بذلة لا تنحني للسلطة: حريّة المحاماة بصفتها الحصن الأخير للمواطن
♦يعد هذا النص للأستاذ عبد الإله الفشتالي، من هيئة المحامين بالدار البيضاء، مرافعةً فكرية وقانونية شاملة، تدافع عن استقلال مهنة المحاماة باعتبارها العمود الفقري لدولة الحق والقانون. ينطلق الأستاذ الفشتالي من مقولات كبار المفكرين والفلاسفة ليؤكد أن المحامي ليس مجرد تقنيٍّ في القانون أو موظفٍ لدى الدولة، بل هو الحارس اليقظ الذي يضمن توازن القوى ويحمي حقوق الأفراد من تغوّل السلطة. ومن خلال ربط النضال التاريخي العالمي بالواقع الراهن للمحاماة في المغرب، يخلص النص إلى أن المساس بحرية المحامي وحصانته هو مساسٌ مباشر بالعدالة نفسها وبضمانات المحاكمة العادلة التي كفلها الدستور♦
عبد الإله الفشتالي
حريّة المحامي: الركن الذي لا يقبل المساومة في دولة الحق والقانون
فواتح فكرية:
إتيان دي لا بويتي: “أُعطيَت الكلمة للإنسان ليعبّر عن فكره“.
جورج كليمنصو: “لا قيمة للحرية حيث لا يسود القانون، والمحامي هو حارس هذا السيادة“.
ألبير كامو: “أن تكون محامياً يعني أن تقبل خدمة القانون دون أن تتخلى يوماً عن العدالة“.
روبير بادينتير: “لا عدالة بلا قضاة، ولكن لا عدالة أيضاً بلا محامين.. وبدون استقلال المحامي لا يوجد دفاع، وبدون دفاع لا توجد عدالة“.
المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان: “المحامي هو الحارس اليقظ لدولة الحق والقانون“.
المحامي: حارس العدالة لا مجرد “موظف تقني“
إن رسالة مهنة المحاماة هي الاستقلال، وإلا فُقد “ثقل التوازن” الضروري أمام تغول الدولة التي قد تجمع بين يديه السلطة والتشريع والقضاء والسجن. إذا فقد المحامي حريته، سيتحول إلى مجرد “ترس” في آلة إدارية، أو تقني ينفذ التعليمات تحت إمرة “مهندسي الدولة”. حينها ستكون كلمته متوقعة ومحاصرة، وسيصبح “الأستاذ” مُقيداً وموظفاً، وكأنه يدافع عن الباطل بينما دوره الحقيقي هو الدفاع عن نزاهة الإجراءات وعدالة المحاكمة.
إن الهجوم على جوهر المهنة هو إضعاف للدولة نفسها وزعزعة لثقة الناس في مؤسساتها.
نضال تاريخي وليس امتيازاً فئوياً
استقلال القضاء والمحاماة ليس “هبة” أو امتيازاً خاصاً، بل هو ثمرة كفاح طويل عبر العصور، من ديموستنيس اليوناني وشيشرون الروماني، وصولاً إلى فلاسفة الأنوار والنهضة الأوروبية. لقد ناضل المحامون عبر القارات الخمس لترسيخ هذا الاستقلال ليكون ركيزة لا تنكسر، حتى وإن حاولت السلطات تقليص دورهم ليصبحوا مجرد “كومبارس” على هامش المشهد القضائي.
العدالة ليست “مونولوجاً” أو كلاماً من طرف واحد يدّعي العصمة، بل هي نقاش عميق وحوار متزن بين القضاة والمدافعين.
واقع المحاماة في المغرب: لحظة الحقيقة
للأسف، تمر مهنة المحاماة بالمغرب اليوم بمرحلة حاسمة. يحاول البعض تكميم الأفواه وتقليص الصلاحيات الدستورية للمحامين لإخضاعهم لوصاية وزارة العدل. أمام هذا التعسف، يصبح الصمت خطأً، وتصبح النظرة القاصرة تواطؤاً.
لقد اختار دستور 2011 “دولة الحق والقانون” كخيار لا رجعة فيه. وهذا الاختيار يفرض حماية حقوق المتقاضين، وهو ما لا يتحقق إلا بدفاع حر وقوي. المحامي ليس مجرد شريك، بل هو “العين الساهرة” التي تضمن المحاكمة العادلة.
الحصانة والكلمة الحرة: شروط الوجود
لا يمكن للمحامي أن يكون شريكاً حقيقياً في العدالة إلا إذا تمتع بحصانته وحرية كلامه. هذه ليست “بريستيجاً”، بل ضرورة لكي يتمكن من نقد الوقائع والمرافعة بصدق أمام القاضي. المحاماة ليست عائقاً أمام الحقيقة، بل هي الطريق الآمن للوصول إليها.
إذا تحول المحامي إلى مجرد “ديكور” صامت، سيفقد المتقاضي (المواطن) حمايته. كل اعتداء على هذه المهنة هو اعتداء على المواطن وعلى توازن النظام القضائي برمته.
رسالة إلى المشرّع والمجتمع
المحامي ليس عدواً للمؤسسات، بل هو شريكها الذي لا يمكن استبداله. لذا، فإن الإضرابات الحالية هي صرخة في وجه “الآذان الصماء” لوزارة العدل، وهي مستمرة حتى يتم التراجع عن مشروع القانون الذي يمس بجوهر المهنة.
نطمح إلى ديمقراطية تشاركية حقيقية، لا تخنقها مصالح “النخب الحكومية”. ونذكر الجميع بالحكمة العالمية: “رداء المحامي ليس لباساً في خدمة السلطة“.
أنشودة الحرية:
على غرار قصيدة بول إيلوار الشهيرة، نكتب اسم “الحرية” على جدران المحاكم، وعلى بذلاتنا السوداء، وفي مذكراتنا ومرافعاتنا. فالمحاماة وُلدت لكي تسمي الأشياء بمسمياتها، وأولها: الحرية.
إن نضال المحامي المغربي اليوم هو امتداد لتاريخه المشرف في بناء الدولة الحديثة والدفاع عن الكرامة. فإما عدالة بـمدافعين أحرار، وإما واجهة باهتة لا روح فيها.
الدار البيضاء، 2 فبراير 2026
