، بعد فترة قطيعة منذ شجارهما الدموي. اتسمت حكايات هذين الرجلين برومانسية مطلقة. جورج باطاي، الصمت مع صوت خافت جدا، كان لطيفا بالمطلق، لا يتكلم سوى قليلا. نجلس الثلاثة صامتين. ربما يشكِّل ذلك أجمل الحوارات. أستحضر في هذا السياق الثنائي صامويل بيكيت وروبير بينغي، يجلسان معا صامتين لمدة ساعة ونصف وهما يمعنان النظر في إناء خردل. لقد تحاورا بطريقة حيوية للغاية (قهقهات). بعد هؤلاء، يندرج اسم جاك لاكان، كان الرجل صاحب شخصية، هل نستوعب القصد من ذلك. إنَّه نفس السؤال الذي يطرح باستمرار عندما نلتقي شخصا معينا: هل جسَّد شخصية؟ لم أفوِّت قط مواعيد حلقاته الدراسية ليوم الثلاثاء، مهما حدث. كان مذهلا أسلوب ارتجاله، بحيث يبدأ في الكلام ثم يفكِّر أثناء إلقائه خطابه. عادة، يتكلَّم الأشخاص قصد التواصل، بينما ينتفي هذا المعطى مع مداخلات جاك لاكان. إنَّه أجمل مسرح صادفته في حياتي: الكلام، تنهُّد النَّفَس، التردُّد، الغضب. 

س-ماذا عن رولان بارت؟

ج -كان صديقا، جلسات عشاء صحبته في مطعم فالستاف، ثم السجال حول مخططات غير قابلة للتحقق. أفتقد صوته. مع ذلك، لا يمكننا مناقشة أشياء معينة، النساء مثلا، موضوع شَكَّل في كل الأحوال جزءا أساسيا ضمن نشاطي. أيضا، تبادلنا رسائل، وموته أحزنني كثيرا: وسط الشارع مباشرة بعد أن غادر لقاء غذاء مع ميتران، واقعة بشعة.

س-هل تتأسَّف لأنَّكَ أصدرتَ أعمال بعض الكتَّاب، مثل مارك إدوارد نبيه أو فيليب موراي؟

ج -أبدا. أصدرتُ أفضل نصِّ لفيليب موراي، أقصد كتابه: ”القرن التاسع عشر عبر العصور”. الإشكالية، حينما أراد كتابة الرواية لكنها لم تعرف سبيلا نحو الانجاز أو النجاح، ثم بعدها حوصر بكيفية سيئة للغاية، من طرف أسماء كإليزابيث ليفي، أود لانسلين، مارك إدوارد نابيه، فبات أمره أشبه بانتحار. نفس الوضع ينطبق على اسم ستيفان زاغدانسكي. إشكاليتهم، أنَّ حياتهم كانت سيِّئة، زيادة على سوء الرّفقة، ولم يشعروا بذلك في الوقت المناسب، لكن بعد تناسل العقوبات: المرض، التهميش، أضحوا تحت تأثير ذلك.وترسَّخ الوضع بشكل مأساوي لدى فيليب موراي.

س -من الكتَّاب الذين أثروا فيكَ حديثا؟

ج – ميخائيل فيريي، الذي أصدرتُ له عملا تحت عنوان: ”رجل متكتِّم جدا”، ويعيش باستمرار في اليابان لذلك كتب أيضا فوكوشيما. بوسعي أيضا الحديث عن دافيد دي نوتا، الذي أصدرتُ له عملا بداية الموسم الثقافي، عنوانه: ”لم يدرك شخص وجوده وذلك خطأ”. ينبغي امتلاك هذه القدرة على نشر كتابات مختلفة جدا. أن تكون ناجحا، يعني امتلاك موهبة اللغات. أصدرتُ لفريديريك بيجبيديه أفضل نصوصه: ”قصص تحت مفعول أكستاسي”. أيضا كنت أول من  أصدر لايمانويل بيرنهايم روايتها: جرأة اعتقال. ثم السترة الرومانية لكاثرين كوسيه، وفيليب فوريست، سيسيل غيلبير مع ثلاثة أعمال، وكتابيْن لبرنارد لامارشيه فاضل، وكذا العملين الأوليين لريجيس  جوفري.

س -ماهي أجمل مفاجأة صادفتَها كناشر؟

ج -جان جاك شوهل وعمله عن”إنغريد كافن”. بداية لم ينتبه شخص لهذا العمل، ولم تسحب سوى أربعة آلاف نسخة. ثم تجلَّت حسنات القدر، إنجازه عمليه ”وردة غبار”، ”تيليكس رقم 1”، فحصل على جائزة غونكور. كان احتفالا رائعا، وبلغت مبيعات العمل مائتي ألف نسخة.

س -ماموقفكَ من الجوائز الأدبية؟

ج – فرنسا بلد المؤسَّسة، بحيث يظل الوضع المجتمعي أساسيا جدا. لا يمكنكَ التحرُّكَ دون أن يطلبوا جواز سفركَ خلال كل لحظة. بالتالي، تشكِّل الجوائز الأدبية مرتكزا ضمن هذا النسق.

س -كيف تنظر اليوم إلى النقد الأدبي؟

ج -لم يعد يوجد فعليا، مثلما الشأن بالنسبة للصحافة الأدبية. كلما ضعُف منسوب الأدب، انعكس ذلك على النقد الأدبي، ويُفسح المجال أكثر لتوطُّد الاستبداد. ثم هناك زنا المحارم الذي يمارسه المحيط، فالمسألة سوسيولوجية. داخل فرنسا،تهيمن الهوية الاجتماعية على كل شيء. يظل اليوم الصراع الطبقي خاصية، أكثر من ذي قبل. نظام الإصدار عند الصحفيين، أعدَّته بداية فرانسواز فيرني، سنوات السبعينات عند دار النشر غراسي. تجلى الأمر بكيفية بسيطة جدا، وفق تصور مفاده: إذا كتب الصحفيون مؤلفات، سيهتم زملاؤهم بما كتبوه، وهلمَّ جرا. ثم توفرت السيولة المالية.

هامش:

مرجع الحوار:

Les inrockuptibles :25 juillet 2013.

Visited 5 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

سعيد بوخليط

كاتب ومترجم مغربي