عودة إلى المستنقع السياسي.. الأحزاب في زمن التييرسي!

عودة إلى المستنقع السياسي.. الأحزاب في زمن التييرسي!

عبد الرحمان الغندور

       يفصلنا عن “الموسم الانتخابي” المرتقب مسافة زمنية كافية لنفض الغبار عن كذبة الأحزاب المغربية، أو ربما لنكتشف أن الغبار نفسه هو الحقيقة الوحيدة فيها. هذه الأحزاب، بكل ما تحمله من تسميات براقة وإيديولوجيات لا تؤمن بها حتى كوادرها، تستعد لدخول حلبة ملاكمة لا يهم فيها من يسدد اللكمات، أو من يتلقاها بابتسامة المطيع، بل المهم هو أن تنجح الدولة العميقة في تدبير المرحلة وبلوغ النتيجة المحسومة في مختبراتها أثناء وضع الخرائط الممكنة. أما المتبارون فهم ليسوا في سباق لاستمالة المواطن، بل في مسابقة مسرح العرائس للفوز بجائزة من هو “أكثر الدمى انضباطاً”.

من يتأمل المشهد مع العمليات التسخينية التي تقوم بها الأحزاب هذه الأيام بكل أطيافها، يخرج بقناعة وحيدة وهي الانعدام الكلي للنخب والبدائل وما يسمى بالتنظيمات التي تحولت إلى عربات مجرورة، تبيع بضاعة بالية وفاسدة، وتسعى الى تحويل عرباتها وبضاعتها الى رواق داخل “موروكو مول ” السياسي. بينما تضيع بوصلتها في دهاليز “المركز” الذي يدير العملية التجارية/الانتخابية. فتتحول هذه الأحزاب إلى صدى باهت لهذا المركز، وإلى جوقة تردد الإجماع المصطنع بصوت خافت كي لا تزعج المربع الذهبي للحاكمين.

تعيش الأحزاب المغربية فراغا وضياعا وتيهاً وجودياً بحيث لا تتحرك إلا بالتوجيهات والتعليمات، ولا تتنفس إلا بضوء أخضر صادر عن مركز القرار، والـ”مركز” هو من يقرر أي منافس تقني سيدخل مضمار السباق، ويصعد حلبة الملاكمة المسيجة بحبال الأمن والحذر. والتي تديرها وزارة الداخلية باعتبارها الأداة الحقيقية الوحيدة، التي تدير التوازنات وتضبط الإيقاعات، أما الانتخابات فمجرد سباق محموم لكائنات تجري بأمر السلطة، نحو كنف السلطة ومخالبها.

الأزمة ليست فكرية ولا تنظيمية ولا قيادية فحسب، بل هي أعمق من ذلك: إنها انفصام كلي للسياسة عن الواقع الشعبي. فالمواطن يغرق في وحل اليأس وفقدان الثقة، والأحزاب تواصل اجترار خطابات خشبية وبرامج مستنسخة من العصر الحجري السياسي. والعلاقة بين الناخب والمنتخب تحولت إلى سوق علني: صوت مقابل دراهم معدودة، أو منصب مقابل سكوت. السياسة مزادات علنية يدفع فيها الفاسد أكثر، في مشهد لم يعد يقتصر على الاقتصاد، بل امتد ليُلوث الثقافة والمجتمع. وأصبحت الأحزاب آلات مثالية لإعادة تدوير النخب الفاسدة المهترئة، مستسلمة لواقع “الممكن” التقني ناسية النضال من أجل “المطلوب”. كلهم يهرولون جميعاً نحو سراب التغيير، وهم أنفسهم لا يرون الطريق. يزيّنون وجه الهزيمة بمساحيق الاستحقاقات الانتخابية، بينما النتائج ترقد على الرفوف، مع خرائط الطريق قبل الانتخابات، وقبل أن يلمس أول صوت قعر صندوق الاقتراع. العبث السياسي بلغ ذروته، والسؤال المزعج: هل لا يزال هناك مغربي واحد يعتقد أن أي شيء سيتغير؟

شارك هذا الموضوع

عبد الرحمان الغندور

كاتب وناشط سياسي مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!