الدكتور غـي دولانـوي.. كما عرفته

الدكتور غـي دولانـوي.. كما عرفته

 المصطفى اجُماهُـري

       نص المداخلة التي ساهمت بها في الدورة الثانية لمعرض كتاب تاريخ الجديدة، المنظم من طرف مؤسسة شعيب الدكالي بالجديدة يوم 27 أبريل 2024

       سنحت لي الظروف لأن أتعرف على الطبيب غي دولانوي سنة 1988، وسنه، زمنها، تعدى السبعين قليلا. حصل هذا التعارف الأول بيننا، في البداية، عن طريق المراسلة، بعد ما قرأت في جريدة “لوماتان” المغربية خبر صدور الجزء الأول من مذكراته التاريخية في يناير 1988 عن دار النشر لارمتان في باريس. كان هذا الطبيب قد تقاعد من عمله سنة 1982، وشرع في كتابة “مذكرات تاريخية” Mémoires historiques صدرت، بالتتابع، في ثلاثة أجزاء. لم أكن أتوفر على عنوانه البريدي ولم أكن أعلم يقينا إن كان الأمر يتعلق بأحد أفراد عائلة دولانوي المعروفين بالجديدة أم بإسم آخر مشابه. لكنني وجهت له رسالة بها هذه الاستفسارات عن طريق الناشر الفرنسي، ثم مرت أيام وجاءني جواب المؤلف يؤكد لي بأنه فعلا غي دولانوي الجديدي وإنه سعيد بأن يتلقى رسالتي من بلده المغرب ومسقط رأسه الجديدة. وأشير هنا بأن جميع المراسلات الخطية التي توصلت بها منه إلى حين وفاته قد منحتها ضمن وثائق أخرى إلى مؤسسة أرشيف المغرب بالرباط سنة 2022.

    سألتقي الدكتور غي دولانوي شخصيا، في فبراير 1990، في غرفة بأسقفية الرباط وضعها تحت تصرفه زميله الطبيب هوبير ميشون رئيس الأساقفة آنذاك. في لقائي به يومها وجدته متعبا وكان قد بدأ ينسى قليلا ولذا كان يسجل المواعيد وأسماء من يلتقيهم في ورقة يحتفظ بها. ومباشرة بعد الرباط سنلتقي بالجديدة عندما جاء لتقديم الجزء الأول من مذكراته بمقر الرابطة الفرنسية-المغربية. وقد عبر لي لحظتها عن تخوفه من أن يخطفه الموت قبل إنهاء الجزأين الثاني والثالث منها. قال لي إنه أحس بضرورة كتابة مذكراته بعد تقاعده خاصة لما عثر في حقيبته على عدد من الوثائق ذات القيمة التاريخية المتعلقة بالمغرب والتي كانت ستضيع حتما لو لم يجمعها في كتاب.

    في تلك الزيارة لمدينة الجديدة، قضى ليلته الأولى بفندق بروفانس بشارع محمد الرافعي، وفي الصباح رافقته إلى وسط المدينة نحو ساحة الحنصالي، ساحة برودو سابقا. هناك دلني على الفندق المهتريء الكائن بزنقة ليسكول الذي سكنت به والدته لما حلت بالجديدة سنة 1913. وبعد جولة قصيرة بوسط المدينة، شربنا شايا بالمقهى الشعبية “سوس”، وكانت معلمة خلال ستينيات وسبعينات القرت الماضي. في تلك الجلسة استعاد بعض صور الماضي الذي عاشه منذ صغره على ضفاف المحيط الأطلسي، ثم ساعدته ليستقل سيارة أجرة، من محطة سيدي بوافي، حملته إلى مدينة الواليدية (78 كلم من الجديدة). كان قد قرر الخلود هناك طلبا لبعض الراحة في الفيلا العائلية المجاورة للإقامة الصيفية للملك الراحل محمد الخامس، والمطلة على الشاطئ. وهي الفيلا العائلية التي بيعت من طرف ورثته سنة 2012.

    كانت تلك زيارته الأخيرة للجديدة. زيارة وداع لمسقط رأسه، سيتوفى بعدها بأشهر قليلة، أي يوم سابع أكتوبر 1990 بجنوب فرنسا. ومن أسرار القدر أنه توفي بعد ثلاثة أيام فقط من انتهائه من كتابة الجزء الثالث والأخير من مذكراته. وكان الراحل قد بعث لي، قبل وفاته، رسالة بتاريخ سابع يونيو 1990، يخبرني فيها بفهرس المجلد الثاني من مذكراته طالبا مني عدم نشره لأنه كان ما زال لم يكمل العمل فيه[1].

    وبناء على وصيته فقد نقل رفاته إلى مدينة الجديدة ليدفن جوار والديه بالمقبرة الأوروبية، وذلك يوم ثاني مارس 1992 بحضور أبنائه وثلة من رفاقه في العمل الوطني من بينهم الدكتور عبد الكريم الخطيب، ومحمد امجيد رئيس الجامعة الملكية المغربية للتنس، والسفير عبد السلام الحراقي الذي ألقى كلمة التأبين.

    كانت بيني وبين الدكتور غي دولانوي مراسلات ونقاشات في التاريخ والكتابة، وبحكم توطد علاقتنا، فقد عرض علي أن أزوره في بيته في فرنسا، لكن، لظروف خاصة، لم تتم هذه الزيارة. وقد كان  الدكتور غي دولانوي، بشكل غير مباشر، وراء تأليفي للكتاب-الدليل الصادر بالفرنسية تحت عنوان : Tout savoir sur El Jadida et sa région، (اعرف كل شيء عن الجديدة وناحيتها)، والذي نشرته باشتراك مع ابن الجديدة المغربي رايمون فراشي. أما كيف حصل ذلك، فحين التقيته بالجديدة سنة 1990 بمقر الرابطة الفرنسية-المغربية، سلمني رسالة شخصية مؤرخة في 8 فبراير 1990، كان قد أمده بها المهندس المعماري جان لويس دولفوس عندما التقاه بمكتبة كارفور بالدار البيضاء. هذا المهندس طلب من غي دولانوي مساعدته على إنجاز مشروع دليل سياحي عن الجديدة ودكالة، وكان يرغب من دولانوي أن يُعرفه على تراث المدينة والمنطقة مع مصاحبة ذلك بنصوص قصيرة. كان دولانوي وقتها يعيش بفرنسا مشغولا بإكمال مذكراته ومنهكا صحيا بسبب تقدمه في السن والمرض. ومن تم أحال عليّ رسالة دولفوس معتبرا بأنني ربما كنت، في نظره، الشخص المؤهل للجواب على مقترح المهندس دولفوس، خاصة وأنني ممارس للكتابة ومقيم بالجديدة، كما قال.

    بعد فترة قصيرة، اتصلت هاتفيا بالمهندس دولفوس وذكّرته بطلبه للدكتور غي دولانوي بخصوص مشروع الدليل السياحي. أخبرني، هذا الأخير، بأنه اضطر لوقف التفكير في المشروع بسبب انتهاء مهمته في المغرب (كان مكلفا في مكتب المعماري ميشال بانسو بإنجاز دراسة التهيئة للجهة الاقتصادية الوسطى)، لكنه اقترح علي أن يسلمني الوثائق القليلة التي تمكّن من جمعها في الموضوع. وفعلا بعث لي بها عن طريق صديقه مندوب وزارة السياحة بالجديدة، وكانت عبارة عن حوالي عشرين قصاصة صحفية وبعض المعطيات الخاصة بالمعالم التراثية والتاريخية بالمدينة والإقليم. وطبعا كانت هذه الحصيلة المتواضعة غير كافية لكتابة دليل سياحي لكنني خمنت أن ذلك هو ما استطاع هذا المهندس تجميعه بمجهوده الخاص.

    وبتعاون مع رايمون فراشي وسّعنا التفكير في موضوع الدليل السياحي وقررنا أن يكون من نوع “الكتاب-الدليل” livre-guide  حتى يفيد الزوار والباحثين على حد سواء. فكان بذلك أول كتاب-دليل للجديدة بعد الاستقلال. وبسبب غياب الدعم، أصدرنا منه طبعات محدودة. وقد تم نشره بمدينة تولون في فرنسا سنة 2001. وعُرض كذلك بمكتبات الجديدة والدار البيضاء كما تم تقديمه بمدينة سيتْ، في إطار الذكرى العاشرة لتوأمة الجديدة وسيت، يوم السبت 18 ماي 2002.

    وعن طريق والدها الطبيب دولانوي تعرفتُ على ابنته نيلسيا، المزدادة بالدار البيضاء والأستاذة الجامعية بفرنسا. كان والدها قد حدثها، قبل ذلك، عن مراسلاتي معه وعبر لها عن السعادة التي شعر بها من خلال هذا التواصل الإنساني. ومنذ ذاك دشنت مع نيلسيا علاقة علمية حيث ساعدتني باستشارتها في مشروعي “دفاتر الجديدة”. وكانت نيلسيا هي من أخبرني بوفاة والدها وأيضا بالتاريخ المقرر لدفنه بالمقبرة الأوروبية بالجديدة، حيث تمكنت من حضور مراسم الدفن إلى جانب إخوتها وشخصيات محلية ووطنية.

    وسوف تتاح لي الفرصة أيضا لأتعرف، من خلال زيارات مختلفة إلى فرنسا، على عائلة الدكتور غي دولانوي. فقد تمكنت من زيارة السيدة جيزيل مانج[2]، زوجته التي كان منفصلا عنها، في بيتها في الحي القديم بباريس، وكذا ابنه جان بيار دولانوي الذي كانت له علاقة وطيدة بالمغرب وكان أحد المتابعين لمشروع بناء المستشفى الإقليمي الجديد بالجديدة.

    ونظرا للأعمال الجليلة التي قام بها الطبيب غي دولانوي دفاعا عن الشرعية المغربية إبان الحماية، فقد وشحه الملك الراحل محمد الخامس بالوسام العلوي، وحظي من الملك الراحل الحسن الثاني بالوسام العلوي من درجة قائد. وفي الذكرى الخمسينية لاستقلال المغرب تسلمت عنه ابنته نيلسيا دولانوي من الملك محمد السادس الوسام العلوي من درجة ضابط كبير.

__________________________________________

[1]  يتعلق الأمر بمذكرات غطت الفترة من بداية الحماية إلى حين حصول المغرب على استقلاله. لكن الصعوبة التي واجهها المؤلف، كما قال لي، هي أنه لم يجد بسهولة ناشرا لمذكراته لأن فرنسا وقتها كانت تريد أن تنسى الحقبة الكولونيالة. وحتى بعد صدور الكتاب فقد تجاهله الإعلام الفرنسي باستثناء خبر صغير ظهر بأسبوعية “جون أفريك”. وزاد من امتعاضه أنه لم يتلق ردا من المستشار الثقافي للسفارة الفرنسية بالمغرب ولا من مدير مؤسسة تعليمية فرنسية بالرباط كان اقترح عليه التعريف بالكتاب أمام تلاميذ المؤسسة.

[2]  حين زيارتي للسيدة جيزيل مانج كلفتني بالاتصال بالمؤرخ غي مارتيني، صديق زوجها، وكان يقيم بالدار البيضاء، لأستعيد منه مجموعة بطاقات بريدية قديمة عن مازغان (الجديدة) كان زوجها قد وضعها عنده في وقت سابق. فاتحت الراحل مارتيني في الموضوع لكنه لم يعد يتذكر شيئا من ذلك.

Visited 45 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

المصطفى اجماهري

كاتب وناشر مغربي