استنكارٌ وصمتٌ مُتكرر

استنكارٌ وصمتٌ مُتكرر

عقيل وساف

     تمر المنطقة اليوم بمنعطف تاريخي لا يحتمل الخضوع، حيث يتداخل المشهد الميداني بالسياسي في صراع متزايد مع تجاوز الحدود الجغرافية ليصبح صراعاً على الهوية والكرامة. إن ما نشهده اليوم من استهداف متكرر لقوات الحشد الشعبي ليس مجرد خروقات أمنية عابرة، بل هو جس نبض مستمر لسيادة الدولة العراقية، التي يبدو صمتها مريباً أمام نزيف دماء أبنائها. فكيف يمكن تفسير هذا السكوت الحكومي المطبق بينما يسقط الشهداء يومياً بضربات غادرة؟ إن هذا التساؤل يفتح الباب على مصراعيه لفهم الفجوة بين الموقف الرسمي المتردد وبين الموقف الشعبي الذي بات يغلي ويتحين الفرصة للرد.

فالقراءة الدقيقة للواقع العراقي اليوم تؤكد أن المجتمع بات ملتصقاً بمرجعيته وصوابية خياراته الوطنية التصاقاً إيمانياً عالياً، فالناس في العراق اليوم كأعواد الثقاب، ينتظرون فقط تلك “القدحة” التي قد تشعل المنطقة بأكملها إذا ما تسول للعدو تدنيس الأرض أو التمادي في الاعتداء. ان الموقف الشعبي العراقي بات يمتلك قوة إدراك عالية بهوية العدو الحقيقي، وهو يرى بوضوح كيف تحاول قوى الشر والولايات المتحدة ومن يقف معهم من دول المنطقة الالتفاف على منجزات المقاومة عبر أدوات دبلوماسية واقتصادية.

وعلى المسرح الدولي، تبرز منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن كأدوات صهيونية بامتياز، تشرعن الاعتداء وتجرم الضحية. ولا شك بأن القرارات الأخيرة التي تحول المعتدى عليه إلى معتدٍ، وصمت هذه المنظمات عن استهداف السيادة العراقية، يؤكد أن القانون الدولي ما هو إلا حبر على ورق يُكتب بأقلام القوى الكبرى، بينما يصمت عن انتهاك سمائه وأرضه يومياً مع عجز واضح عن حماية الشعب، ولذلك نرى ان القوى الشعبية تضطر للقيام بواجبها الوطني لملء الفراغ الذي تركه سياسة الاستنكار المستمرة.

أما في الشأن الإيراني، فإن محاولات المراهنة على “فراغ القيادة” بعد رحيل قائد الثورة الإسلامية الإيرانية علي خامنئي قد باءت بالفشل الذريع. وما اكده البيان الصادر عن المرجعية العليا في النجف الأشرف تجاه القيادة الجديدة في إيران لم يكن مجرد تعزية، بل كان “إعادة إنتاج للشرعية” وتثبيتاً لبوصلة العداء المشترك ضد “شرور الأعداء”. هذا الربط بين المرجعية والقيادة الروحية يقطع الطريق على المراهنين على تفكك محور المقاومة، ويؤكد أن المدرسة الواحدة ستستمر بذات النهج الصارم ضد الاستكبار العالمي، بل وبروح شابة جديدة قد تكون أكثر حزماً وإصراراً على حسم المعارك العالقة.

ولو نظرنا إلى تأثير البعد الاقتصادي، نجد أن النفط ما زال يُستخدم كسلاح ضد الشعوب، ولكن من قبل الأنظمة التي تدعي العروبة والإسلام. كما ان ضخ المخزونات الاحتياطية لخفض الأسعار ودعم الأسواق الغربية هو دعم مباشر للعدوان وتأمين لآلة الحرب الصهيونية الأمريكية. ومن المؤلم أن يُؤمّن العدو نفسه بنفطنا وأموالنا بينما تُحاصر شعوبنا اقتصادياً. فهذا الواقع يعيدنا إلى حقيقة أن المعركة إعلامية أيضاً، حيث نفشل نحن في تسويق قضيتنا بينما ينجح العدو في الترويج لـ “استراتيجية الهيمنة المطلقة” لإرهاب الخصوم وإرباك حساباتهم.

لذا ما نراه اليوم هو إن المنطقة مقبلة على تحولات كبرى، والظهور القريب للحق بات حتمياً في ظل تدهور الوضع السياسي والعالمي. فالقوة الحقيقية لا تكمن في الطاولات الدبلوماسية، بل في ستة ملايين مقاتل جاهزون برياً لخوض معارك يمكن ان تغيير وجه الحرب. بالنهاية يجب ان تتذكر البلدان والحكومات التي تطبع أو تصمت أن تدرك أنها ستزول، ولن يبقى إلا من وقف بصدق مع قضايا الأمة المظلومة، فالتاريخ لا يرحم الضعفاء، والسيادة تُنتزع ولا تُمنح.

شارك هذا الموضوع

عقيل وساف

كاتب وإعلامي عراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!