أفق: ليل كازبلانكا الطويل

أفق: ليل كازبلانكا الطويل

صدوق نور الدين

لم يعد ليل كازبلانكا يغري الحكاية بالجلوس على كرسي المعنى. لقد غدا ليلا غريبا. ليل أسقطه الراوي في النسيان. كأن لم يكن. فمنذ أواسط الثمانينيات، إن يذكر الطارئ على المدينة، بدأ الليل يهوي، فيما كازبلانكا يساقط أزرقها على صخرة الزمن. حينها أصبحت الحكاية مخيفة. حكاية تبحث عن المتلقي الضائع بين الرغبة والحنين. الرغبة في أن تكون كازبلانكا كما حكي، والحنين لاستمرارية صورة ألهمت الكثير، لتمحي التفاصيل. كأن لم يذكر أنه نزل كازبلانكا بداية الستينيات، لا ليقيم وإنما ليحط ويطير إلى سماء مسقط الرأس. 

آنذاك لم يكن يملك عينا. كان يرى و لا يرى، لأنه لم يكن يملك عينا. ومادام فإنه غير قادر على بناء الحكاية. فهذه تبنى بالعين و الذاكرة. فما يكاد يذكره، درب بن جدية حيث ترميه الحافلات، وسينما الحرية التي دأبت عرض ملصقات أفلامها في أعلى الواجهة، هنالك في رحال المسكيني. وبعيدا يستوقفه كشك الجرائد والمجلات النابت يمينا. كان يستهويه أن يقرأ عناوين المجلات المصرية: آخر ساعة، روز اليوسف، صباح الخير، الهلال، المصور. و لاحقا مجلة أكتوبر. ولا يعرف بالضبط لم أغواه أنيس منصور ومحمد التابعي بكتابتهما. 

على امتداد نهر السبعينيات، و بعيدا عن أي تحديد زمني طواه النسيان، كان نهاريا. لم يعرف كازبلانكا الليل، ولا خبر. كان نهاريا. يذكر أنه يغادر المدينة حجم الكف، والخطو يرتسم على إيقاعات تمارين الصباح، ولا يعود إلا والأسود ينحت جسد الليل. 

أحيانا يباغثه خلل زجاج الحافلة الوحيدة التي كانت تقله، دون أن تخطئ مواعيدها. يقضي سحاب يومه يجوس الأمكنة متقصيا الفضاءات وكأنه يعد الذات لقادم يعتم في الغياب. كان ولم يكن. كان فقه تفاصيل وسط المدينة فيما غاب كتاب أسرار الضواحي المتناسلة. كان “المؤجل”، دون أن يكون” المرتجى”. 

حين كان نهاريا تبث شوارع لايزال خطوه يراها، وإن لم تكن العين ذاتها. لحظتها لم تكن الأسماء لتثيره، وإنما المحال التجارية” التنطق” نظافة، يديرها بالبسمة والمرونة الشقر. كانت في غاية التنوع. و لكم دونت فرادتها. فالمقاهي مقاه، والأكشاك أكشاك، وحركية البيع والشراء لا ينضب ماؤها. وأما الأقدام. الأقدام اللميعة فتحرص على جلال الأرض. فلا أثر لبصقة، ورق تتخلص منه يد، رائحة بول أو ماء أسود من بقايا الحانات يقذف إلى ترف التلوث. 

كان نهاريا. خطوة هنا، وثانية هنالك في شهر أو أقل. أما وبداية الثمانينيات تقضم من عمره، فحط دون أن يطير إلا لماما وقد رنت التقاليد المغربية المغرقة في عتاقتها.

 ومنذ الزمن، اشتعلت حكاية ليل كازبلانكا الطويل. الليل “التعلنه” أضواء المحال التجارية وصخب المقاهي والحانات النظيف. صخب (قد)يقصر، يطول، دون أن تكون الحكاية مخيفة.

 قل هي الحكاية التي يرغب كتابة نقاوتها الجميع. إذ وكما لكل حكاية، فإن لكل كازبلانكاه التي تنطق داخله. فثمة من يراها قائمة في الوسط، المعاريف أو على لسان الشاطئ حيث الليل والماء والقدم المنحوت بياضه أو سمرته بيد إلاهية، فيما النهد كأس يبحث عن فم استبد به عطش الليل. 

هي حكاية كازبلانكا يوم كانت. الحكاية التي سكنت الناس، ويسكنها الناس…

Visited 3 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

صدوق نور الدين

ناقد وروائي مغربي