عندما استولى المغول على حكم روسيا

عندما استولى المغول على حكم روسيا

د. جمال القرى

وقعت الإمارات الروسية على مدى ثلاثة قرون من القرن الثالث عشر حتى القرن الخامس عشر تحت الحكم المغولي بداية، ومن ثم تحت حكم القبيلة الذهبية.  

بدأ الغزو المغولي لروسيا القديمة بقيادة باتو خان حفيد جنكيز خان بين الأعوام 1237 – 1241 والذي استمر على مدى عقدين من الزمن. وقد سقطت فلاديمير في العام 1238 وكييف في العام 1240. وظل النير المغولي في إمارات شمال شرق روسيا حتى العام 1480. أما بعض الامارات الروسية الغربية فتحررت من النير قبل ذلك نتيجة انضمامها إلى إمارة ليتوانيا العظمى وبولندا. وباتت روسيا تعتمد على الامراء المغول وتدفع لهم الأتاوات، بحيث أصبحت الإمارات الروسية في تبعية اقتصادية وسياسية تامة للمغول. أطلقت الاسفار الروسية على الغزاة الاجانب الذين أتوا من جهة جنوب الشرق تسمية المغول التتار بحسب رأي بعض المؤرخين لأن إحدى القبائل المغولية اسمت نفسها التتار. 

وتقول الفرضية الأخرى أن تسمية المغول التتار مرتبطة بوجود عدد كبير من الجنود ذوي اصل تتاري تركي في الجيش المغولى الغازي. وحتى في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، كانت الشعوب الكثيرة الناطقة باللغة التركية تدعى بالتتار. وعلى سبيل المثال فإن الأذريين كانوا يدعون بتتار جنوب القوقاز، أما البلقار وقره تشاي فدعيا بتتار الجبال، أما شعب الخكاس بتتار أباكان. ولا تستخدم الشعوب التركية الاصل حالياً هذه التسمية الإتنية ما عدا تتار قازان الذين يقطنون جمهورية تتارستان الروسية وتتار القرم الذين يقطنون شبه جزيرة القرم في أوكرانيا. وقد قامت جيوش جنكيز خان الذي أعلن نفسه حاكما للدنيا خلال عشرين سنة باجتياح الصين الشمالية وعاصمتها بكين، وغزت ايران الشمالية وضمت دول آسيا الوسطى الى امبراطورية المغول. ثم غزا المغول منطقة ما وراء القوقاز وزحفوا نحو الاراضي الروسية. 

حملات المغول في روسيا وأوروبا

 أرسل الخان المعظم أول بعثة عسكرية إلى روسيا في العام 1221. وترأسها القائد سوبيديه الذي ألحق في العام 1223 هزيمة بالجيش المؤلف من الروس وجيرانهم الرحل بولوفتسه. وأسفرت الحملة عن ضم شعب بولوفتسه إلى الإمبراطورية المغولية واجتياح المناطق الروسية الجنوبية المتاخمة لأراضيه. وبعد ورود نبأ قدوم الجيش الروسي من مدينة فلاديمير رجع الجيش المغولى إلى نهر الفولغا، حيث انهزم على أيدي شعب بلغار الفولغا، واضطر للعودة إلى آسيا الوسطى.

 اقتربت الإمبراطورية المغولية المتسعة في منتصف ثلاثينيات القرن الثالث عشر مباشرة من حدود الإمارات الروسية، التي كانت تواجه آنذاك أزمة تشتّت سياسي، تجلّت في عجزها عن تشكيل دولة موحدة. وبدأت الحملة المغولية العسكرية في العام 1236، حين دحر باتو خان دولة البلغار على نهر الفولغا. ثم توجهت جحافله لتغزو وتحرق إماراة ريازان وتستولي على فلاديمير وتنهب موسكوفي.

 وعندما اجتاح الجيش المغولي أراضي إمارة فلاديمير وسوزدال، قتل عدداً كبيراً من السكان وحرق الكثير منهم أحياء وأسر من تبقى منهم وساقهم كعبيد. 

في العام 1238 توجه الغزاة المغول إلى الشمال ليغزوا إمارة نوفغورود، ولكن مقاومة الأهالي الشديدة، أجبرتهم على التراجع. حينها، أمر باتو خان بتدمير المدينة وقتل أهاليها.  

 وشهد العام 1239 سقوط مدينتي موروم وغوروغوفيتس. وفي العام 1240 استولى المغول على مدينة كييف، ثم اجتاحوا إمارات غاليتس وفولين، ودخلوا بولندا والمجر وتشيكيا ومورافيا، وأنهوا الحملة باجتياح كرواتيا ودالماتسيا. 

ويرى المؤرخون أن مقاومة الشعب الروسي التي استنزفت قوة الغزاة، حالت دون تقدم الجحافل المغولية الى عمق اوروبا، وأنقذت بذلك الشعوب الاوروبية من النير المغولي. وعند عودة الجيش المغولي من اوروبا، توقف في السهوب الواقعة بالقرب من البحر الاسود وبحر قزوين حيث أُنشئت فيما بعد دولة أُطلق عليها القبيلة الذهبية التي حكمها أحفاد جنكيز خان على مدى ثلاثة قرون من الزمن.

 وفيما كان الأمراء الروس في الإمارات الشمالية – الشرقية يتكيفون مع الاحتلال ويشاركون مرغمين في حروب المغول، كان أمراء الإمارات الغربية يطلبون المساعدة من الغرب لصد الاحتلال. فألكسندر نيفسكي ابن الأمير العظيم ياروسلاف وأمير إمارتي فلاديمير ونوفغورود استغل مع الكنيسة وجود المغولصدّ الغزاة السويديين والألمان في العام 1240 على نهر نيفا، ومن هنا يأتي لقبه نيفسكي. محتفظاً بالاستقلالية الدينية، حارب الغرب، معتبراً أنه بعد انتصاره عليه، سيستطيع محاربة المغول والاستقلال عنهم سياسياً. وهذا لم يعجب أمراء الإمارات الغربية الذين وقعوا في حبائل الغرب وبدّل معظمهم إيمانهم. 

 وفي العام 1243، وصل إلى القبيلة الذهبية أمير كييف ياروسلاف ابن الكسندر نيفسكي الذي منحه المغول ترخيصاً بالحكم في إمارته. وكان ياروسلاف أول أمير روسي يحصل على مثل هذا الترخيص من يد خان مغولي. وصارت البلاد تعتمد على القبيلة الذهبية. وقد أنشئ نظام يفرض على كل أمير روسي الحضور الى القبيلة للحصول على الترخيص بالحكم في إمارته. وصار الأمراء يتنافسون فيما بينهم للحصول على فرصة المثول امام الحاكم المغولي للحصول على الترخيص بالحكم.

  كانت عواقب الغزو المغولي بالنسبة إلى روسيا صعبة. فقد تجلّى ذلك بداية بتقليص عدد سكان البلاد نتيجة قتلهم وأسرهم وتحويلهم الى عبيد، وبتدمير الكثير من المدن حيث لم يبق في كييف الا 200 منزلاً. فمن أصل 70 مدينة روسية، تم اجتياح وتهديم 50، ولاحقاً، لم تتمكن 14 مدينة منها من العودة للحياة، فيما تحوّلت 15 مدينة الى قرى صغيرة. وفي المدن الباقية، توقفت الصناعة وعادت ببطء إلى الحياة. أما البويار الذين عاونوا الأمراء بالحكم قبل الاحتلال المغولي الأمراء، فإن انتفاءهم الآن، قد أدى إلى تعزيز موقع الأمراء في الحكم. وبين الاعوام 1257 – 1259، قام الخان كيتات قريب الخان المعظم باحصاء السكان الروس بغية تنظيم استغلال الاراضي الروسية عن طريق فرض الضرائب عليها. وقد فرضت الأتاوات على كافة فئات المجتمع الروسي باستثناء رجال الدين الذين استعان المغول بهم لتعزيز سلطتهم. وتسبب دفع هذه الاتاوات للقبيلة الذهبية باستنزاف اقتصاد روسيا وحال دون تطور علاقات السلع النقدية فيها. 

ونتيجة لتلك السياسة، اشتدّت في الإمارات الروسية المقاومة الشعبية ضدها. ففي العام 1257، وقعت اضطربات شعبية واسعة في إمارة نوفغورود التي تمنّع أهاليها عن دفع الأتاوة للمغول. لكن الأمير ألكسندر نيفسكي الذي أدرك استحالة العصيان في تلك الظروف القاسية، نجح بتهدئة الشعب وأقنعه بعدم الاصطدام مع القبيلة الذهبية. وفي أواخر خمسينيات ومطلع ستينيات القرن الثالث عشر، قام التجار المسلمون في المدن الروسية، الذين أطلق عليهم السكان تسمية “البوسرمان”، بجمع الأتاوات في الإمارات الروسية لصالح الخان المغولي. وكان الخان قد استدعاهم لجع الأتاوات بعد قيام انتفاضات شعبية ضده في إمارات روستوف وسوزدال وياروسلافل واوستيوغ العظيمة وفلاديمير، واقتطاع جزء من الأتاوات لصالحها، إلا أن سكان هذه الإمارات، عمدوا إلى طرد البوسرمان من أراضيهم، وهذا ما أجبر القبيلة الذهبية على خفض الأتاوات. وصادف هذا الحدث، الانفصال النهائي للقبيلة الذهبية عن الإمبراطورية المغولية.

 لكن الغزوات الكاسحة من جانب القبيلة، استمرت وكانت تشن على الإمارات الروسية من حين الى آخر، وذلك لاثبات وجود النير المغولي في روسيا. وبدءاً من العام 1350، أدى ضعف الخانيات في الغرب الروسي، إلى انقضاض بولندا وليتوانيا عليها وقضم أجزاء منها هذه حيث أصبحت مستقلة عنها وتابعة لسلطة حاكمي ليتوانيا وبولندا. 

غير أنه في مناطق الشمال الشرقي الروسي الذي فقد قسماً كبيراً من أراضيه ومن آثاره وكنائسه وصناعته وأُفقر وأصبح تحت الحكم البربري المغولي الذي أعاده إلى الوراء، لم يتوقف الصراع في سبيل استعادة الاستقلال. وفي هذا الإطار، بدأت تظهر ملامح  ظهور دولة جديدة، فقد سمحت القبيلة الذهبية للأمراء بتجميع الأراضي المحيطة بإماراتهم وبتنظيمها وتطويرها. وهنا ظهرت إمارة موسكوفي التي تناوب على حكمها 13 أميراً. لقد ظهرت موسكوفي كدولة جديدة ذات علاقات سياسية واجتماعية وكنسية قوية، ولكن من الناحية الاقتصادية كانت أدنى منها مقارنة بالدول الجديدة الناشئة في فرنسا وبريطانيا نظراً لاختلافات العلاقات الاقتصادية فيها وقلة وفرة الأموال ما جعل التفاوت الاقتصادي بينها واضحاً.

  ومع نهاية القرن الرابع عشر، تعزّزت الزراعة وقوات الجيش وقويت سلطة الأمير، خصوصاً أمير موسكوفي. ولا شك أن الكنيسة الروسية لعبت دوراً في تجميع وضم الأراضي، فبين بداية القرن الرابع عشر وحتى نهايته، كان هناك 14 إمارة صغيرة كان الأمير الرئيسي فيها قانونياً هو الأمير الكبير. وقد جرت حروب فيما بينها وخصوصاً بين الإمارتين الرئيسيتين تفير وموسكوفي. ففي موسكوفي، عمد حاكمها الأمير دانييل ابن نيفسكي إلى شراء الأراضي وضمها إلى إمارته التي توسعت واستمرت بالتوسع على عهد أبنائه وأحفاده مع عدم التوقف عن الحرب مع إمارة تفير. ومنذ منتصف القرن الرابع عشر، بدأ الأمراء يرفضون التوجيهات الواردة من القبيلة الذهبية التي كانت تواجههم بالقوة العسكرية. في ذلك الحين، أصبحت موسكوفي إمارة كبيرة وتحولت إلى مركزديني بعد انتقال ميتروبوليت فلاديمير إليها. وتعود أهميتها وقوتها بحسب المؤرخين، إلى موقعها الجغرافي المهم حيث كان المهاجرون يمرون عبرها. لقد استخدم أمراؤها الدهاء في السياسة، ما صبّ في مصلحة البلاد. 

 وفي منتصف سبعينيات القرن الرابع عشر، توقفت موسكو نهائياً عن دفع الأتاوات للقبيلة الذهبية، ورفض أميرها دميتري دونسكوي على تراخيص الحكم التي منحتها القبيلة لمنافسيه، واستمر بضم الأراضي وحارب لاتفيا، واستولى على امارة فلاديمير، ثم دحر في العام 1380 الجيش التتاري برئاسة الخان ماماي وألحق ضربة ساحقة بالقبيلة الذهبية في موقعة كوليكوفو. وقد ساعد القس سيرغي رادونجسكي الذي وسمته الكنيسة الأرثوذكسية لاحقاً قديساً الأمير دونسكوي في معركته، إذ دعا الامراء الروس الى الوحدة في مواجهة العدو المشترك. لقد كان لتلك المعركة أهمية سياسية كبيرة تجلّت بتأكيد قوة موسكوفي التنظيمية والجغرافية والقتالية وبوصفها مركزاً للأراضي المدموجة، كما أهمية دينية تجلّت بدور الكنيسة بتحقيق وحدة الشعب الروسي. فقد قام القديس سيرغي بمباركة الامير دميتري قبل وقوع المعركة، وأوفد الراهبيْن العملاقيْن روديون اوسليابيا وألكسندر بيريسفيت لمساعدته.

 وقد جسد الفنان الروسي فيكتور فاسنيتسوف المبارزة بين العملاقين الروسي والتتاري بيريسفيت وتشيلوبيه  في لوحته والموجودة في متحف “قصر عابدين” في القاهرة. 

 لقد اعتبر المؤرخون أن هذا النصر أرسى الأسس لأول دولة روسية ورفع دونسكوي إلى مرتبة أهم القيادات في التاريخ خصوصاً أنه بنى الكرملين من الحجر بعد أن كان قد بُني من الخشب. وبعد تلك المعركة بعامين، أي في العام 1382 عاد الخان توختاميش الى موسكو ليجتاحها، واضطرت روسيا مجدداً لدفع الأتاوة الى القبيلة الذهبية. لكن أمير موسكو فاسيلي الأول أخذ حق حكم الإمارة من والده قبل أن يُتوفّى دون الرجوع إلى القبيلة التي كانت قد دخلت مرحلة الفتن وبدأت تضعف ولم تعد قادرة على استعادة حكمها على روسيا رغم شنّها عدة حملات عسكرية عليها حتى منتصف القرن الخامس عشر.

 ومنذ ذلك الحين، اتّخذ اعتماد روسيا على التتار طابعاً شكلياً، وتقطّع دفع الاتاوات، وبدأ الأمراء الروس بممارسة سياسة مستقلة عن القبيلة. اما دمج الامارات الروسية من قبل امارة موسكو، فهيأ الظروف الملائمة للقضاء على اعتماد روسيا على التتار بشكل تام. وتوقف الأمير العظيم إيفان الثالث في سبعينيات القرن الخامس عشر عن دفع الأتاوات للخان الذي قام عقب ذلك بحملة عسكرية على موسكو. ولكن الحملة باءت بالفشل، وتمّ تحرير جميع الأراضي الروسية التي كانت تابعة للقبيلة الذهبية في العام 1476. حينها عمد إيفان إلى توسعة أراضي إمارته وصولاً إلى نوفغورود وتفير وروستوف وأرسى أسس الدولة الروسية الجديدة. وانتهى الأمر بالقبيلة الذهبية بالتفتّت إلى عدة دويلات لم تتوقف عن شن الحملات العسكرية ضد الأراضي الروسية على مدى أكثر من قرن من الزمن.

Visited 130 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

د. جمال القرى

طبيبة وكاتبة لبنانية