المنية تنقل عبيرها إلى كل مدن المغرب
مراكش-المعطي قبال
بحلول فصل الربيع، تنظم جمعية المنية بمراكش تظاهرة «الزهرية»، وهو موسم احتفالي وطقس يحتضنه أكثر من مكان، حيث يُمارس فيه طقس تقطير الزهر، وهو طقس عريق تسهر عليه النساء بخصوصية تامة. يترجم هذا الموسم إرادة منشطه الرئيسي جعفر الكنسوسي، الذي يحرص على استمراريته ودوامه بعناية فائقة، كما يناضل —مثلما ناضل إلى جانب فاعلين ثقافيين وجمعويين آخرين— إلى أن اعترفت اليونسكو بساحة جامع الفنا تراثاً لا مادياً.
هناك “براديغم” (نموذج) يحكم ديناميّة جمعية المُنية، وهو النموذج الروحي الذي يُشعّ على كلّ الأنشطة التي تنظمها أو تنخرط فيها الجمعية؛ شعرًا، أو موسيقى، أو عمارة، أو فنّ عيش… إلخ. إنّ موسم تقطير زهر النارنج، الذي أتمّ عامه الرابع عشر، يقدّم لنا دليلًا ملموسًا على ذلك. يقوم هذا الموسم على مبدأ الصِّلة واللُّحمة: إعادة الوصل بتقليدٍ قديم يحتفي بقدوم الربيع، والنساء هنّ سيّدات هذا العمل وصاحبات الإنجاز. وفي المحصّلة، فإنّ غاية جمعية المُنية هي أن تستردّ مرّاكش روحها الصوفية القديمة؛ فروح الأولياء والفلاسفة والصوفية تكمن في قلب المدينة، بل تطوف من حولها. لا أدري إن كانت هذه الروح تُطلق عبيرًا شجيًّا أم رائحةً لاذعةً من الغضب، وعلى أيّ حال، فإنّ المُنية تغذي الأمل في أن تُطلق مرّاكش عطورها الجميلة القديمة. وبهذا المعنى يحيل اسمها إلى الأمل والرجاء، لا إلى الموت (المَنيّة)؛ فالمنية هي الأمالي والأماني. هناك مدنٌ تفوح منها روائح جميلة، وأخرى يشبع هواؤها بروائح رديئة، فالقاهرة مثلاً تفوح منها رائحة الموت. ونميل إلى نسيان أنّ الإيكولوجيا مسألة روائح وعطور، والجمعية تناضل لتحقيق هذه الغاية.
ومن جهة أخرى، سيكون من المثير عقد مقارنة بين الروائح والتصوّف، وقد كُتبت في ذلك كتب مؤسسة، منها كتاب: «الفوائح المسكية في الفواتح المكية» لعبد الرحمان بن محمد بن علي البسطامي، ثم هناك كتاب «فوائح الجمال وفواتح الجلال» لنجم الدين الكبرى. لا ننسى أنّ التصوّف نَفَسٌ وعِطرٌ ورائحة، وقد أشار القرآن بدوره إلى ذلك في قوله تعالى: «خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ»، كما ورد في قوله تعالى: «وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا»، وورد ذكر الكافور والريحان… إلخ.
وبالتوازي، ظهرت كتابات ودواوين شعرية ارتبط فيها العطر بالحبّ ارتباطًا وثيقًا. ومن بين الرسائل والنصوص الشعرية يمكن أن نذكر:
- السَّريّ الرفّاء (ت. نحو 362هـ/972م): له كتاب شهير بعنوان «كتاب المُحبّ والمحبوب والمشموم والمشروب»، وهو أنطولوجيا شعرية تجمع أشعار الحب، وأبياتًا في الزهور والنباتات العطرية، وشعرًا خمريًّا.
- الوَشّاء (صاحب «كتاب الموشّى»): خصّص فصلًا لآداب الظَّرف (سُنن الظَّرف) فصّل فيه العطور التي ينبغي للرجال الظرفاء وللنساء أن يستعملوها أو يتجنّبوها (المسك، العنبر، العود، الكافور، الزعفران… إلخ). إلى عهد قريب كانت حداثة الطيب من صنع عطر كيماوي رخيص باسم “ريف دور” (Rêve d’Or) “الحلم الذهبي“.
- كتاب لمؤلّف مجهول بعنوان «كتاب المشموم»: (يُذكر غالبًا إلى جانب الرفّاء)، وهو رسالة مكرّسة كلّها للروائح، وفيها مثلًا فقرة كاملة عن «الغالية» (خليط أسود من المسك والعنبر والعطريات).
- ابن ماسويه (ت. 243هـ/857م، طبيب البلاط العباسي): حدّد «المواد الخمس الأساس» في فنّ العِطارة: المسك، والعنبر، وعود الآلوس، والكافور، والزعفران.
ويجدر التذكير بأنّ الأبخرة الناجمة عن النباتات الطبية استُعملت ضدّ آفات اجتاحت الغرب؛ مثال ذلك “أبقراط” الذي حدّ من انتشار الطاعون في أثينا بالتبخيرات العطرية بعد أن فشلت كلّ المحاولات. وفي القرن التاسع عشر، في لندن كما في باريس، خلال أوبئة الكوليرا، أظهر عمّال العطور مناعة شبه مطلقة. أمّا التقليد الذي احتُفظ به وطُوِّر في مرّاكش فهو تقطير الورد، أو بالأحرى تقطير براعم أوراق أشجار الليمون (النارنج)؛ حيث تُقطف الأزهار لاستخلاص جوهرها.
وتبيّن هذه النصوص أنّ حاسّة الشمّ والزهور (الورد، البنفسج، الياسمين… إلخ) والمواد العطرية كانت تحتلّ مكانة مركزية في الأدب والعلم العربيين في العصور الوسطى. ونرى، من خلال كلّ ما تُرك لنا من كتابات، أنّ القدماء لم يسعوا إلّا إلى الحصول على المياه المقطّرة، وهو أمر يختلف جدًّا عن المسألة التي نطرحها اليوم والمتمثّلة في صنع الزيوت الأساسية. وبحسب أبحاث الدكتور لانغليس، يبدو أنّ الوردة هي أوّل من أعطى «جسمًا عطريًّا» أقوى من الماء المقطّر، أي “الجوهر“.
وتشير المصطلحات إلى تقاطع المعاني: عطر، عطور. الكلمة التي تُلفظ «عِطْر/عَثَر/عِثْر» ويستعملها العرب والترك والفرس للدلالة على روح الورد من غير إضافة اسم الزهرة، هي عربية وتعني الطِّيب والعطر عمومًا، وهي مشتقّة من الجذر «عَطِرَ»: تعطّر (طاب ريحه، وهو ما يُقال في المرأة)، وهذا الجذر نفسه متفرّع من «قَطَرَ»: سقط قطرةً قطرة. وقد استُعملت الكلمة للدلالة على فعل التعطّر والعطور أنفسها لأنّها، عند إحراقها أو تقطيرها، تسيل في العادة قطرةً قطرة كسائل دهنيّ.
ولا ننسى أن نلاحظ أنّ كلمة «وَرد» تدلّ على أنواع الزهور عمومًا وعلى الورد بوجه أخص. وينبغي الحذر من الخلط بين «الإيثر» وماء الورد؛ فماء الورد هو التحضير الأوّلي والضروري للحصول على الجوهر؛ إذ بعد تقطير قدرٍ معيّن من الورد، يُترك هذا الماء معرّضًا لبرودة الليل، وفي الصباح يُعثر على مقدارٍ ضئيلٍ جدًّا من «العِطْر» متجمّدًا على سطح ماء الورد.
وأقول إنّ تقطير ماء الورد، كما تمارسه المُنية، يندرج في هذا النَّسَب الطويل الآتي من مصادر وأصقاع شتّى، وهو يشترك مع تاريخ تقطير الورد في نقاط كثيرة. لكن، على حدّ علمي، تبقى المُنية الجمعية الوحيدة من نوعها التي تُحيي هذا التقليد في المغرب، أمّا مهرجان الورود في قلعة مكونة فهو أمر آخر. ولا بدّ من العودة إلى القرن العاشر للعثور على أولى عمليات تقطير الورد؛ فابن سينا هو أوّل من أتقن تقطير الورد، وهي خطوة مفصلية في صناعة العطور، وهناك إشارة إلى تقنية تقطير الورد في كتابه «القانون في الطب».
المنية والمجتمع المدني تنتمي المُنية إلى كوكبة الجمعيات المغربية النموذجية الأكثر نشاطًا، فهي مكوّن أساسي من مكوّنات المجتمع المدني. ويوجد في المغرب، بحسب إحصاء يعود إلى سنة 2024 صادر عن المجلس الوطني حقوق الإنسان (CNDH)، نحو 8,000 جمعية أُنشئت في تلك السنة.
المجالات الرئيسية للتدخّل: تشير السلطات (الأمانة العامة للحكومة) إلى أنّ الأنشطة المموّلة سنة 2024 تركّزت خصوصًا على:
- البنيات التحتية في الوسط القروي، والحماية الاجتماعية والصحية، وحقوق الطفل وحقوق المرأة.
- الثقافة والتطوّع، والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، وصون التراث وحماية البيئة.
- نصف المنظمات تعمل في المجال الاجتماعي، والنصف الآخر يتوزّع بين التعليم والثقافة والطفولة والشباب والصحة والرياضة والبحث العلمي والدراسات.
وعلى الشبكات الاجتماعية نرى هذه القطاعات في الفعل: مساعدات اجتماعية للفئات الهشّة (جمعية «باقي الخير»)، حماية الحيوان (ملجأ «مكتوب»)، قوافل طبية وأعمال تضامن («يلّا نتعاونو»)… إلخ، ما يعكس تنوّع المجالات المذكورة أعلاه. أمّا المنظمات غير الحكومية المغربية الناشطة في مجال التراث فتتدخّل في المادّي (المواقع، المدن العتيقة، الصناعة التقليدية) واللامادّي (الموسيقى، المهارات). وهي تجمع بين توعية الجمهور، والترافع القانوني، والترميم، والنقل إلى الشباب. أمثلة ملموسة:
جمعيات وطنية متخصّصة: * جمعية حماية وتثمين التراث المغربي (A3PM): أُنشئت سنة 2022، مهمّتها حماية وتثمين التراث الثقافي المادّي واللامادّي، ومكافحة السطو/الاستيلاء (قضية الزليج مثلًا) وتكوين الشباب. أطلقت سنة 2023 دورة أنشطة منها ندوة بالرباط حول «المواطنة والتراث الثقافي المغربي».
- «مرّاكش باتريمونيوم» (تأسّست 2004، مقرّها مرّاكش): أنشطة توعية وصون وتثمين لتراث المدينة (محاضرات، معارض، برامج تربوية).
- «تُراث» (مرّاكش): أُسّست بمبادرة المعماري ة سعاد بلقزيز، والفنانة فاتن صفيّ الدين، ومدير التصوير باتريك ماناك؛ وهي جمعية مكرّسة لتثمين تراث مرّاكش وجهتها.
- «Mon héritage marocain»: تعنى بمكافحة الاستيلاء الثقافي وتشجيع الحرفيين المحليين.
- «المغربية للثقافات التراثية» (الدار البيضاء): تهدف إلى إحياء أنماط الموسيقى الروحية المغربية وصون التراث الموسيقي وتنظيم سهرات ومهرجانات.
منظمات غير حكومية معتمدة لدى اليونسكو (التراث اللامادّي): * جمعية المُنية بمرّاكش لإحياء وصون تراث المملكة.
- جمعية البحث في التاريخ وتراث جهة الشرق المغربي (ARHPOM)، مقرّها وجدة.
أنماط التدخّل الملاحظة: * الترافع القانوني: التنبيه ضد السطو (مثال A3PM حول الزليج)، والتعاون مع المنظمة العالمية للملكية الفكرية.
- التربية والنقل: برامج مدرسية، ورشات حرفية، تكوين متدرّبين (لإنقاذ 32 حرفة مهدّدة).
- الترميم والتثمين: أوراش في المدن العتيقة (فاس، مرّاكش، تطوان)، معارض، مسارات اكتشاف.
- توعية الجمهور: ندوات، منشورات، مبادرات مجتمعية.
وتُكمّل هذه المنظمات العمل العمومي بترسيخ حماية التراث داخل المجتمع المدني، مع تركيز قوي على المشاركة المحلية والنقل بين الأجيال.
التراث: كنز للإنسانية لقد تطلّب الأمر 15 سنة من العمل البحثي والتبادل مع المختصّين والسلطات لكي يُعترف بهذا الكنز، ليس فقط من السلطات المحلية بل من اليونسكو. فقد اعتُمدت جمعية المُنية لدى اليونسكو لصون التراث الثقافي اللامادّي خلال الدورة العاشرة للجمعية العامة للدول الأطراف في اتفاقية 2003. وباتت المُنية ضمن 58 منظمة غير حكومية تضطلع بمهام استشارية لدى اللجنة الحكومية الدولية؛ وهذا القرار تتويج لعمل الجمعية المتواصل منذ قرابة عقدين.
المجتمع المدني: تحقّقت هذه الإنجازات بفضل دعم شبكة واسعة من الخبراء، والكتّاب، والمؤرّخين، والمعماريين، والأكاديميين، والحرفيين المغاربة، إضافة إلى خبراء دوليين. وتُصنَّف أنواع التراث إلى: المباني والمواقع (التراث العقاري)، والوثائق والأشياء (التراث المنقول)، والتراث اللامادّي (التقاليد والمهارات)، والمشاهد الثقافية، والشخصيات التاريخية المتوفّاة… والتراث الثقافي اللامادّي يدلّ على التقاليد الحيّة والمعارف التي تنقلها الجماعات جيلًا بعد جيل، فتمنحها هويتها واستمراريتها.
وقد استفاد التراث المادّي المغربي أكثر من سياسة الصون لدى اليونسكو؛ ومن معالمه: قصبة الأوداية بالرباط، موسم حبّ الملوك بصفرو، موسم طانطان، وساحة جامع الفنا بمرّاكش. وتطوان والصويرة مصنّفتان لدى اليونسكو، شأنهما شأن المدينة التاريخية مكناس، والمدينة البرتغالية الجديدة (الجديدة)، وموقع وليلي، وأخيرًا الرباط والقفطان المغربي.
ويمنح قانون 33.22 المتعلّق بحماية التراث، والذي يعوّض الإطار التشريعي السابق لسنة 1980، إطارًا موسّعًا للمغرب (مادّي + لامادّي + طبيعي/جيولوجي/مغمور)، مع سجلّ وطني وعقوبات رادعة، ومأسسة مشاركة الجمعيات التي تصبح “حراسًا” وشركاء في التدبير. ويُحدث القانون نظام «الكنوز البشرية الحيّة» لضمان نقل المهارات، ويفتح إمكانية التبليغ عن المخالفات للأشخاص المعنويين.
دور المجتمع المدني في القانون الجديد: 1. المشاركة في الحكامة: إشراك الجماعات المحلية في اتخاذ القرار. 2. اليقظة والتبليغ: حق الإخطار المعترف به للجمعيات. 3. شراكة متعدّدة الأطراف: تعاون بين المؤسسات الحكومية والخبراء والمجتمع المدني. 4. النقل والتثمين: الإسهام في الجرد وتوثيق التراث اللامادّي.
المشوار الذي قطعته جمعية المنية كان ولا يزال من ورائه جعفر الكنسوسي، الذي خاض قبل تأسيسه للجمعية في عدة مشاريع أهمها:
مشروع الكتبيين الكتبية مرآة المدينة وهويتها الساطعة؛ كانت تُعرف بمسجد الكتبيين لأنها نتاج للمعرفة ولما هو مقدس، وكان للكتاب في تلك المرحلة مكانة خاصة، حيث كانت محاطة ببائعي الكتب الذين فاق عددهم المائة بائع. من هنا طموح جعفر الكنسوسي لرد الاعتبار للكتاب وربط صلته الروحية بالكتبية؛ إنه تصور لمشروع هندسي وفكري بديع بإمكانه تحديث الثقافة ووضع الكتاب في صميمها النابض. ونعرف اليوم مآل فضاء الكتبيين الذي تحول إلى مكان لعصير الفواكه تنشطه موسيقى الراب وغيرها، وهذا دليل على هزيمة الكتاب وتفوق الثقافة الهجينة للخليوي والرقمي.
المشروع الثاني: بلّارج (اللقلاق الأبيض) المشروع الذي يمكن أن نسميه “ثروة الطير المقدس ونهاية الحدود”؛ واللقلاق الأبيض (Ciconia ciconia) —المعروف في المغرب باسم بلّارج— ليس مجرد طائر مهاجر، بل هو جزء من الذاكرة الجماعية:
- يُعد المغرب موطنًا لواحدة من أكبر جماعات التفريخ في العالم (10,000–15,000 زوج).
- تُرى أعشاشه الضخمة على المآذن، وأسوار القصور (قصر البديع)، وموقع شالة.
- يُعتبر طائرًا مباركًا؛ والاعتداء عليه من المحرمات المرتبطة بالحظ الطيب والحماية الروحية، وبعض الروايات تربطه بالحج إلى مكة.
- الحماية المجتمعية له أقوى من قوانين الصيد؛ فالسكان لا يسمحون بإزالة أعشاشه حتى عن المساجد.
باختصار، اللقلاق في المغرب عابرٌ للفصول ومقيمٌ في الذاكرة، وهو طائر يربط العمارة التاريخية بالحياة اليومية، ويحمل دلالات بركة متوارثة. وباعتقادي، على أوروبا أن تأخذ العبرة من “بلارج” العابر للحدود والقارات بلا تأشيرة ولا قيود.
إن لم يتسنّ لهذين المشروعين أن يريا النور، فإنّ المشروع الثالث —وهو مشروع تقطير الزهر «الزهرية»— قد وقف على ساقيه منذ أربعة عشر عامًا، وتتبناه اليوم الكثير من المؤسسات المحلية، والوطنية، والدولية.
