رحيل إدغار موران: غياب فيلسوف “الفكر المركب” وعاشق المغرب الملتزم

رحيل إدغار موران: غياب فيلسوف “الفكر المركب” وعاشق المغرب الملتزم

غياب:

         غيب الموت في باريس، يوم الجمعة 29 مايو، عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي البارز إدغار موران عن عمر يناهز 104 أعوام، بعد مسيرة فكرية حافلة خاض خلالها مجابهة معرفية مستمرة مع تحولات القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين. موران، الذي عرف بكونه مناضلاً إنسانيا ومقاوما سابقا ضد النازية، كرّس حياته لتفكيك وتشبيك المعارف الإنسانية عبر نظريته الشهيرة “الفكر المركب” (Pensée complexe)، داعيا دوما إلى “انتفاضة الضمائر” في وجه الجهل والتعصب.

إدغار موران والمغرب والعالم العربي 

لم يكن إدغار موران مجرد مفكر غربي يراقب العالم من برج عاجي، بل امتلك علاقة وجدانية وثقافية عميقة بالعالم العربي، وبالمغرب على وجه الخصوص. تميزت مواقفه السياسية بالشجاعة، حيث كان من أشد المدافعين عن عدالة القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ومناهضة الاستعمار ومخلفاته.

وقد شكل المغرب محطة أساسية في حياته الفكرية والشخصية، حيث كان زائرا دائما للجامعات والمحافل الثقافية المغربية، ومساهما في إثراء النقاشات حول الحداثة والتربية والتعليم في المملكة. أما مدينة مراكش فقد احتلت مكانة أثيرة في قلبه، إذ كانت بمثابة واحة للتأمل والسكينة بالنسبة له، وضمن أزقتها وفضاءاتها الثقافية نسج علاقات إنسانية دافئة مع المفكرين والمبدعين المغاربة.

توجت هذه العلاقة الوثيقة بالمغرب في مرحلة متأخرة من حياته بزواجه من أستاذة علم الاجتماع والكاتبة المغربية صباح أبو السلام. ولم يكن هذا الزواج مجرد ارتباط عاطفي، بل كان شراكة فكرية وثقافية حقيقية، حيث ألهمته رفيقة دربه المغربية آفاقا جديدة في فهم الثقافة العربية الإسلامية، وتشاركا معا في تأليف كتاب “هل نسير نحو الهاوية؟” وكتبا أخرى تناولت قضايا العصر، لتمثل زوجته الجسر الإنساني والمعرفي الذي ربطه بالمغرب حتى الأنفاس الأخيرة من حياته.

  حكمة المئوي الثائر

حتى في أحلك الظروف وأكثرها تعقيدا، ظل موران متفائلا وذكيا في تفكيكه للتاريخ. ففي سن الثالثة بعد المئة (103 أعوام)، فاجأ الأوساط الثقافية بكتاب مكثف يلخص تأملاته حول حركة التاريخ، مبرزا الأدوار الحيوية التي تلعبها الصدفة، والخيال، والإرادة الإنسانية في صياغة المستقبل.

من خلال 16 درسا موجزا، لخص الفيلسوف المئوي خلاصات وعيه الفكري:

– مفارقة المقاصد: يستحضر درسه الأول عام 1940 بجامعة السوربون على يد المؤرخ جورج ليفيبفر، مشيرا إلى أن الأرستقراطية الفرنسية هي من مهدت للثورة الفرنسية دون قصد عندما طالبت باستدعاء “المجالس العامة” لإضعاف الملكية، فكانت النتيجة صعود البرجوازية وإطاحة الأرستقراطية نفسها. ومن هنا استنتج: “أن عواقب أفعالنا قد تأتي تماماً على الضد من نوايانا الأولى”.

– حتمية اللامتوقع: يذكرنا بكيفية انتصار أثينا الصغيرة على الإمبراطورية الفارسية الشاسعة في معركة ماراثون، كدليل على أن “غير المحتمل قد يصبح واقعا”.

– قوة المتخيل والأيديولوجيا: يحلل تأثير الدين والأسطورة في توجيه الشعوب، معرجا على التحولات الفجائية للجماهير، كيف يتحول الحماس فجأة إلى تمرد، أو كيف تخلت الجماهير الاشتراكية المسالمة في فرنسا وألمانيا عام 1914 عن أمميتها لتنخرط فجأة في أتون الحرب العالمية الأولى تحت راية القومية.

كان موران يرى أن التاريخ ليس مسارا خطيا حتميا، بل هو مزيج أنثروبولوجي معقد يجمع بين العقل والجنون، وبين التقنية والأسطورة، مؤكدا أن البشرية ستبقى دائما في حالة “صيرورة وتحول” لا تتوقف.

السيرة والحياة:

عاش موران حيوات متعددة في حياة واحدة، فكان الشيوعي المحارب، والمنشق عن الستالينية، وسوسيولوجي الحاضر، ومستشرف المستقبل. وفي سيرته الذاتية تنانيني (1994)، كتب معبرا عن فلسفته الوجودية: “أنا لست ممن لديهم مسيرة مهنية، بل ممن لديهم حياة”.

تلك الحياة التي بدأت في باريس يوم 8 يوليو 1921 باسم “إدغار ناحوم”، لعائلة يهودية تعود أصولها إلى مدينة سالونيك اليونانية، صبغت بالتحدي منذ اللحظة الأولى. فقد ولد إدغار وسط صراع بين الحياة والموت، بعد أن أخفت والدته “لونا” عن أبيه “فيدال” تحذيرات الأطباء من الإنجاب بسبب قصور في قلبها ناتج عن إصابتها بالإنفلونزا الإسبانية عام 1917.

نجا الطفل والأم وصنعا رابطا عاطفيا فريدا، لم يدم طويلا، إذ فجع إدغار وهو في العاشرة من عمره بوفاة والدته بنوبة قلبية عام 1931. هذا الفقد الذي وصفه لاحقا بـ “الهيروشيما الداخلية”، جعله يعيد بناء ذاته انطلاقا من مقولة الفيلسوف اليوناني هيرقليطس التي اتخذها شعاراً لحياته: “العيش في أحضان الموت، والموت في أحضان الحياة”.

شارك هذا الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!