موقع الحمار في ثقافتنا؟
نجيب طلال
مُـدن وقلع شامخة وأسوار شاهقة، بُنيت على ظهر “الحمار”؛ ففي فاس القديمة، لا يزال “الحمار” حاضراً بقوته وصبره المعتاد على تحمل الأثقال، لأنه وُجد من أجل الآخرين كمطية ووسيلة نقل. وهذا موجود في الآية الكريمة بشكل صريح: “وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ” (1).
أليست المداشر والقرى النائية سندها الوحيد هو “الحمار” في تلبية حاجة الساكنة من بناء وحرث، ونقل المياه من الآبار، والتسوق الأسبوعي، وتقريب المسافات بين الأرياف والدواوير، رغم اكتساح الآلات والجرارات؟ ألم يتم استعمال الحمار في التهريب بشتى أنواعه، خاصة عبر الجبال والأحراش والممرات الضيقة والوعرة بمشقة وعناء؟ أليست القوانين العربية تجرم بيع لحوم الحمير جرماً يعاقب عليه فاعله؟
هاته المعطيات الدالة، دون تقدير لجهوده. وحينما نتأمل في الأدب المغربي عموماً، من الصعب أن نعثر على نصوص قصصية أو مسرحية أو روائية عن “الحمار” ككائن حيواني؛ لأنه في نظر موروث ثقافتنا الشعبية كائن يرمز للغباء والبلادة والسذاجة! كائن حقير ومنبوذ، بخلاف حقيقته أنه الحيوان الكادح والأكثر جدية وعملاً وصبراً وتحملاً للمشاق، طبعاً لا يوازيه في ذلك سوى “الجمل” في “الصحاري”.
إذ دائماً يتم الاستخفاف بالحمار والإساءة إليه، لأنه ضحيةُ استعارةٍ ظالمة في المخيال الشعبي؛ وكثيراً ما يستعمل في العنف اللفظي كشتيمة وإسقاط رمزي بين الأشخاص، مما يضجرون من اللفظة التي تولد انفعالات سلبية، غالباً ما تؤدي إلى [جنحة] نظراً لسلبية “الحمار” كحمولة ثقافية في مخزون الذاكرة الجمعية، وكذا عدم فهم تاريخيته ودوره ووظيفته الأساس، ناهيك عن الوفاء والتضحية. لهذا فالإشكال ليس في الحمار كنموذج، بل في مجتمعٍ لا يعترف إلا بالنماذج الصاخبة، حتى وإن كانت خاوية.
وبناءً على ذلك، فليس من الغباء أن يتخذ الحزب الديمقراطي (أمريكا) الحمار رمزاً سياسياً وشعاراً، كناية عن الصبر وتحمل الصعاب. وليس من الرعونة أن يتخذ الحمار نموذجاً للعديد من جمعيات الحمير؛ فقد تأسست خلال القرن العشرين في بلادنا، ولاقت هذه الجمعيات المؤيدين والرواج في الأوساط الشعبية. فقد أسس الفنان زكي طليمات عام 1932 في القاهرة “جمعية الحمير المصرية”، ووصل عدد أعضائها إلى نحو 35 ألف عضو. أما في بلاد الشام فقد تأسست عدة جمعيات للحمير كان أبرزها: جمعية الحمير التي أسسها علي الطنطاوي والذي برر وجودها قائلاً: “الإنسان يربي كلباً فيفي له، وحماراً فلا يرفسه، ويطعم القط فلا يعضه. عجباً! أيكون الكلب والحمار والقط والنمر أوفى من الإنسان؟”. ولحقتها جمعية حمير القامشلي، وجمعية حمير عامودا، ونادي الحمير، وجمعية الحمير اللبنانية في بيروت، وجمعية الحمير الأردنية، وجمعية الحمير الفلسطينية (2).
طبعاً في بلادنا تجربة مهرجان «فيستي باز» الذي تنظمه سنوياً جمعية “إقلاع للتنمية المتكاملة” بقصبة بني عمار، وذلك من أجل إعادة الاعتبار لهذا الحيوان “الحمار”، لينجلي عبره فهم حقيقي لثقافة الحوار وتصحيح العلاقة بينه وبين الإنسان، وكذا إعادة توضيب الصورة المشوهة التي رسمها الإنسان في مخيلته عن هذا المخلوق؛ وهي صورة، على كل حال، ضاجة بكثير من الازدراء والتطير والاحتقار والإهانة. لكن هذا المهرجان بدوره يُنظر إليه باحتقار ولا مبالاة، وكم من دورة تأجلت بسبب حرمانه من حقه في الدعم، رغم أن صيته أمسى دولياً، ورغم ذلك حاولت عدة أطراف، بما فيهم [المثقف]، نسفه وتوقيف مساره.
من هذا المنطلق، “الحمار” لا يشكل موقعاً استراتيجياً في أدبنا، ولا سيما أنه ليس دخيلاً على تاريخ الزمن السياسي المغربي، بل هنالك الجيلالي الروكي “بوحمارة”، وهذا اللقب له ما له من رمزية ناظمة لخطاب السلطة والمعارضة، ولا سيما أن لقبه انبثق شعبياً بحكم تنقله على ظهر حمار في بدايات حركته. وهذا يذكرنا بثورة “صاحب الحمار” (أبو يزيد مخلد بن كيداد)، وهي تمرد خارجي صفري واسع النطاق وقع في المهدية، العاصمة الأولى للفاطميين قبل الانتقال للقاهرة، وكاد أن يطيح بها في أفريقية (تونس حالياً). وبعيداً عن كتب التاريخ، فإن الذي رسخ لهذا الحدث التاريخي أدبياً وإبداعياً هو المسرحي التونسي عز الدين المدني (3).
وبالتالي، فالمخزن له حضور ضمني في تشكيل المخيال الشعبي تجاه (الجيلالي الروكي) ليتم إدانة ورفض “الحمار” جملة وتفصيلاً، مما جعلنا لا نقبض سوى على نزر قليل حول “الحمار”، إذ هناك قصة “عندما يصير الرجل حماراً” عن مجموعة [العربة]: “إن هذا مستحيل، الحمار لا يريد أن يتحرك.. قلت: هل تتحرك؟ لا يهمني، جر العربة على كتفيك. وكان الرجل يتكلم بفظاظة مرفقاً كلماته بتعابير قاسية من وجهه” (4). هنا لا يُنظر للحمار ككائن عابر، بل بوصفه حيواناً تُستنزف طاقته ويُعامل كأداة بلا قيمة، رغم أنه مثقل بالكدح والضرب والإهمال، بينما البشر من حوله غارقون في قسوتهم أو لا مبالاتهم، انطلاقاً من نظرة نقدية للمجتمع والإنسان المهمَّش كأساس، بأسلوب جد واقعي–ساخر، مركزاً بشكل ضمني على بداهة الحمار في عناده واستعمال حدسه الطبيعي للبقاء؛ فمن الصعب إرغام أو تهديد الحمار على فعل شيء ما ضد رغبته.
مقابل هذا نجد (سيرة حمار) والتي تتمظهر فيها مسألة المسخ من كائن إلى حمار بواسطة شراب: “هي حقيقة، لقد تحولت إلى حمار وكنت آمل أن أصير طائراً يحلق في الأجواء لا يعترضه معترض من وهاد ولا عقبات، نقعت شراباً خلته يرفعني فإذا هو يحط بي” (5). فهذا التحول يعطينا معاناة الفرد الذي يبحث عن المجد (طائراً) أمام طاحونة تفرض عملياً أن يكون فعلاً حماراً، خاضعاً لضوابط وينخرط في الطاحونة الحمارية ومنظومتها “اللاتفكير”: “لا أتميز عنها بشيء، وهل من المطلوب من حمار أن يفكر؟ وما يطلب من الحمار هو الجلد، وتحمل المشاق بلا تأفف، أما إن هو فكر، فقد يرى في وضعه ظلماً، وقد يثور عليه، والخيرة ألا تفكر الحمير” (6). هنا كان الحمار رمزاً للانبطاح داخل نسيجه السردي، مرتبطاً بعالم القهر اليومي وإخطبوط “الطاحونة”، معتمداً على بنية سردية تدعمها التداعيات الساكنة جرحاً في ذات الكاتب، وذلك درءاً من التهديد بقطع الخصي والضرب والقهر والحرمان من الأكل. وما نود الإشارة إليه هو أن السيرة لم ترفع من قيمة “الحمار”، بل جعلته علامة رمزية لبطل مهزوم، بكل موضوعية خالية إلى حد بعيد من نكهة السخرية السوداء أو التهكمية أو الدرامية، اللهم هنالك بعض اللمسات في السخرية الذاتية: “وهي أن بعضاً من عيلة الجماعة يعلمون أني لست حماراً كامل الأوصاف، وإنما إنسان مُسخ حماراً، فإذا علمت الدهماء من البرابرة بأمري مزقتني شر ممزق، والخيرة أن أتصرف كحمار وفق ما تريده الصفوة من الجماعة” (7).
لأن شخصية الحمار التاريخية، كسارد أو عابر أو سنيد للسارد، لا تخلو من السخرية السياسية وتوظيفها حبكة وتقنية، ولقد استخدم أغلب الأدباء الحمير للنيل من السياسيين وغيرهم لتمرير الرسائل التي يريدونها كما نجد في الأدب المشرقي، وخاصة “يوميات حمار” لأحمد رجب، أو “حمار من الشرق” لمحمود السعداني، أو “حماري” لعبد اللطيف بدوي، و”أحسن حمار” لعباس محمود العقاد، أو “ثورة حمار” لعلاء الدين صالح، أو “وصية حمار” لخالد أبو بكر، أو “وجدت سعادتي مع الحمير” ليحيى حقي… ناهيك عن توفيق الحكيم، الذي له باع طويل قصصياً وروائياً في مسألة “الحمار”. وأستحضر هاهنا مسرحية “قاضي الحلقة” (8)، حيث تم توظيف الحمار كصبور صامت، لكنه ينفجر كلاماً ذا منحى دفاعي/ثوري بعد الحكم الجائر الذي أصدره القاضي لصالح (صاحب القرد).
وفي سياق موقع الحمار في ثقافتنا، تم تفعيل الرؤية الدفاعية في حق “الحمار”؛ حيث يوجد في قلب مدينة طنجة (شمال المغرب) متحف خاص بالحمار أنشأه المصور والناشط البيئي عبد الرحيم بن عتابو عام 2019 إكراماً للحمار ودفاعاً عنه، يعرض لوحات ووثائق وكتباً ودواوين وروايات عن ذلك الحيوان (9). ولم أغفل عن ذاكرتي مسرحية “حمار رغم أنفك” (10)، بدعم من وزارة الثقافة، وهذا العمل يحتاج لحكاية خاصة (قراءة)؛ لأنها تحكي عن تجارب شخصية للمؤلف الرئيس الصديق “بلمو” والتي خاضها أثناء إقامته لمهرجان الحمار بقرية «قصبة بني عمار».
الاستئناس:
- سورة النحل، الآية 8.
- “الحمار في الحياة والسياسة والأدب” لمحمد عبد الكريم يوسف – مجلة الحوار المتمدن – العدد: 6993 – بتاريخ 19 / 8 / 2021.
- “ثورة صاحب الحمار” (نص مسرحي) لعز الدين المدني – الدار التونسية للنشر / 1970.
- “المجموعة القصصية الكاملة” لمحمد زفزاف – قصة العربة، ص 648 – المركز الثقافي العربي / 2017.
- “سيرة حمار” لحسن أوريد، ص 23 – دار الأمان بالرباط / 2014.
- نفسه – ص 43.
- نفسه – ص 55.
- “قاضي الحلقة”: نص مسرحي مطبوع لأحمد الطيب العلج – منشورات مؤسسة أحمد الطيب العلج للمسرح والزجل والفنون الشعبية – الرباط / 2015. (تم تشخيصها سنة 1975).
- “متحف للحمار في المغرب… فما قصته؟” لحسن الأشرف – صحيفة إندبندنت عربية – 3 يوليو 2022.
- “حمار رغم أنفك” لمحمد بلمو / عبد الإله بنهدار – دار «أبي رقراق» للنشر / 2018.
