الصّحراوي عامل الحمّام أو ”الكسّال”
سعيد بوخليط
عرف الصّحراوي عامل الحمّام أو ”الكسّال” بمثابرته وجدّيته وشغفه اللاّمتناهي بمهنته. ينحدر من منطقة زاكورة، فكان صورة أمينة تماما لمميّزات سلالة المنطقة الصّحراوية، قبل تسيّد جنون ثورة التّهجين الفظيعة النّاجمة عن سلبيات العولمة وفوضاها العارمة ضمن توتاليتارية النّمط والتّنميط بكيفية مطلقة، حيث اختلط عبثا كلّ شيء بأيّ شيء؛ مع نضوب المنبع الأصلي للمجرى المائي.
لم يكن بوسع أهل الحيّ خلال تلك الحقبة الزّمانية الذّهاب إلى الحمّام العمومي،دون استحضار مسبق لوقائع راسخة جسّدها حضور الصّحراوي ”السّياق” أو ”الكسّال”، ودأب براعته على مستوى الحكّ والتّدليك والتّرويض والاهتمام بالمستحمّين طيلة مختلف مراحل الاستحمام وكذا تدبير دِلاءٍ وحرصه على ملئها بغير تهاون أو تلكّؤ من الصّنبور وقبله صهريج الماء السّاخن المشهور في القاموس التّراثي الشّعبي بتسمية ”تافضنا”،خدمة تغدو في غاية الأهميّة والاجرائية إذا كان الحمّام مزدحما بالتّالي ارتفاع حرارة المكان وتحوّله في غضون ذلك إلى بخار أبيض،ممّا يؤثّر على أصحاب القلوب الضّعيفة والأنفاس المتهافتة وإرهاقهم بشكل كبير.
يغدو الاستحمام نقمة بدل كونه نعمة، أحيانا نتيجة سوء تقدير المكلّف بالوظيفة ”الفرناتشي”وقلّة خبرته ربّما بحيث يعجز عن ضبط إيقاع التّوازن المطلوب يؤدّي إلى اختلال واضح في معدّل الحرارة المطلوبة سواء نحو أقصى درجات الارتفاع أو على العكس أدنى مستويات الانخفاض مما يجعلها غير مناسبة قط للاستحمام بكيفية مريحة.
أحيانا أخرى، يكون الفعل حقيقة متعمّدا ومقصودا كوسيلة مبيّتة بهدف إرغام المستحمِّين على المغادرة سريعا وفسح المجال أمام آخرين،عملية ترتفع معها حصيلة المدخول المادي اليومي. سيناريو لئيم تحبك خيوطه بحنكة خلال المناسبات وفترات الأعياد، نتيجة إقبال الأغلبية على الاغتسال كشعيرة لاغنى عنها من أجل انطلاق وبداية مراسم الاحتفال.
يشغل الصّحراوي مجمل تفاصيل إطار مشهد تلك السّياقات واسمه يجري على الألسن. كان صديقا لأبي وقريبا جدا منه خلال بداية تعارفهما، فقد تصادف انحدارهما من نفس المنطقة، لكن مع توالي السّنوات انقلب أبي دون أن يدري إلى زبون يخلق إحراجا وغير مرغوب فيه، صار عامل الحمّام يراوغ ويتحجّج كي لا يلتجئ إليه أبي طلبا للمساعدة على تيسير عملية الاستحمام رغم تعويضه المعقول.
بغضّ النّظر عن المناسبات وأيّام آخر الأسبوع، يكون فضاء الحمّام العمومي شبه فارغ لذلك يستحيل تحت أيّ داع من الدّواعي، تجاهل طلبات الزّبائن ولامجرّد التّفكير في إهدار بجرّة فتور وكسل لمدخول إضافي يستدعيه بإلحاح المعيش اليومي.
كنه انقلاب الصّحراوي على صداقته مع أبي طبعا مضمرا لأنّه لم يعلن صراحة عن تحوّل مشاعره جهرا بل يستشفّ المعطى عبر إيماءاته وهمساته ومن خلال برودة كلامه، عدم قدرته عن مجاراة أبي فيزيائيا بتحمّل سخونة فضاء الحمام طيلة فترة قياسية.
لم يكن أبي تايسون سابقا لعصر تايسون الحقيقي، بالعكس اصطادته باكرا جنّية صحّة ضئيلة وملعونة خلال عزّ بداية شبابه عندما قوّضت تداعيات مرض الروماتيزم قوام مفاصله وجعلته رخوا جدا احتاج فيما أذكر إلى سند دائم يعينه على الوقوف والمشي وإمكانية التّماسك وإلاّ فقدان التّوازن ثم السّقوط. وأنا طفل في حدود السّادسة من عمري، مثّلت العكاز الذي لاغنى عنه بحيث اندرج الذّهاب إلى الحمام ضمن قائمة البرنامج.
أحبّ أبي الحمّام الشّعبي يزوره على الأقلّ مرّتين في الأسبوع، أساسا من أجل تدفئة جسده وبقائه مستلقيا لفترة طويلة عند اقصى ركن ساخن ملاصق تماما لصهريج الماء السّاخن، غير آبه قط بمستوى الحرارة المئوية، ليس من باب التحدّي الأحمق لإمكانيات جسده المهشّمة أصلا بل لكون أضحى قطعة ثلج نتيجة التهاب مفاصله، لذلك وحده الحمّام يتيح مجالا مريحا لاستعادة هذا التّوازن الفيزيائيّ المطلوب. يحتفي به الصّحراوي، يهيّئ له حيّز مكان معيّن بالتّنظيف وإحاطته بدلاء مملوءة ثم يشرع في دهن جسمه بالصّابون البلديّ الأسود قصد تحريض الجسم على إطلاق الدّهون بالتّالي سهولة تقشير الأدران والشّوائب العالقة.
يتمدّد أبي فترة قياسية بتركيز عينيه على سقف الحمّام وأحيانا شبه نائم،بينما الصّحراوي يخرج ويعود مترقّبا بشقّ الأنفس إشارة التوقّف عن حصّة التّسخين المرهقة وبدء الحكّ ثم الانتقال إلى زبون ثان، لكنّ أبي يجدّد له رغبته كي يستمرّ هادئا يرتشف بهدوء سخونة المكان. يشعر الصّحراوي حينها بالاستغراب والامتعاض في نفس الوقت. يأخذ الوضع في المعتاد دقائق محدودة بخصوص تهيئ جلد الجسم وتليينه بالسّخونة، بعدها يتكفّل الغسّال بالتّقشير والحكّ.
صحيح، خلال تلك الفترة، قبل تداول المعلومات الطبّية بشكل واسع كما الحال اليوم، شكّل المكوث داخل الحمّام مدّة طويلة ربّما قاربت ثلاث ساعات فما فوق لاسيما خلال ظروف الازدحام، معيارا ومقياسا لحصّة استحمام جيدة، مع أنّه تقدير ليس في محلّه بحيث يقضي البعض زمن الاستحمام، مثلما كنت ألاحظ كلاما وثرثرة كأن الجماعة حددت موعدا هنا بدل المقهى.
يتمسّك أبي برغبته كي يستمرّ ممدّدا أشبه بميّت، غير مكترث قط لما يجري حوله المهم استمتاعه الرّوحي الصّامت بتدفئة جسده وتخلصه ضمنيا في غضون ذلك من آلام شريرة، انتشلته باكرا جدا من ضوضاء هذا العالم وما آلت إليه فيما بعد أحوال الناس.
