بين الاغتيال الحقيقي و”فخ” الحرب.. هل يمهد ترامب لـ “محو” إيران من الخريطة؟
مسعود بنعاشور
عاد شبح الاغتيالات السياسية ليخيم على الأجواء الأمريكية مجددا، فبعد نجاة الرئيس دونالد ترامب من محاولة اعتداء جديدة في العاصمة واشنطن بالأمس (خلال عشاء المراسلين)، عادت إلى الواجهة تساؤلات قديمة – جديدة حول طبيعة هذه المحاولات: هل هي اختراقات أمنية حقيقية، أم “مسرحيات” سياسية مُحكمة لإيجاد المبرر الأخلاقي والقانوني لضربة عسكرية كبرى ضد إيران؟
يرتكز التشكيك في طبيعة هذه الحوادث على تصريح شهير وخطير لترامب (أدلى به في أواخر 2024 وكرره مطلع 2026)، حيث هدد صراحة بأن:
“إذا حاولت إيران اغتيالي، فإن الولايات المتحدة ستمحوها من على وجه الأرض وتنسفها عن الخريطة.”
هذا الربط المباشر بين محاولة الاغتيال والإبادة العسكرية جعل الكثير من المراقبين الدوليين يراقبون بحذر أي حادث أمني يتعرض له الرئيس. ففي ظل حالة الحرب الباردة (التي تحولت لمناوشات ساخنة في مضيق هرمز مطلع هذا العام)، يبدو أن ترامب بحاجة إلى “شرارة” قوية لشرعنة عمل عسكري واسع يتجاوز العقوبات الاقتصادية.
رغم التشكيك تشير التقارير الرسمية إلى وقائع يصعب تزييفها بالكامل:
محاولة “باتلر” (يوليو 2024): أثبتت التحقيقات مقتل مواطن أمريكي وإصابة ترامب فعلياً في أذنه. ورغم قصور الأمن، إلا أن الدماء كانت حقيقية.
مخطط “آصف ميرشانت”: في فبراير 2026، كشفت المحاكم الأمريكية عن فيديوهات سرية لعملاء مرتبطين بإيران يخططون لاستهداف ترامب، مما يعزز الرواية الرسمية بأن التهديد الإيراني “قائم” وليس خيالياً.
حادثة “عشاء واشنطن” (أمس): اعتقال شاب يدعى “كول توماس ألين” وبحوزته أسلحة نارية، مما رفع حالة الاستنفار الأمني إلى مستويات غير مسبوقة.
لماذا يشكك البعض في “المسرحية”؟
تنبع نظرية “المسرحية” من عدة اعتبارات سياسية:
توقيت التوتر: تقع هذه المحاولات دائماً في ذروة الأزمات الاقتصادية الإيرانية أو قبيل تحركات عسكرية أمريكية مقررة في المنطقة.
الاستثمار السياسي: يبرع ترامب في تحويل الهجمات ضده إلى “رأس مال انتخابي” وسياسي، مصوراً نفسه كضحية لـ “محور الشر” في الخارج و”الدولة العميقة” في الداخل.
سقف المطالب: رفع ترامب سقف المطالب في مفاوضات “إسلام أباد” الأخيرة، مطالباً بتفكيك كامل للمنظومة الصاروخية والأذرع الإيرانية، وهو ما يحتاج لضغط عسكري هائل لا يوفره إلا “سبب وجودي” كالاغتيال.
هل تقترب ساعة الصفر؟
سواء كانت المحاولات حقيقية ناتجة عن ثأر إيراني لمقتل قاسم سليماني، أو كانت ثغرات أمنية يتم تضخيمها، فإن النتيجة واحدة: ترامب وضع “رأس إيران” في مقابل “رأسه“.
ومع وصول حاملات الطائرات الأمريكية إلى بحر العرب هذا الأسبوع، يبقى السؤال: هل سيكتفي ترامب بالنجاة، أم سيستخدم “رصاصة لم تصبه” ليفجر قنبلة ستغير خارطة الشرق الأوسط إلى الأبد؟
طهران ترد: “فبركة استخباراتية” لشرعنة الحرب
في خضم هذا التوتر المتصاعد، لم تلتزم طهران الصمت إزاء هذه الاتهامات، بل جاء ردها مزيجاً من الإنكار القاطع والتحذير من “فخاخ” استخباراتية قد تقود المنطقة إلى نقطة اللاعودة.
من جانبها، سارعت وزارة الخارجية الإيرانية عبر متحدثها الرسمي إلى وصف هذه التقارير بأنها “سلسلة من الفبركات الهوليودية“، معتبرة أن محاولات ربط إيران بأي نشاط أمني داخل الأراضي الأمريكية هي “ادعاءات فارغة تفتقر لأدنى الأدلة المادية“.
ويمكن تلخيص الموقف الإيراني الأخير في ثلاث نقاط محورية:
1- نظرية “الذريعة المصطنعة“: يرى المسؤولون في طهران أن إدارة ترامب تبحث عن “بيرل هاربر” جديدة (ذريعة هجوم مفاجئ) لتبرير عدوان عسكري مباشر. وصرحت بعثة إيران لدى الأمم المتحدة بأن “تكرار هذه المسرحيات يهدف إلى صرف الأنظار عن الفشل الذريع لسياسة الضغوط القصوى التي لم تحقق أهدافها السياسية حتى الآن“.
2- الرد العسكري “خارج الحدود“: في خطاب ألقاه قائد الحرس الثوري الإيراني رداً على تهديدات ترامب بـ”محو إيران من الخريطة”، أكد أن طهران لا تحتاج لأساليب “الاغتيالات الفردية” لترد على خصومها، محذراً من أن أي مغامرة عسكرية أمريكية تحت ذريعة “الاغتيال المزعوم” ستقابل بردٍّ يطال كافة القواعد الأمريكية في المنطقة، واصفاً تهديدات ترامب بأنها “نباح سياسي” غرضه الاستهلاك الانتخابي.
3- اللعب على وتر “الدولة العميقة“: بدأت الماكينة الإعلامية الإيرانية في الترويج لرواية مضادة، مفادها أن المحاولات التي يتعرض لها ترامب هي “تصفية حسابات داخلية” بين أقطاب السلطة في واشنطن، وأن إقحام اسم إيران هو محاولة لتوحيد الشارع الأمريكي خلف الرئيس “الضحية” في مواجهة عدو خارجي وهمي.
هذا التصعيد الكلامي ألقى بظلاله الثقيلة على أروقة “إسلام أباد”، حيث اعتبر المفاوض الإيراني أن اتهام بلاده بالاغتيال في هذا التوقيت هو “إرهاب دبلوماسي” يهدف إلى إرغام طهران على القبول بـ”الاستسلام النووي” وتفكيك منظومة الصواريخ البالستية تحت تهديد الوجود.
بين إصرار واشنطن على أن “الأصبع الإيرانية” حاضرة في كل اختراق أمني، وتأكيد طهران بأن الأمر لا يعدو كونه “مسرحية انتخابية بوقود حربي”، تظل الحقيقة ضائعة في منطقة رمادية، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة؛ فهل سينجح الدخان الأبيض في الخروج من فوهات المدافع أم من طاولات التفاوض؟
