هذا عيد المسرح.. فأين عيد المسرحيين؟

هذا عيد المسرح.. فأين عيد المسرحيين؟

د. عبد الكريم برشيد

فاتحة الكلام

         هناك أحداث كثيرة، في حياتنا اليومية، قد نظن أننا نحن من أحدثها، مع أنها قد تكون هي التي أحدثت نفسها بنفسها. وقد تخدعنا حواسنا، أمام كثير من الحالات والمشاهدات، ونحن لا ندري، أو لا نريد أن ندري، وقد يخيل لنا بأن بعض ما نراه وبعض ما نسمعه هو الحدث، مع أنه، في حقيقته، هو اللاحدث، وأن الأمر يتعلق فقط بأوهام وبخبالات، وما أكثر حضور السراب في عين الظمآن في الصحاري الخالية من الماء ومن كل عناصر الحياة.

ونتساءل اليوم، بمناسبة اليوم العالمي للمسرح: أين الحدث في مسرح لا فعل فيه، ولا فاعلية فيه، ولا تفاعل فيه، ولا وجود لمشروع فيه، ولا طموح فيه، ولا عشق فيه، ولا عبقرية فيه، ولا جنون فيه؟ أين هو الفاعل المسرحي المفكر والمنظر والمسافر والمخاطر؟ وأين هو الفعل المسرحي، الجاد والجديد والمتجدد، والذي يمكن أن يعكس رؤيتنا الجدية للعالم؟ وهل فعلُ ما تم فعله من قبل، وكتابةُ ما تمت كتابته لدى الآخرين، في الثقافات الأخرى وفي اللغات الأخرى وفي السياقات الفكرية والجمالية الأخرى، وفي السياسات المسرحية الأخرى، يمكن أن يكون نافعاً ومجدياً لنا، في لحظات نحن ـ الآن ـ هنا، وأن يكون له معنى؟

إن أصعب شيء في عملية الإبداع هو أن توجد اللاموجود، وهو أن تحضر الغائب، وأن تحيي الأجساد الميتة، وأن تنطق الساكت، وأن تحرك الأشياء الميتة والجامدة، وأن تقرب البعيد، وأن تجعل الممكن كائناً، والمستحيل ممكناً أيضاً. وفي المقابل، فإنه لا شيء أسهل من أن تقتل الميت، وهو أصلاً ميت، وأن تدمر المدمر، وأن تخرب المخرب، وأن تفكك المفكك، وأن تلغي وجود ما ليس له أي وجود، وأن تعتقد بأنك بهذا النفي قد حققت فعل التجريب، وأنك بهذا قد أتيت بالمعجزات الاحتفالية النضالية وللمكاشفة الفنية.

وفي غمرة الاحتفاء باليوم العالمي للمسرح، جاءتني دعوة كريمة من (تنسيقية المسرحيين البيضاويين وجمعية فضاء القرية للإبداع) تدعوني (لحضور لقاء استثنائي يمزج بين الاحتفالية النضالية والمكاشفة الفنية). وقد قالت الدعوة: (نلتقي لنؤكد أن المسرح هو نبض مدينتنا الذي لا ينقطع، ولندشن معاً فصلاً جديداً من المقاومة بالفن بتمويل ذاتي وإرادة لا تلين).

والكلمات التي استوقفتني هي كلمة (معاً) والتي تعني المشاركة والاقتسام، ولا تفيد سياسة الأبعاد والإقصاء، وكلمة “المقاومة بالفن الجميل”، وليس بأي شيء آخر، وكلمة “التمويل الذاتي”، مما يعني أننا أمام تظاهرة ثقافية شعبية، بعيداً عن الملفات الإدارية وعن الحسابات الطائفية.

وفي كتاب (كتابات على هامش البيانات) فصل بعنوان (الاحتفالية والأحذية الصينية)، وفيه يقول الكاتب الاحتفالي، الباحث عن مسرحه وعن مسرح لحظته التاريخية ما يلي: (رحلة البحث قادتني، وقادت معي رفاق الطريق إلى أن أقف على الأبواب الموصدة، وأن أطرقها بعنف، وأن أتساءل أمامها وعنها، قادتني مثل كل العشاق المتيمين إلى قارئة الفنجان، ولما سألتها عن الاحتفالية قالت: ــ حبيبتك يا ولدي ليس لها عنوان).

يا الله.. كيف السبيل إلى معرفة ما لم يُعرف بعد، وإلى إدراك ما لم يدركه أي أحد؟ بودي لو أقف عند الحد الفاصل بين الممكن والمحال، وبين فضاء الزمن واللازمن، وبين مملكة المكان واللامكان. إنني أبحث عن شيء يظنه كل الناس بعيداً، وقد لا يكون كذلك، قد يكون فينا ومن حولنا ونحن لا ندري، وقد لا تكون هذه الاحتفالية ـ كما نتخيلها ونتصورها ـ موجودة وكائنة، ولكن الشيء المؤكد هو أن الذين يحلمون بها موجودون، هنا وهناك وفي كل زمان ومكان، موجودون بعشقهم الكبير وهذا يكفي.

مغربة المسرح المغربي وتعريب المسرح العربي: ونحن في الاحتفالية ما بحثنا إلا عن العيد وعن الحق في العيد والتعييد، وقد تكون هذه الاحتفالية في مشروعها الفكري والجمالي مجرد حلم فقط، ونعرف أن الحلم، كيفما كان، لا يمكن أن ينفي وجود الحالم، ويبقى هذا الحالم الاحتفالي يحمل داخله مدينته الفاضلة التي يبحث عنها. (كيف السبيل إلى معرفة ما لم يُعرف بعد، وإلى إدراك ما لم يدركه أحد؟). ذلك هو السؤال الذي انطلقت منه الاحتفالية بحثاً عن نفسها، وبحثاً عن فكرها، وبحثاً عن لغاتها، وبحثاً عن بلاغتها المسرحية، وقبل كل هذا، بحثاً عن معنى وجودها في الوجود.

إن وجود الحلم، لا يلغي أبداً وجود الحالم، ولا يلغي حياته وحيويته، ولا يلغي عشقه الصادق للكائن الجميل، ولا للآتي الأجمل، وقد لا تتحقق كثير من أحلامه، والتي قد تكون أكبر من الواقع ومن الوقائع، والتي قد تكون أصدق من هذا اليومي، الكاذب والمزيف. وهذه الاحتفالية، في معناها الحقيقي هي عشق أولاً، عشق عاشقين يبحثون عن مسرح حقيقي في مدينة احتفالية حقيقية، في عصر احتفالي جديد. وهل فعل العشق ممنوع؟ وهل فعل الحلم ممنوع؟ وهل فعل البناء والتأسيس ممنوع؟ وهل فعل البحث عن الحق والحقيقة وعن الجمال ممنوع؟

لقد قلنا، وكتبنا، نحن عشاق المسرح في الحياة وعشاق الحياة في المسرح، وعلى امتداد عقود طويلة جداً، بأن ما يحتاجه المسرح المغربي هو (مغربة المسرح المغربي) وأن ما يحتاجه المسرح العربي هو (تعريب المسرح العربي) وأن ما يحتاجه أي مسرح، في أي زمان وفي أي مكان، هو فعل التأسيس أولاً، وهو فعل إعادة التأسيس في كل مراحل وجوده ثانياً، حتى يبقى جديداً ومجدداً ومتجدداً على الدوام، وهذا عكس ما يحدث اليوم في المسرح المغربي والعربي، الكل يتسابق من أجل المسرح المدرسي الجاهز، ويسعى إلى إعادة تخريب هذا المسرح، وذلك بدعوى التجريب وإعادة التجريب.

ونعرف أن المسرح، مثله مثل الماء، يحتاج للحركة من أجل أن يظل حياً، ومن أجل أن يظل صافياً ونقياً، ومن أجل أن يكون نافعاً ومجدياً، في حياة الأفراد وفي حياة الجماعات والمجتمعات، وعليه، فقد أمكننا أن نقول، بأن وجود البرك المسرحية الراكدة لا يقل خطورة عن البرك المائية الراكدة. ومن المؤكد أنه لا جديد في المدرسية الجامدة، ولا جديد في النمطية، ولا جديد في التقليد، ولا جديد في استنساخ القديم، ولا جديد في الببغائية، ولا جديد في الاقتباس، ولا جديد في الاختلاس، ولا جديد في الاجترار والتكرار، ولا جديد في الادعاءات وفي الشعارات الكاذبة، ولا وجود لجديد يمكن أن يتم في الدائرة المفرغة، بحيث إن ما يمكن أن نبتعد عنه، هو نفسه الذي نقترب منه ونحن لا ندري، وأن ما سوف نتركه خلفنا هو نفسه الذي سنلقاه أمامنا.

ولعل هذا هو ما يجعلنا نتساءل باستمرار وأن نقول ما يلي: – ما معنى وجود مسرح لا يغير، لا يتغير، ولا يناصر التغيير، ولا يبشر بأي نوع من أنواع التغيير؟ ــ وما معنى وجود مسرحيين بلا مشاريع مسرحية، وبلا أحلام مسرحية، وبلا جنون مسرحي، وبلا فكر مسرحي، وبلا آفاق مسرحية واضحة؟ ــ وما معنى وجود مسرح بدون نقد مسرحي وبدون مواكبة نقدية؟ ــ وما معنى وجود مسرح بلا إعلام ثقافي، يعرف المسرح، ويهتم بالمسرح، يواكب الحركة المسرحية، ويصون الذاكرة المسرحية؟

هي مسرحيات جديدة فعلاً، ولكنها تفتقر إلى شجرة المسرح الجديد، والذي هو المنبع وهو المصدر وهو المرجع، والذي يمكن أن تكون له جذور في الأرض وأغصان في السماء. الأمر إذن يتعلق بمسرحيات تعيش لحظتها الآنية فقط، في انقطاع تام عن شروطها وعن جمهورها وعن تاريخها وعن تراثها وعن نقدها، وولهذا نجد أنفسنا اليوم أمام عروض مسرحية، تولد اليوم لتموت غداً، وتبدأ اليوم لتنتهي اليوم، هي عروض تحضر فيها الكثرة، ويغيب فيها وعنها النوع والتنوع. هي مسرحيات تبحث عن التقنيات الجديدة، هذا من حقها، بل من واجبها، ولكن عليها أن لا تنسى أن تبحث عن المضامين الفكرية الجديدة أولاً، وأن تبحث لهذه المضامين الجديدة عن لغات مسرحية جديدة وعن أبجديات جديدة وعن تقنيات جديدة.

ونهي هذا النفس الجديد من هذه الكتابة الجديدة، بنفس السؤال الذي جاء في العنوان، والذي هو: “هذا عيد المسرح.. فأين عيد المسرحيين؟”، مما يعني أنه لا مجال لتطوير حياة المسرح من غير إحداث أي تطور في حياة المسرحيين.

شارك هذا الموضوع

د. عبد الكريم برشيد

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!