خلفيات طرد الدبلوماسيين الروس

خلفيات طرد الدبلوماسيين الروس

اليزيد البركة

بلغ الآن عدد الدبلوماسيين الروس المطرودين من الدول الغربية 400 دبلوماسيا، وإذا تجاوزنا فترة زمنية ‏جرى فيها الطرد والطرد المضاد، وهي فترة حوالي سنتين قبل الحرب الروسية الأوكرانية، ‏والتي كانت خلفيتها دعائية /سياسية/دبلوماسية، فإن العملية الآن أخذت أبعادا جديدة تنتصب ‏فيها الحرب الاستخباراتية والعسكرية في المقدمة.‏

 تعتبر أي سفارة لأي دولة كبرى أو دولة في طريق لعب دور ريادي على الساحة الدولية ‏والإقليمية، مركزا سياسيا واقتصاديا، وإعلاميا واستخباراتيا وعسكريا.. وتسهر أي من هذه ‏الدول على تعيين مختص مثل ملحق عسكري وملحق إعلامي وغير ذلك، ليتابع ما يجري في ‏كل تلك الميادين بالبلد الذي توجد فيه السفارة، بما يتوافق مع القانون ودون التدخل في ‏الشؤون الداخلية، وأساليب الحصول على المعلومات متعددة ومتنوعة، ومنها ما لا يتوافق تماما ‏مع ما يسمح به القانون.‏

 عندما دفعت روسيا بجيشها إلى الحدود الروسية الأوكرانية، وطرحت شروطها المتعلقة ‏بأوكرانيا وبالناتو، ازدادت الأهمية الاستخباراتية والعسكرية في كل أوروبا، وخاصة الدول ‏المجاورة لأوكرانيا وروسيا. وقد جرت مناوشات مع استخبارات الناتو في بيلاروسيا ‏وكازاخستان حتى قبل الحرب، استدعت تدخل روسيا فيهما معا، ولربما ذلك هو الذي جعل ‏القيادة الروسية تتيقن أن تحضيرات الناتو في أوكرانيا وصلت إلى مراحلها الأخيرة في تنفيذ ‏مخطط الاستيلاء على دونباس وطرد الأقلية الناطقة بالروسية.‏

 في الأسبوعين الأولين من الحرب، استطاعت روسيا تدمير الإمدادات القادمة من دول الناتو، ‏وحتى ضرب تجمعات المتطوعين والمرتزقة الوافدين منها، وذلك بفضل قوة الشبكة ‏الاستخباراتية التي تتوفر عليها روسيا في كل بلدان الناتو وغيرها، بحيث تتابع مسار ‏الإمدادات والتجنيد، حتى تدخل الأراضي الأوكرانية وتصبر عليها حتى تصل إلى مكان ‏تجمعها بدل مواجهة فرد أو حتى جماعة قليلة بمجرد عبورها للحدود. لكن منذ الأسبوع ‏الماضي وبعد أن قرر الناتو مد أوكرانيا بالأسلحة الأكثر فتكا، وبعد أن أعلن بايدن ما يشبه ‏الاستمرار في مسار واحد وهو الحرب ووعد الأمريكيين بالنصر، تقرر تصعيد طرد ‏الدبلوماسيين الروس، لأن كل أراضي الناتو ستعرف حركة دؤوبة لتكثيف الإمدادات العسكرية ‏والبشرية، ومنها عملية انطلاق الطائرات المسيرة الأمريكية، التي أعلن عن تدريب الجنود ‏الأوكرانيين عليها في أراضي القواعد العسكرية الأمريكية، وكذلك ما أعلن عنه رئيس ‏حكومة بريطانيا في كييف، عن عزمه اإسال عتاد عسكري جديد أكثر فتكا، وإرسال منظومات ‏صواريخ مضادة للطيران وغيره، وهذا كله يتطلب إرساله سرية بالغة حتى يصل إلى داخل ‏أوكرانيا، حتى لا يقع له ما وقع للإمدادات السابقة. ‏لكن الأخطر هو أن تصريحات قادة الناتو تنبيء عن تحضير خطوات عسكرية لن تتصح بعد طبيعتها ولربما ستجري بروفة أولية في بولندا.

 إذن طرد الدبلوماسيين من هذا الطرف أو ذاك لم يعد بنفس الوجع والتأثير، لما تخطى الدائرة ‏الإعلامية والسياسية والدبلوماسية، لماذا؟ لأن قدرة حصول الدبلوماسيين الغربيين على ‏المعلومة الصحيحة تضاءل بعد أن تصاعدت شعبية بوتن وسط الشعب الروسي إلى حوالي ‏‏80 في المئة، بينما تضاءلت شعبية حكام دول الناتو في بلدانهم، ومن جهة أخرى تكاد تكون التجريدة ‏العسكرية التي تدخلت في أوكرانيا مستقلة عن ما عداها وفي اكتفاء تام لحد الآن.‏

 لكن الخطوات الجديدة التي تقوم بها دول الناتو، ومنها طرد الدبلوماسيين الروس الأخير، والتي ‏وصلت فيه بولندا إلى رقم غير مسبوق 45 دبلوماسيا دفعة واحدة، أنذر روسيا أن شيئا كبيرا ‏يحضر، وخاصة عندما صرح ممثل الاتحاد الأوروبي بوريل، رجل أمريكا الأول في الاتحاد الأوروبي ، الذي كانت مساهمته كبيرة جدا في تخريب علاقة روسيا بالاتحاد الاوروبي، بأنه يتمنى الحسم العسكري في ‏أوكرانيا، وعندما صرحت وزيرة خارجية بريطانيا أنها مع قيام الناتو بعمل عسكري. لهذا لم ‏تغب روسيا عن المتابعة والحذر. لذا أجرت مناورات عسكرية على حدود بولندا وليتوانيا.

 كما أن ‏المناورات التي ستجريها روسيا مع الجزائر ومصر وكازاخستان وباكستان في الجزائر، ‏ستعرف تجريب سلاح جديد في الصحراء قرب بشار، بعيدا عن مراقبة الأقمار الصناعية التجسسية الدقيقة المحيطة بروسيا، وذلك على هامش ‏هذه المناورات، وما دفع المتتبعين العسكرين بتغليب هذا، هو أن عدد 80 جنديا عسكريا ‏روسيا، الذين أعلنت روسيا عن إشراكهم في المناورات، لا ينسجم مع العدد الذي تتطلبه عادة ‏المناورات العسكرية. لذلك غلبوا أن يكونوا خبراء عسكريين وليسوا جنودا، وغلبوا تجريب الطائرة الشبح ‏‏”سو 57″  التي يجري الحديث عنها منذ مدة، والتي ستمكون حاسمة في ضرب أي حشد للعتاد في بولندا نفسها، إذا ما كان الناتو قرر التدخل عسكريا، وكذلك سيتم تجريب صاروخ جديد، ومكان إجراء هذه ‏التجربة يغلب عليه هو الآخر  طابع السرية، لأنه ستكون في قاعدة حماقير التي أسستها فرنسا في ‏‏1948 وأجرت فيها تجاربها الأولى لإطلاق الصواريخ، وتتمتع بكل المواصفات التي تتطلبها ‏التجارب ذات الطابع السري. 

وقد جاءت هذه الهدية الجزائرية لروسيا بعد أن أفسد الرئيس ‏تبون العلاقات الجزائرية الروسية بكلامه عن روسيا لوزير الخارجية الأمريكي، لإرضاءها حيث وصف ‏الشركات الروسية لصناعة الأسلحة بالمافيا، ووصف “الفاغنر ” بالمرتزقة. ومعلوم أن كلام ‏تبون بكامله تم تسريبه بصوته للإعلام من طرف جهة مجهولة، بعد أن نشرت وزارة ‏الخارجية الأمريكية نص تقرير عن الزيارة، وجاءت فيه إشارات عن هذا المس بروسيا.‏

Visited 2 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

اليزيد البركة

كاتب وصحفي مغربي