فرنسا بين الحمى السياسية والابتذال الثقافي

فرنسا بين الحمى السياسية والابتذال الثقافي
كاركاسون- المعطي قبال
     
 في خضم الصراع الانتخابي الذي تعيشه فرنسا منذ حل البرلمان من طرف إيمانويل ماكرون، في التاسع من يونيو، بدافع نزوة نرجسية، لم تحظ الثقافة بحيز يذكر في النقاش والمساجلات الحادة الدائرة بشكل يومي، سواء في التجمعات الانتخابية أو في اللقاءات التلفزيونية، أو على شبكات التواصل الاجتماعي. ولكأن فرنسا التي تعتبر بلد الاستثناء الثقافي بجامعاته، مراكزه الثقافية، إنتاجه الروائي والشعري والفلسفي… أدارت ظهرها لكل ما هو ثقافي في علاقته بالسياسي. فكيف لبلد قد ينتخب مواطنوه بليدا ممثلا في جوردان بارديلا (البالغ من العمر 28 عاما)، أوقف دراسته، وكانت نتائج معدلاته الدراسية لا تتجاوز 3/20؟
    هنا يطرح السؤال: هل الشعب موضع ثقة؟ ألم يتقادم هذا المفهوم الذي لا يزال بطارية مفاهيمية في خطابات اليسار المتطرف واليمين المتطرف على حد سواء؟     ألم يصبح الشعب خزانا للشعبوية؟
  على أي يتضح أن ناخب اليسار بالأمس أصبح اليوم دعامة اليمين المتطرف. وهذا يذكرنا بحالة بعض اليساريين العرب الذين تحولوا اليوم إلى سلفيين. في مثل اللحظات المأزقية التي تعيشها فرنسا اليوم، فإن دور الثقافة هو المساءلة، التحليل، التفكيك للوضع بل للأوضاع مع اقتراح حلول ناجعة تساعد المواطن على فهم ترسيمات المستقبل القريب والبعيد. ويكون النقاش والسجال رحى هذه الدينامكية. أمام التهديد الذي يمثله التجمع الوطني في حالة وصوله إلى السلطة وما قد يترتب عنه من اقتلاع للمكتسبات الثقافية، يواجهه نوع من المقاومة يتمثل في ردة فعل قسم من الفاعلين الفكريين والعلميين والمثقفين وذلك من خلال إعداد وتوقيع العرائض للتحذير من مخاطر وصول وتسيير التجمع الوطني للبلاد.
    هكذا وقبل الدور الأول للانتخابات دعا 5 من الحاصلين الفرنسيين على جائزة نوبل دعوا إلى «رفع سد في وجه التجمع الوطني». «إن المواقف العنصرية والقطرية لليمين المتطرف من شأنه عزل فرنسا عن المجموعة العلمية الدولية» تقول العريضة. ما يتهدد فرنسا هي عزلتها في المحافل الدولية. كانت سياسة ماكرون في حرب غزة بمساندته لإسرائيل ورفضه الاعتراف بالدولة الفلسطينية مستهل هذه العزلة. وفي حالة فوز التجمع الوطني من المحتمل أن يصبح بلد ديكارت، فيكتور هيغو، مونتيسكيوه وموليير ورامبو، إن اقتصرنا على هذه اللائحة القصيرة، يصبح بلدا لا تحتمل معاشرته. انكفاء أية دولة على نفسها هي خصيصة الدول الديكتاتورية والسكيزوفرينية.
    بعد قائمة العلماء الحاصلين على جائزة نوبل، طرحت دائما على صفحات “لوموند” عريضة، وقعها هذه المرة ألف مؤرخ، دعوا فيها إلى التصويت خلال الدور الثاني ضد مرشح أو مرشحة التجمع الوطني. «على فرنسا أن لا تدير ظهرها لتاريخها» تشير العريضة. إلى الآن لم يصل اليمين المتطرف إلى السلطة إلا في خضم قلاقل الهزيمة العسكرية والاحتلال الأجنبي عام 1940 تتابع العريضة. علينا أن لا نستسلم لهزيمة أخرى… ».
   وتدخلت المؤسسات الثقافية بدورها على الخط بالدعوة إلى ضرب الحصار من حول التجمع الوطني. مهرجان افينيون كان من بين الأوائل والداعي لإقامة سد منيع في وجه التجمع الوطني. الموسيقيون دخلوا بدورهم على الخط. كما وقع 800 من مهنيي السينما والتلفزيون عريضة في هذا الاتجاه. كما وقع 1000 من المهندسين المعماريين و 500 من الناشرين وثيقة تدعو إلى مقاومة الخطر الذي يمثله اليمين المتطرف.
    إعداد وتوقيع العرائض ممارسة سياسية معمول بها منذ زمن ليس بالقريب. تنهل وزنها من التوقيعات الجماعية لشخصيات شهيرة. في البلدان الديمقراطية، قد يحصل أن يكون تأثيرها وازنا كما قد تكون مجرد ضربة سيف في الماء. في حالة العرائض الأنفة الذكر، من الممكن أن لا يكون ناخبوا التجمع الوطني على علم بها. بل وحتى وإن طالعوها فإن عقيدة النبذ والعنصرية تبقى راسخة في معتقدهم السياسي. إضافة إلى أن شعب التجمع الوطني يحقد على النخبة والمثقفين ويفضل مثقفين من أمثال إيريك زمور وميشال أونفري كنموذج للمثقف الواقعي الذي «لا يراوغ الحقيقة». لذا فإن مشوار الثقافة لمقاومة مد اليمين المتطرف خلال هذا الدور الحاسم يبقى جد قصير.
Visited 100 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

المعطي قبّال

كاتب ومترجم مغربي - رئيس تحرير مساعد لموقع "السؤال الآن".