لماذا تُمنع الطائرات المدنية الروسية من الهبوط في بيروت؟
د. زياد منصور
تُعبّر القيود المفروضة على هبوط بعض الطائرات المدنية والتجارية الروسية في مطار بيروت، مقابل السماح لطائرات المساعدات التي تنتمي إلى أسطول روسيا نفسها، أمر فيه الكثير من التناقض المثير للجدل من الناحيتين السياسية والقانونية. ولعلّ هذا يعبر أكثر عن تشابك تاريخي بين العوامل السياسية والاقتصادية والأمنية في لبنان. فمنذ نهاية الحرب الأهلية، بقي قطاع الطيران مرتبطًا بتوازنات داخلية وضغوط خارجية، حيث لا تُتخذ القرارات بمعزل عن الاعتبارات الدولية، خصوصًا في ظل العقوبات والمخاوف المرتبطة بالتعامل مع جهات معينة.
اقتصاديًا، يُعدّ عامل الوقود (الكيروسين) عنصرًا حاسمًا في هذه الأزمة. إذ يخضع سوق استيراد وتوزيع الوقود في لبنان لبنية شبه احتكارية مرتبطة بالشركات الأجنبية، ما يمنح عددًا محدودًا من الشركات قدرة غير مباشرة على التأثير في حركة الطيران. وعندما تتقاطع هذه المصالح مع قرارات سياسية أو ضغوط خارجية، يظهر ذلك في صورة تقييد للهبوط أو رفض تزويد بعض الطائرات بالوقود، كما تفعل الاحتكارات اللبنانية مع الطائرات الروسية
في المقابل، تُستثنى طائرات المساعدات الإنسانية نظرًا لارتباطها بمنظمات دولية وغطاء قانوني خاص، ما يسمح لها بالهبوط دون الخضوع للقيود ذاتها. أما الطيران التجاري، فيبقى عرضة لتشابكات سياسية ومالية، تنعكس سلبًا على المواطنين، خاصة الراغبين بالسفر إلى روسيا، حيث يضطرون للمرور عبر عدة مطارات، ما يضاعف زمن الرحلة من أربع إلى ثماني ساعات أو أكثر، إضافة على الكلفة.
على صعيد التبادل التجاري، يُقدّر حجم العلاقات الاقتصادية بين لبنان وروسيا بنحو مليار دولار سنويًا، يستورد لبنان في إطارها الخشب ومشتقاته، والحديد، والمعادن المختلفة، إضافة إلى بعض المنتجات الصناعية والغذائية. كما تُطرح إمكانية استيراد النفط أو المشتقات النفطية بأسعار منخفضة نسبيًا، إلا أن هذا الخيار يبقى محكومًا بالقيود المالية والعقوبات.
المطارات العربية مفتوحة أمام الطيران الروسي
وفيما أنَّ كل المطارات العربية مفتوحة بالكامل أمام الطيران الروسي، رغم ان عددًا كبيرا منها مرتبط أيضا بالمصالح الغربية، فإن ذلك يؤشر إلى أن هذه الدول السيادية تنطلق من مصالحها وحساباتها. على الرَّغم من أن بعضها صوريا يفرض قيودًا جزئية أو غير معلنة، فالأردن ومصر والعراق وسوريا تبدو أكثر مرونة مقارنة بلبنان. والسبب في ذلك لا يعود لعامل واحد، بل لمجموعة فروقات بنيوية:
أولًا، الهشاشة المالية والمصرفية في لبنان: لبنان يعتمد بشدة على النظام المالي الغربي والتحويلات بالدولار، وأي خرق واضح للعقوبات قد يعرّض مصارفه القليلة المتبقية لمزيد من العزل. بينما دول أخرى تملك هوامش أوسع (احتياطيات، دعم حكومي، أو بدائل مالية).
ثانيًا، تركيبة القرار الداخلي: في لبنان، القرار الاقتصادي موزّع بين الدولة وقطاع خاص نافذ (خصوصًا في الطاقة والوقود)، ما يجعل الالتزام بالعقوبات يُطبَّق أحيانًا “من خلال السوق” وليس فقط بقرار رسمي. في المقابل، دول مثل سوريا أو العراق لديها دور دولة أقوى أو اعتبارات مختلفة تجعلها أقل حساسية تجاه الضغوط.
ثالثًا، مستوى الانخراط مع الغرب: لبنان تاريخيًا مرتبط بالأسواق الأوروبية والأمريكية (تجارة، تعليم، تحويلات)، لذلك يحاول تجنّب أي خطوة قد تُفسَّر كخروج عن هذا المسار. أما بعض الدول الأخرى فتوازن علاقاتها بشكل مختلف أو تملك علاقات أعمق مع روسيا تقلّل من كلفة الانفتاح عليها.
رابعًا، المخاطر التشغيلية والتأمينية: منذ عام 2022 تتعامل شركات الطيران والتأمين العالمية بحذر شديد مع الرحلات المرتبطة بروسيا. لذلك لا يكفي أن تسمح الدولة بالهبوط شكليًا، إذ تبقى الأسئلة الحاسمة: هل تحظى هذه الرحلات بتغطية تأمينية صالحة؟ وهل يمكن تزويدها بالوقود دون الوقوع في تعقيدات قانونية أو مالية؟ في الحالة اللبنانية، لا يُنظر إلى التأمين كعامل ثانوي يمكن تجاوزه، بل كشرط أساسي لحماية المطار والاقتصاد من أخطار قد تكون مكلفة جدًا في حال وقوع حادث أو نزاع قانوني. من هنا، لا تُطرح المسألة كخيار بين “مصلحة اقتصادية” و“شركات تأمين”، بل كمعادلة توازن: أي فائدة اقتصادية محتملة يجب أن تُقاس مقابل كلفة المخاطر غير المغطاة، خصوصًا في بلد محدود القدرة على تحمّل صدمات إضافية.
خامسًا، الحسابات السياسية الدقيقة: لبنان يحاول- ولو بحد أدنى- تجنّب الظهور كطرف منحاز في الصراع الدولي، خاصة أنه ساحة حساسة إقليميًا. لذلك يميل إلى “الامتثال الحذر” بدل المغامرة.
فعليًا فأن المسألة ليست “التزامًا طوعيًا” بقدر ما هي نتيجة مزيج من الضعف المالي، وتركيبة السوق، والتبعية العمياء للنظام الدولي. أي تغيير في هذا السلوك يتطلب أولًا تقوية الداخل (قطاع مصرفي، طاقة، قرار موحّد)، قبل التفكير بمجاراة نماذج دول أخرى تبدو أكثر تحرّرًا.
الموقف اللبناني يفسر كميل غير مباشر نحو الموقف الأوكراني
في كل حال تعكس القيود المفروضة تشابكًا معقّدًا بين اعتبارات سياسية واقتصادية وأمنية ذات جذور تاريخية. فمنذ عقود، حافظ لبنان على علاقات تقليدية مع روسيا (والاتحاد السوفيتي سابقًا)، شملت التبادل التجاري والتعليم والتعاون الثقافي. إلا أن التحولات الدولية، ولا سيما بعد الحرب في أوكرانيا، وضعت لبنان في موقع حساس، حيث يبدو في ممارساته العملية أقرب إلى الالتزام بالمعايير والضغوط الغربية، ما يُفسَّر أحيانًا كميل غير مباشر نحو الموقف الأوكراني.
سياسيًا، تسعى الدولة اللبنانية إلى تجنّب أي تداعيات قد تنجم عن خرق منظومة العقوبات الدولية، خصوصًا في قطاعات حساسة كالنقل الجوي والطاقة. لذلك، تُقيَّد بعض الرحلات أو تُمنع من التزود بالوقود، في حين تُستثنى طائرات المساعدات الإنسانية بفضل غطائها الدولي. هذا التباين يسلّط الضوء على طبيعة القرار الذي يتجاوز البعد التقني إلى حسابات دبلوماسية دقيقة.
إشارة إلى أن لهذه الإجراءات انعكاس كبير على المواطنين، خصوصًا في الرحلات الطويلة كالسفر إلى روسيا، حيث يُجبر المسافر على الترانزيت عبر عدة مطارات، ما يزيد الكلفة والوقت. لمعالجة هذه الإشكالية، يحتاج لبنان إلى إصلاحات هيكلية في قطاع الوقود لضمان شفافية المنافسة، وتحديث سياسات الطيران المدني بما يوازن بين الالتزامات الدولية وحقوق المواطنين، إضافة إلى فتح قنوات تفاوض دبلوماسية لتأمين خطوط مباشرة أو تسهيلات خاصة. بدون ذلك، سيبقى المطار ساحة لتجاذبات تتجاوز دوره الطبيعي كبوابة سفر وطنية.
ولمعالجة هذه الإشكالية، يمكن اعتماد حزمة حلول متدرجة، تبدأ بتنظيم رحلات غير مباشرة عبر مراكز عبور باتفاقات رسمية تقلّص زمن الانتظار، وإنشاء آليات دفع بديلة أو مقايضة جزئية لتسهيل التبادل التجاري. كما يُعدّ تحرير سوق وقود الطائرات وإدخال منافسين جدد خطوة أساسية للحد من الاحتكار. كذلك، يمكن التفاوض على ممرات خاصة لبعض الرحلات ذات الطابع الإنساني أو التعليمي، بما يخفف القيود المفروضة.
نفوذ الشركات الاحتكارية وتأثيرها على القرار السياسي
يتضح مما سبق أن الشركات الاحتكارية تملك قدرة تأثير فعلية ناتجة عن بنية السوق والفراغ التنظيمي، وذلك للأسباب التالية:
أولًا، البنية شبه الاحتكارية: سوق استيراد وتوزيع الكيروسين في لبنان محدود بعدد قليل من الشركات، مع استثمارات كبيرة في التخزين والنقل داخل مطار رفيق الحريري الدولي. هذا التركّز يمنحها قوة تفاوضية عالية: إذا امتنعت عن التزويد أو شدّدت الشروط، تتعطّل العمليات عمليًا.
ثانيًا، المخاطر القانونية والمالية: هذه الشركات تعمل ضمن نظام مالي دولي شديد الحساسية. أي عملية قد تُفسَّر كخرق للعقوبات تعرّضها لغرامات أو قطع علاقات مصرفية. لذلك تميل إلى التشدد وفرض قيود وقائية، حتى قبل صدور قرار حكومي صريح.
ثالثًا، ضعف الإطار التنظيمي: غياب هيئة تنظيم مستقلة للطيران والوقود، وتأخر تحديث القوانين، يتركان فراغًا تُملؤه ممارسات السوق. هنا يظهر “تأثير” الشركات، لا لأنها تضع السياسات، بل لأن الدولة لا تفرض قواعد واضحة وملزمة.
أما دور مجلس الوزراء فهو نظريًا حاسم: يملك صلاحية وضع السياسة العامة، إصدار قرارات ملزمة للتزويد وفق معايير محددة، وفتح السوق أمام منافسين جدد أو إقرار شراء حكومي مباشر. لكن عمليًا يتقيّد بعدة عوامل:
الانقسام السياسي وصعوبة اتخاذ قرارات موحّدة.
الخشية من تبعات دولية أو مالية لأي خطوة تُفسَّر كتجاوز للعقوبات.
الاعتماد على القطاع الخاص في الاستيراد والتشغيل.
هكذا فإن المشكلة تتبدى في “هيمنة الشركات” وفي تداخل مصالح مع ضعف الحوكمة. عندما تكون القواعد واضحة وتنافسية وتحت رقابة فعالة، يتراجع تأثير أي شركة إلى حجمه الطبيعي، ويستعيد القرار العام توازنه بين السيادة الاقتصادية والالتزامات الدولية.
خلاصة القول فإن أزمة الطيران الروسي في لبنان ومنعه من الهبوط يكشف عن خلل بنيوي يتجاوز النقل الجوي ليطال الاقتصاد والسيادة. والحل لا يكمن في إجراء واحد، بل في إصلاح متكامل يجمع بين تحرير السوق، وإعادة التوازن للعلاقات الدولية، وحماية مصالح المواطنين، بما يعيد لمطار بيروت دوره الطبيعي كبوابة مفتوحة لا كساحة صراع.
