قراءة في رواية “خط الزناتي”: سمفونية الوجود والعيش المشترك
أحمد حبشي
رواية خط الزناتي لصاحبها الأستاذ بوشعيب خليف، لها ما يميزها عن باقي مؤلفاته المتعددة والمتنوعة في مجالات استقرائه للواقع وإبراز مقوماته.
هي تجربة في الكتابة ذات ملامح خاصة من حيث تركيب فصولها وصيغ حكي أحداثها، تختلف في تداول وقائعها ونوعية الروابط بين شخوصها، رواية لها ما يميزها على مستوى السرد وطبيعة العلاقة بين الشخوص ونوعية مواقع الفعل المشترك. فصولها العشرة تعكس نوعا من العلاقات الاجتماعية والوجودية المرتبطة بشرط محيطها ومستوى تفاعل مكوناته. فالتفاعل السلس مع كل المعطيات في واقعيتها وتبادل وقع تأثيرها، يجلي حقيقة العيش المشترك بين كائنات من عوالم مختلفة ذات سمات تسمح بتمتين الروابط بين عناصرها، في تجاوز لافت لطبيعة النوع وعوالمه. فلا متسع للفصل بالقطع بين الطائر والزاحف أو من يعتمد القوائم في حركته وتدبير أمر حياته. هي كائنات متعددة الصفات تحقق كل الأبعاد التي تضفي على الحياة معنى، وتبرز القدرات والخصائص وكل ما يستقيم وواقعية حدود المشترك وشساعة الاختلاف. جملة من التباينات تكشف حقيقة الروابط ومجالات الخصوصيات والتميز.
في السرد العام تتجلي حدود العلاقات بين كل المكونات وحيوية تفاعلاتها، كشرط عام يعطي للوجود معنى بكل أبعاده وخصوصية سموه.
خصوصية ” خط الزناتي” الإبداعية، يكشف عنها تعدد فصولها، وتكامل مجالات حكيها. هي أجواء عامة فيها الخاص والمشترك، ويبقى الرابط بين مكوناتها ممثلا في مجرى الحياة وشروط العيش في مجال محدد، تميزه دواعي التنوع ومستوى الاختلاف. فيها تتحقق الألفة ويسمو الانسجام إلى حد التماهي، دون التطابق او الانصهار. ففي دورة العوالم الخاصة تنعكس معالم التميز والتباين بين مختلف المكونات.
اطارها العام جملة من الفصول تحمل في تركيبة بنيتها، كل عناصر التميز وما يرتبط بخصوصيات كل صنف من مكونات عوالمها، وما يوحد مجال الارتباط ودواعي التفاعل والتأثر والتأثير. فالتفاعل الحاصل بين الطائر والراجل والزاحف، يجلي معنى الوجود وأبعاد تعدد مظاهره ومأل علاقات مكوناته،
الفراشة والفجر، عنوان الفصل الأول
في سرد الفقرات يدبج الاستهلال باستقراء جميل للأمكنة، وتقديم الشخوص ومكونات المشهد بما يتناسب وأجواء الفعل وزمنه وطبيعة الفاعلين فيه.
“يسبح الضوء الأبيض الرصاصي زاحفا إلى أعلى مثل انفاس عابد أنهى صلواته الطويلة وعاد إلى الدنيا، فيما يدنو موسى، مندهشا وحذرا وقد أبصر فراشة تخفق بجناحيها الحائرين، كأنما استفاقت لحظتئد من سبات فطري وعادت إلى الحياة من شرفة الفجر”.
هي لحظة تقابل كائنات من عوالم مختلفة، فلاح يستهل نهاره بتأمل محيطه وما ينط في جوانبه من مخلوقات متباينة الأشكال والصفات، تؤكد أن نهارا آخر بدأ، الكل في مسعاه يدير سويعاته حسب مبتغاه وضروريات مسار وجوده.
“ساد الصمت في كل الضيعة والحقول البعيدة إلا من عواء خافت ومتقطع لسوسو التي كانت تتابع كل شيء من بعيد.” لا يشق هذا الصمت سوى «صوت طائر بوصندل الرمادي بحجمه الصغير وطبعه الحاد والعنيف مثل جزار سادي، مختبئ وسط أشواك شجرة النبق الخضراء المترامية، يغرد مقلدا طائر الحسون”.
في مسار دورة الحياة، كل كائن من موقعه يضفي على لحظات التقابل ما يؤكد معنى التنوع ودلالته، يكشف عن معنى ترابط الصلات بين مختلف الكائنات، رغم صفات النوع وتباين الشكل والأحجام. لكل عوالمه ودواعي فعله وحركاته وما يميزه في ذات المحيط.
الفصل الثاني: الثعلب والراعي
“ماذا لو كان للأرض عقل مثلنا؟ ” سؤال يقود إلى التأمل في ما بين الكائن البشري وسعة الكون الذي يؤطر كل عوالمه، وما يجعله في تقابل مع مختلف الكائنات الأخرى، وكل ما يميزها في تدبير شأنها وإعادة انتاج نوعها. لا يكف المرء عن تجديد مداخل السؤال حول نوع الكائنات وأهمية وجودها في ذات الفضاء، الذي يعتقد أنه أعد فقط من أجله ولغاية الاستجابة لتطلعاته ونزواته، بما يجعله يحسن التدبير في التفاعل مع مختلف المعطيات. لا يجد مبتغاه إلا ما يرضي لواعج نفسه والاستجابة لكل رغباته. في سمو العلاقات تستقيم دورة الحياة بكل ما يعكس تنوعها وخصوصيات مكوناتها.
الفصل الثالث: ساعة العصر…. تختلط الازمنة كلها
العودة بعد يوم صاخب، ارهاق تزكيه حصيلة ما اجتباه كل في تحقيق مراميه ومبتغاه ” لم ييأس الجعل (بو جعران) من دفع كرته التي اعتاد تكويرها من روث البغل، ودس بيضه فيها. يبدع في دفعها بستة أرجل تتناوب فوق أرض غير مستوية نحو بيته الذي يخفيه كما يخفي جناحيه، ولا يشهرهما إلا للضرورة في البحث عن قوت إضافي” في لقاءات وأحاديث تجلي رغبة في تجاوز ما تراكم من ضنك من طلعة الفجر إلى مقرب الغروب. في لحظة استرخاء يطيب الحديث لإبراز ما تقوى عليه الذات وتحقق به أهمية وجودها.
“يجلسون على ثلاث قطع من الحجارة حول شمعة يتراقص ضوءها، ثم تبدأ حفلتهم التي لا تتشابه أيامها. قد تمر أيام يلتقون فيها يدخنون الكيف وغيره ولا يتكلمون ولو بكلمة، وأيام يسمع صخبهم وغناؤهم من بعيد.”
أشخاص بثلاثة أقنعة يقتسمون لحظات الاسترخاء في تداول حول ما هم مختلفون فيه، وما يستعيدون به بهجتهم.
الفصل الرابع: هوهات هوهات يا سوسو أزهار الغروب
تتسع دورة الزمن وتطفو لحظات الابتهال، يلفها صخب الحديث عما جادت به الأرض، وكل ما يلف النفس من سعة الحلم بالأفق الجميل، حيث تزهر الأيام على إيقاع دقات القلب وزفرات الاشتياق. إنه العشق على ناصية اللوعة ورعشة الإخفاق.
المقبرة المهجورة
“بدا الراعي الحيمر مستمتعا بالإنصات حينا إلى برنامج “ساعة مبروكة” مع جليل بقناة ميد راديو، وحينا آخر إلى عماد قطبي بقناة شدى اف إم، ولم أشأ استفساره في شأن إمساكه عن الزواج من الدوار والحلم بالنصرانية الشقراء وقد أشاع عنه عبو الذي اشتهر بالكذب والتلفيق المحكم الذي جاء من أطراف وادي أم الربيع قبل سنوات، كان إلى وقت قريب يحب بنت دويدة وأخبرها أنه يفكر في التقدم إليها، وهي فتاة لا تبرح البيت أبدا “
الفصل الخامس: سوسو تعلن بداية الليل اختلاس الشوق
“الليل سلطان بربري بسلهام أسود على فرس أدهم يجري من الظلام إلى الظلام، عابرا اللحظة الفاصلة في الزمان من ضوء النهار إلى نور العتمة… والأرواح تتراقص مثل شرارة من سراج جف زيته، تستعجل المقاومة وهي لا تعقل مساحة الليل “.
في لحظة استرخاء، تجللها سكينة تستعيد معها الذات هدوءها، يطيب الحديث على هوامش يوم امتدت سويعاته، لتطفو كل الحكايات بكل ما يريح النفس ويجلي جميل الذكريات، كما يرفع منسوب الطمأنينة والحق في مباهج الحياة. يستباح الحديث في كل تفاصيل المشترك من الأيام.
الفصل السادس: من قال إن الليل قطعة واحدة؟ نشيد البرغوث
“نظر يمينا وشمالا متفقدا انتظارنا ثم تحول محدقا بإمعان في أعلى كتفي الأيمن قبل أن ينتقل إلى كتفي الأيسر مبتسما وهو يهز رأسه دون أن ينظر في عيني، فخمنت أن الشيخ البرغوت يريد التمهيد لعمله بحركات غامضة وتحفيزية وهو الذي جرب القدر في حياته القصيرة كل الصدمات الممكنة بضربة رباعية ديدنها المصير كله. أما فحمة الليل فهي مجرد غطاء يخفي ما اقترفه النهار”.
كل لحظة سمر يلفها حبور، تكتمل فيها الألفة بين كل الشخوص. حضور يؤكد صفاء وسمو العلاقات الحياتية على كل تصنيفات التمييز بين سائر الكائنات. تتقاطع العوالم وتتجدد الأواصر بما يضفي معنى على العيش في ذات المحيط وييسر كل انسجام.
“فتحت الكناوية عينيها بعدما التقطت أدناها الصغيرتان والمثقلتان بدوائر نحاسية كبيرة، حواري مع سوسو، فتبسمت وغمزت برمشة سريعة من عينها اليمنى لسوسو، ولا أعرف لماذا غمزتني سحابة صمت حيما غفلت الغمز لي. ”
الفصل السابع : زلة الليـل عسل الغرام
“كنا في لحظة استرخاء، نتحدث ونحن نحتسي الشاي ونلتقط أشكالا من الحلويات والفواكه الجافة، فانتبهنا إلى الصخب المستمر، وشعرت سوسو بالحرج من متيم أخرق لا يقدر الأعراف. سارت متوترة نحو الباب الكبير، فقمنا نحن الثلاثة خلفها، ولما أبصرها الكرطيط استبشر، وأطلق صرخة عاطفية ذات لحن متلون ين التفخيم والترقيق، ثم التفت نحو رفاقه وصرخ فيهم بعنف أن يبتعدوا ويكفوا عن مهرجانهم الهمجي”
= لقد فضحتني يا كرطيط، أنا معاك بالله والشرع !!
= انظري يا سوسو إلى السماء تتلألأ بالنجوم لتباركنا.. من قال إن الليل بلا عيون. أنظري إليها لتبصري برجك يدخل دائرة برجي. لا مفر من التلاقي. عقبت سوسو بتهكم:
= متى أصبحت فقيها وقارئ فنجان، وانت بلا ديل !!!
هي عوالم يستصغر التداول حولها، في حين أن لا حدود لوقائعها وزمن وقوعها، فلكل كائن أسلوب تفاعل مكوناته ولغة تواصله، تتباين مسارات الحياة وتتعدد مظاهر التفاعل وواقعية الفعل فيها، بما يبرز حقيقة الاختلاف.
الفصل الثامن: في الليل لا ينام النهار الخروج من المرآة
“في الليل … لا ينام النهار لأنه يكون مختبأ يزمم كيف سيرتب أحداث اليوم الموالي.
ما أحر الشوق والليل قد انتصف وتمايل تحت ضوء كامل لقمر بدا قريبا جدا كأنه معلق بسلاسل من الذهب الأبيض، تشدها ملائكة السماوات، أما النجوم، فهي أشبه بجيش أعزل يسبح في دروب الحياة وما بعدها، عالق في السماء ونحن عالقون في الأرض”.
قالت سوسو:
” هل هناك فعلا، ملاك في السماء يطوف، كل ليلة، عابرا السماوات ليحسب النجوم ويزمم عددها في كنأش كبير؟ ”
استقراء لمحيط يتسع لأكثر من فضاء وكائن، تقابل في المسارات وتباين في التفاعل وتدبير اللحظات. هي معالم حياة بكل سمات العيش المشترك في واقع تنجلي فيه كل سمات الاختلاف في السلوك وطبيعة الحاجيات. تواصل نوعي يحفظ المسافة ويحقق الانسجام.
” هم الحمار، وقد شم رائحة الشعير طريا، فقضم قضمته الأولى… فلم يفتح فمهن وانتبه عيسى إلى الكمامة التي تمنعه، وهو يحاول تحريك جحفلته السفلى والعليا، فأزالها عنه وهو يقول… لا حول ولا قوة إلا بالله. آنذاك، عدل الحمار عن القضم، وقرر أن يضحك وهو ينهق متكررا في جوف الليل الصامت، فارتعبت المجاحيم التي كانت تتجسس بوضع آذانها علة الأرض وقفزت، وأخفت سوسو رأسها بين قائمتيها الأماميتين، أما القنفد فصاح: – وااااو…. حتى الحمير تقرر الاشتراك في إفساد ليلتي !!! ”
الفصل التاسع : مجامر الليل لا تنام
لا يسلم العيش المختلط من لحظات توتر وانفعال، فيتم تبادل المؤاخذات والتراشق بالكلمات والمعاني الهادفة للمس بالكرامة والتحقير. ففي لحظة سمر وابتهاج أعدت كل تفاصيلها بفعل مشترك وانشراح لافت، يحتدم التراشق بالإشارات والنباح.
“غمغم حمار العطار الذي يجيد إفساد المشاهد الطبيعية، وهم بالنهيق فأسرعت سوسو أمام وجهه ونبحت بعنف، فصمت وهو لا مبال، لكنه أطلق في نهاية حركته صوتا وهو يحرك رأسه يمنة ويسرى وكذا جحفلته السفلى: بخخخخخخ….”
يمتد التنابز وتنجلي الفوارق في الحفاظ على الروابط، وتجاوز كل مظاهر التباين والاختلاف، فيعود كل فصيل لتحصين هويته وحماية نوعه. اهتم كل فصيل بتقوية روابطه وتعميق علاقاته، في سعي لإعادة انتاج النوع وتقوية حضوره.
الفصل العاشر: في الفجر…تهبط الكناوية إلى السماء
تستعيد الأجواء مجرى تداول لحظاتها، كل في محيطه يدبر شؤون مساعيه، يتأمل مآل سويعات كده ورحابة سويعات انشراحه أو ارتدادات كربه. لا شيء يغني عن غفوة تعيد للنفس صفاء مدار هدوءها وايقاع تأمل تدبير شؤونها.
” مدد الهدهد جناحيه مرتين وعيناه مغمضتان، حاسته تنبهه في الفجر القريب على بعد ساعتين، وهو بأعلى شجرة الدردار الضخمة بالوادي، وحيدا يمضغ وحدته المرة لما لم يجد زوجة تشاركه الحياة وتبيض له في العش.”
منتهى الصفاء أن يستعاد صخب الحياة كما تجلت واستطابها الكائن في وحدته أو وسط محراب عشيرته ودويه، لتمتد به الأيام في تداول سويعاتها دافقة يلفها سكون وراحة بال. ليل هادئ يزحف في انتظام ومزاج رائق يسيخ السمع لنبض الأيام.
“ارتخى الظلام وتدلى وقد خالطه نور باهت، عدنا إلى أماكننا قاعدين في نصف دائرة مفترشين الحنابل والحصائر، بالقرب مني تجلس الكناوية والشيخ البرغوت الذي بدا وكأنه الزمان يحفر خطوطه على وجهه العريض وهو لم يتجاوز الخمسين من عمره.”
يشهد المؤلف الستاذ بوشعيب حليفي، أن وقائع الرواية حقيقية، وأنه نقل فقط فصولها ووقائعها بكل صدق وأمانة، جاور شخصياتها وشاركهم لحظات انشراحهم، وحين أطلعهم على مجريات تفاصيل حياتهم، أذهلهم التطابق بين حال معيشهم وما جاء في سرد الفصول. وهو ما يعكس مستوى التفاعل المجتمعي بين مختلف المكونات، حيث يحس الجميع بالألفة والتساكن وفق خصوصيات النوع ومستوى التفاعل مع المحيط المشترك. وهو إقرار يؤكد كذلك حقيقة تفاعل الكاتب الدائم مع محيطه، والانطلاق في جل اعماله من واقع علاقاته المجتمعية، ورؤيته لخصوصيات مجال النص وابعاد تأثير مختلف مكوناته.
في التداول العام لتعبير خط الزناتي هو إحالة على الغيب، أو ما يعني التخمين والتاويل لما وقع دون الزامية المعاينة أو الحرص على التأكد من حقيقة الوقائع والأحداث، بل تأويل لما قد يقع انطلاقا من معطايات الواقع ودور الفاعلين فيه.
خط الزناتي الرواية ابداع متعدد الاحالات يقود إلى اعتماد المخيال في استعادة كل لحظات مسار الوقائع، فهي تقود القارئ إلى استحضار صلاته بمحيطه ومعرفتة بكل معطاياته، حيث يسهل التفاعل مع كل المكونات وإبراز نوع العلاقات وحدود التأثر والتأثير لتحقيق دورة الحياة. هي إضافة نوعية في المسيرة الأدبية للأستاذ بوشعيب حليفي، الأديب المعطاء والباحث المجتهدمع كل التحية والتقدير.
