حرب الأسابيع الستة: من يملك قرار النهاية؟
عقيل وساف
ما كان يفترض أن يكون حرباً خاطفة ومحدودة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، سرعان ما تحوّل إلى مواجهة شاملة متعددة الأطراف والساحات. امتدت شرارة هذه الحرب إلى الأراضي المجاورة والممرات المائية الاستراتيجية، مهددة بنسف الأمن والسلم الدوليين بشكل غير مسبوق. راهنت الإدارة الأمريكية في البداية على سيناريو لتغيير النظام بشكل سريع على غرار ما حدث في تجارب سابقة، يتفقون بعده مع حكام جدد في طهران على كافة المسائل العالقة، بدءاً من البرنامج النووي مروراً بالنفوذ الإقليمي وصولاً إلى وضع اليد على مقدراتها. لكن الجغرافيا الإيرانية المحصنة بالمضائق والممرات المائية جعلت الوصول إليها أمراً بالغ التعقيد، لتكشف الأيام أن الطريق إلى طهران لم يكن ممهداً وسالكاً كما خُطط له في غرف العمليات.
بُنيت هندسة الضربة الأولى على فكرة تحقيق الحسم المبكر عبر استئصال رأس الهرم كما تسميه الولايات المتحدة الأمريكية وشل منظومة القيادة والسيطرة الإيرانية. استهدفت الساعات الاثنتين والسبعين الأولى المرشد الأعلى ومستشاريه وكبار قادة الحرس الثوري ووزير الدفاع. حُددت الأهداف العملياتية بتعطيل بنية القيادة، واستهداف المواقع ذات الخطر العاجل لفرض التفوّق الجوي، وتغيير ميزان الردع منذ الساعات الأولى. لكن بنية النظام الإيراني المؤسساتية أثبتت قدرة سريعة على استيعاب الصدمة وإعادة إنتاج القيادة وتسيير الأعمال، ليتحول المخطط الزمني القصير إلى حرب قاسية استمرت أربعين يوماً متواصلة. وقد كشفت الضربات التي طالت أهدافاً مدنية، كحادثة المدرسة الابتدائية في مدينة ميناب التي راح ضحيتها عشرات الفتيات الصغيرات، عن فجوة عميقة بين الأهداف العسكرية المعلنة والكلفة المدنية الباهظة لتلك العمليات.
أمام هذا الواقع، تخلت طهران عن سياستها السابقة في الرد المحسوب، واختارت التصعيد السريع، محوّلة المواجهة من ضربة متأنية ومحدودة الأهداف إلى حرب رد سريعة مفتوحة الاتجاهات. اعتمدت الاستراتيجية الإيرانية على جر الحرب نحو توسع أفقي، فبدلاً من الرد بالمثل على مصادر النيران فقط، تمددت الضربات في المحيط الجغرافي لتستهدف أربع عشرة دولة مجاورة، بهدف استنزاف مقدرات الدفاع الجوي الإقليمية تحت فكرة ضرب القواعد الأمريكية المشاركة في الهجوم. رافق ذلك توسع رأسي تمثل في تنويع طبيعة الأهداف لتشمل بنى تحتية حرجة. هَدِفَ هذا الدمج الاستراتيجي إلى خلق حالة إشغال تام للدفاعات الإقليمية وإعادة تعريف كلفة الحرب لتشمل أسواق الطاقة وشبكات النقل العالمية المرتبطة بهذه الدول.
في المقابل، لم تخف إسرائيل منذ اللحظات الأولى أهدافها، وربطت عملياتها بإزالة التهديد الوجودي وتحييد البرنامج النووي ومنظومة الصواريخ الباليستية وشبكات التحالف، متجاهلة التكلفة البنيوية الضخمة لتبعات هذه الحرب الطويلة. فقد سجلت البلاد مغادرة عشرات الآلاف، وشهدت أعلى معدلات النزوح إلى الملاجئ في ظل قصف وتسلل مسيرات متواصل، فضلاً عن تكبد الاقتصاد خسائر أسبوعية قدرت بنحو ثلاثة مليارات دولار. وعلى الجانب الإيراني، سُجل تعرض البلاد للعديد من الاستهدافات التي خلفت ضحايا دمار في البنى التحتية، لتصبح الكلفة متبادلة وفادحة للطرفين. وفي ظل هذا الاستنزاف المستمر، برزت التساؤلات حول طبيعة التحالف وإدارة الأزمة، حيث وُصفت بأنها عمليات تنفذها إسرائيل وتتحمل واشنطن عبئها المالي والمادي وتدير تداعياتها، ليتساءل الكثيرون: لمن هذه الحرب، لأمريكا أم لإسرائيل؟
برزت عقدة الحرب الرئيسية في مضيق هرمز، الذي تحول من ورقة ضغط ملحقة إلى مركز الأزمة الفعلي. أدى تعطيل المضيق إلى أزمة طاقة عالمية مربكة، هبطت معها التدفقات النفطية إلى مستويات هامشية وانخفض الإنتاج الإقليمي بشكل حاد. دفع هذا الواقع العمليات الأمريكية والإسرائيلية للتركيز المكثف على تدمير مصادر الردع الإيرانية، حيث أُعلن عن تدمير نسب كبيرة من القاعدة الصناعية الدفاعية ومنصات الإطلاق. ورغم ذلك، بقي المضيق محاصراً وظيفياً، وترافق ذلك مع تفعيل طهران لشبكاتها الحليفة في المنطقة ضمن جبهة استراتيجية موحدة لتشتيت موارد الخصوم وتثبيت حالة من اللايقين الممتد.
مع وصول الأمور إلى طريق مسدود وانتهاء مهلة الأربعين يوماً، اتُفق على هدنة هشة لأسبوعين، وسرعان ما تم خرقها بهجمات جوية عنيفة. انتقل المشهد إلى طاولة المفاوضات التي دخلتها واشنطن بشروط صارمة تتمثل في الفتح الفوري لمضيق هرمز وتأمين مسارات التجارة، إضافة إلى صياغة اتفاق نووي جديد يمنع تخصيب اليورانيوم. في المقابل، تعاملت طهران مع المحادثات بتمسك شديد برفض ما اعتبرته شروط استسلام تامة، معتبرة أن حرب الاستنزاف التي خاضتها يجب أن تجبر القوى العظمى على التراجع.
من أبرز وأهم نتائج هذه الحرب أنها تسببت بتآكل حاد وكبير في الرصيد الإيراني لدى دول وشعوب الخليج العربي، التي استوعبت الجزء الأكبر من هذه الهجمات ولم تكن طرفاً في اتخاذ قرار الحرب أصلاً. هذه الدول التي تمتلك مقدرات عسكرية ضخمة وآلاف الطائرات الحربية، اختارت عدم التدخل والرد. وقد أثارت هذه التطورات تساؤلات مشروعة ومريرة حول غياب دور المؤسسات العربية والإسلامية في التعامل مع أزمة بهذا الحجم.
هذا الواقع المستجد يفرض على دول المنطقة إعادة تقييم جدية لطبيعة تحالفاتها الأمنية، سواء مع الجوار الإيراني، أو مع الحليف الأمريكي الذي اتخذ قرارات مصيرية متجاهلاً التنسيق المشترك ثم ذهب للتفاوض الثنائي، متناسياً أن أمن الممرات والطاقة لا يمكن تحقيقه بمعزل عن مشاركة الدول المشاطئة لها. واليوم، يقف العالم بأسره على برميل بارود يكاد ينفجر، يترقب ما ستسفر عنه الأيام والساعات القادمة، لتبقى الحقيقة الأبرز أن هذه الحرب قد فرضت معادلة جديدة مفادها أن الأمن إما أن يكون متكاملاً للجميع، أو لا يكون على الإطلاق.
