أوراق من دفتر منسي : دموع الحسن الثاني

أوراق من دفتر منسي : دموع الحسن الثاني

عبد العلي جدوبي

في أكتوبر 1992، قام العاهل المغربي الحسن الثاني بجولة مشرقية شملت: السعودية والإمارات وسوريا ومصر والأردن، “بغية رأب الصدع العربي – العربي”، في مرحلة كانت تطبعها سمات التردد والعجز.

 كانت الساحة السياسية العربية والعالمية تشهد العديد من الأحداث وعلى أكثر من صعيد، فهناك مناطق صراعات، وبؤر توتر متداخلة ومعقدة..

 الاعتداءات الإسرائيلية اليومية على الشعب الفلسطيني لم تتوقف، والصراع العربي الإسرائيلي داخل النفق؛ فجاءت مبادرة السعودية للسلام، وقد أضفى عليها الحسن الثاني بعدا عربيا ودوليا في قمة فاس، وشهدت نفس الحقبة احتلال الجيش العراقي لدولة الكويت، وجاءت وساطة الملك الحسن الثاني وبعض القادة العرب للتدخل لإنهاء الأزمة، وإقناع الرئيس العراقي صدام حسين بإعادة الجنود العراقيين إلى ما وراء الحدود، لكن كل المبادرات باءت بالفشل، وبقية الأحداث تعرفونها.

 وبالنسبة للمنطقة المغاربية، كانت الجزائر تقوم بأدوار مشبوهة، منها الظاهر والخفي، بأروقة الأمم المتحدة، وبغيرها من المحافل الدولية، كمحاولة منها إضعاف الحضور المغربي، ومعاكسة حقه المشروع في صحرائه، وقد سخرت في ذلك عائدات شركة النفط “سوناطراك” في عمليات الإرشاء وشراء الذمم، وفي نفس السنة تم اغتيال الرئيس الجزائري محمد بوضياف، في وقت بدأت تظهر فيه بوادر الانفراج في الأزمة المفتعلة في قضية الصحراء المغربية، حيث التقى شيوخ القبائل الصحراوية في جنيف للمرة الثانية، وكان المغرب قد وافق على خطة السلام التي أقرتها الأمم المتحدة من أجل إحلال السلام بالمنطقة.

 غير أن زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية شيمون بيريز إلى المغرب، ولقاؤه مع الحسن الثاني بمدينة إفران العام 1986، أرخت بظلالها على مجريات الأحداث العربية لعدة سنوات، بعدما اعترض بعض قادة الدول العربية على تلك الزيارة – ولو ظاهريا – في حين رأى الحسن الثاني، في خطاب له ألقاه من مدينة إفران، أن لقاء شيمون بيريز كانت الغاية منه هي البحث عن حلول دائمة ومنصفة للقضية الفلسطينية، وبالتالي فإن اللقاء  يندرج ضمن خطة السلام في الشرق الاوسط – كما جاء في خطاب الحسن الثاني- للوصول إلى نهاية الصراع العربي الإسرائيلي انطلاقا من قرارات اللجنة السباعية المنبثقة عن القمة العربية المنعقدة بمدينة فاس.

 بداية الجولة الملكية

 بالعودة إلى برنامج  الجولة الملكية، سأكتفي بالحديث عما تخللته من بعض الأحداث في كل من السعودية وسوريا، بعيدا عن مجريات المباحثات الرسمية.

 عند وصول الوفد المغربي المرافق للملك إلى السعودية عبر مطار جدة، امتلك الجميع شعور بالغبطة والاعتزاز، شعور لا يوصف في لحظة تاريخية، كان الجميع فيها يتطلع إلى زيارة  الكعبة المشرفة ومسجد الرسول الكريم. مساء نفس اليوم أقيمت مأدبة عشاء على شرف الملك والوفد المرافق له، وفي اليوم الموالي توجهنا صوب المدينة المنورة التي تحمل العديد من الأسماء منها: طيبة، ويثرب، ومدينة الرسول الكريم، ودار  الهجرة. 

 في المدينة المنورة طاف الحسن الثاني والوفد المرافق له حول الكعبة المشرفة، ثم القيام بالهرولة بالصفا والمروة، وكانت بحق لحظات مؤثرة، بالمشاعر الروحية، وعندما اقتربنا من شباك قبر الرسول الكريم، كانت لحظات يعجز اللسان عن وصفها، خصوصا عندما شاهدنا دموع الحسن الثاني تنهمر على خده مباشرة بعد خروجه من حصن قبر الرسول صلوات  الله عليه، وقد بدت عليه علامات إرهاق شديد.

الرحلة الملكية كانت تنطلق دائما من مدينة تبوك، ويتم العودة إليها في نفس اليوم، وهي مدينة صغيرة تقع بالشمال الغربي السعودية على البحر الأحمر ،تبعد بحوالي سبعمائة كلم عم مدينة جدة.

  الملك وخصومة الأمويين مع الإمام علي

 في العاصمة السورية دمشق، تصرف الحسن الثاني بدهاء، عندما عمد الرئيس السوري حافظ الأسد تغيير بروتوكول الزيارة الملكية في آخر لحظة، إذ كان مقررا أن يحضر حافظ الاسد إلى المطار لاستقبال الملك، لكنه تغيب وكلف وزير الخارجية فاروق الشرع والجنرال مصطفى طلاس (قائد القوات العربية في حرب الجولان) لمهمة الاستقبال! ويبدو أن الحسن الثاني لم يكن راضيا تماما على هذا الإجراء، الذي لم يكن ساريا في بروتوكولات اللقاءات العربية، قرر التوجه أولا  إلى مقبرة الشهداء (نجها) بمحافظة ريف دمشق، تبعد بحوالي 13 كلم، للترحم على أرواح الشهداء المغاربة الذين استشهدوا في حرب الجولان دفاعا عن الأراضي العربية. إشارة قوية موجهة للرئيس حافظ الأسد الذي غدر بالجنود المغاربة أثناء معركة الجولان، الذين تقدموا إلى كثيرا في الجبهة الأمامية للمعركة، دون تأمين من طرف القوات السورية التي تراجعت إلى الوراء وتركتهم لوحدهم أمام الدبابات الإسرائيلية، لولا تدخل القوات العراقية التي تكلفت بالتغطية وبتأمين سلامة الجنود المغاربة.

الحسن الثاني في دمشق، وبجانبه فاروق الشرع، وفي المقدمة الجنرال مصطفى طلاس، ويظهر بأقصى اليسار الصحفي علي جدوبي  

 ونحن على أهبة التوجه إلى مقبرة الشهداء، وقعت عيناي على الشاب حميد، ربان الطائرة التي كانت تنقلنا من دولة إلى أخرى، يكاد ينهار من شدة البكاء، ولما سألته عن السبب، أخبرني بأن له أخا استشهد في حرب الجولان، وجثمانه بمقبرة الشهداء السورية، غير أنه لم يسمح للربان حميد بمرافقة أعضاء الوفد إلى هناك. أخبرت الوزير مولاي أحمد العلوي بالأمر، فاحتضن الوزير الربان، (للأسف لم أعد أتذكر اسمه العائلي) واصطحبه معنا إلى مقبرة الشهداء حيت ترحم على أخيه (بالمقبرة التي يحتضن ترابها 170 شهيدا مغربيا).

 انفراج على أكثر من مستوى

أراد الحسن الثاني من زحلتة المشرقية، وزيارته إلى سوريا تحديدا، بعث رسائل سياسية ذات دلالات أكثر أهمية، فبالإضافة إلى العلاقات التي كانت متوترة بين سوريا ومعظم  الدول العربية، بسبب سياسة حافظ الأسد، الذي كان يعتبر نفسه خلال تلك الحقبة من حكمه، لاعبا رئيسي على الساحتين العربية والدولية، فباستثناء استئناف دمشق علاقتها مع القاهرة بعد قطيعة دامت عشر سنوات (1979-1989)، بسبب توقيع مصر لمعاهدة كامب ديفيد مع إسرائيل، كانت علاقات سوريا متأزمة مع العراق، بما تعتبره منافسة حزب البعث العراقي لحزب البعث السوري، وغير طبيعية مع الاردن، ومع جارتها الشمالية تركيا، وأيضا مع بعض دول الخليج، أما العلاقة مع طهران فكانت بين مد وجزر. وبعد تفكيك الاتحاد السوفياتي الحليف الاستراتيجي لسوريا، كان لابد للنظام السوري أن يجد البديل، فوجد في الاتحاد الاروبي المصدر الحيوي الوحيد للحصول على المساعدات المالية، واتخذه من جانب ٱخر كوسيط في الصراع مع إسرائيل. لقد أدى الملك الحسن الثاني دورا مهما كان له وقع في  الانفراج الذي تحقق بين سوريا ومحيطها الإقليمي على وجه الخصوص، مع الدول التي زارها، مع دول الخليج تحديدا. من جانب ٱخر، وبحسب أحد المقربين من الحسن الثاني، وهو الوزير مولاي أحمد العلوي الذي كان ضمن الوفد المغربي، أفاد بأن الحسن الثاني أخبر السوريين بامتناعه عن الصلاة بالمسجد الأموي، وبرر الملك ذلك بأنه “المسجد الذي كان يُشتم (بضم الياء) فيه جده الإمام علي ابن أبي طالب من طرف الأمويين”. في لقاءاته بزعماء دول السعودية والإمارات ومصر والأردن، تمكن الحسن الثاني من أن يذيب جليد الخلافات العربية- العربية، ويدفع بالتضامن العربي لمواجهة الأزمات كخيار استراتيجي، وبناء الثقة بين الاشقاء العرب، وترتيب البيت العربي – كما كتبت الصحافة العربية، في ذلك التاريخ، والصحف المصرية منها على وجه الخصوص.

Visited 27 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

عبد العلي جدوبي

صحفي مغربي