في الذكرى الثلاثين لسي الطيب…

في الذكرى الثلاثين لسي الطيب…

جورج الراسي

تصادف اليوم الذكرى الثلاثين لاغتيال رئيس الدولة الجزائرية محمد بوضياف في 29 جوان – حزيران من عام 1992، الذي كان أحد مفجري ثورة نوفمبر، وأحد الزعماء الخمسة الذين اختطفتهم فرنسا في أول عملية قرصنة جوية من نوعها في 22 أكتوبر- تشرين الأول من عام 1956 (بوضياف، بن بله، آيت أحمد، الأشرف ومحمد خيضر).

التقيت محمد بوضياف مرة واحدة. كان ذلك في مطلع شهر تشرين الثاني – نوفمبر من عام 1979، والبلاد تحتفل بمرور ربع قرن على اندلاع ثورة فاتح نوفمبر1954. وكان قد مضى نحو عام على رحيل الرئيس هواري بومدين  وحلول الرئيس الشاذلي بن جديد مكانه رئيسا للجمهورية.

كنت في ذلك الوقت أحرر شؤون المغرب العربي في مجلة “الوطن العربي” الصادرة حديثا في باريس- والتي كانت أول مجلة عربية تصدر في العاصمة الفرنسية بعد خراب بيروت مرة أولى.. حين دخل علينا ذات يوم، وبدون سابق إنذار، رجل  طويل القامة، قاسي الملامح، أنيق المظهر، تظهر عليه كل علامات البساطة وقلة التكلف، يتكلم بلغة منمقة وكأنه خارج لتوه من الحي اللاتيني.

أول من تعرف عليه كان الصديق الراحل لطفي الخولي، المفكر والكاتب السياسي المرموق الذي كان غالبا ما يتردد على مكتبي. فوقف واستقبله بحرارة، وعرفني عليه على الطريقة المصرية المحببة، المدعمة بكل قاموس أفعل التفضيل: أكبر، أعظم، أهم… الخ.. تلك الصيغة التي كانت تنطبق لمرة واحدة على الأقل على تلك القامة التاريخية الواقفة أمامي… أول منسق للثورة الجزائرية.. الذي قبع في سجون الاحتلال منذ عملية اختطافه مع رفاقه حتى بزوغ فجر الاستقلال…

بدا لي بسرعة أن لديه أشياء كثيرة يقولها، وهو يشعر بحسه السياسي أن الجزائر مقبلة على  مرحلة جديدة، بخاصة وأنه تعرض لكثير من الأذية بعد الاستقلال الذي ناضل من أجله. فقد ذاق الخطف والسجن والاضطهاد، لأنه لم يكن  يريد للثورة أن تنحرف عن مسارها.

في منفاه الباريسي أسس “حزب الثورة الاشتراكية”، وكان حزبا مسكونا بالأيديولوجيات اليسارية والماركسية الرائجة في تلك الأيام.

عاش بعد ذلك متنقلا بين باريس والرباط، قبل أن يستقر في مدينة القنيطرة  المغربية، حتى يظل على مقربة من الوطن.. وبعد ثلاثين عاما من الاستقلال ومن المنفى، جاؤوا إليه ليقنعوه بإنقاذ الوطن مما  كان فيه… فقبل التضحية مرة أخرى وقدم لوطنه ما بقي  له: روحه…

جيء به في 14 كانون الثاني- يناير 1992على  رأس “المجلس الأعلى للدولة”  لمواجهة العنف المسلح الذي سيفتك بالبلاد والعباد على مدى عشر سنوات فيما عرف بعد ذلك “بالعشرية السوداء”..

لكن حكمه لم يدم طويلا، إذ جرى اغتياله بعد ستة أشهر في مثل هذا اليوم، في مدينة عنابة شرق البلاد، على يد أحد ضباط الحراسة، بعد أن كان قد فرض حالة  الطوارئ في شهر شباط – فبراير من تلك السنة لمواجهة  تدهور الأوضاع…

في حديثه ذلك اليوم (وقد نشرته كاملا في العدد 143 من مجلة “الوطن العربي”، الصادر  بتاريخ  8 تشرين الثاني – نوفمبر من عام 1979) كثير من الشجن ومن التاريخ ومن الأمل… فقد وجه حينها رسالة مفتوحة إلى الرئيس الشاذلي يدعوه فيها إلى التخلص من “جماعة من الانتهازيين، وأصحاب الأعمال، والمغامرين..”، واختصر لي مهالك البلاد ببضعة مآخذ هي:

– التهالك على تراكم رأس المال على حساب حاجات الجماهير..

– تفضيل التكنولوجيا المستوردة والتحديث مهما كان الثمن، على تأسيس اقتصاد وطني وتطوير مختلف الموارد، وبخاصة الموارد الزراعية..

– عدم التبعية التكنولوجية والتجارية والمالية، وحتى الغذائية  للسوق الغربية..

– هناك توزيع غير عادل للثروة..

– عدم إبعاد الجماهير عن الساحة السياسية..

-عدم تحويل منطقة المغرب العربي إلى ساحة صراع للقوى الكبرى، والعمل على توحيد شعوبها…

يوم اغتيال “سي الطيب الوطني”، كنت في الجزائر.. وكنت أمني النفس بلقائه لمواصلة ما انقطع منذ ثلاثة عشر عاما… لكن رصاصات الغدر كانت أسرع…

Visited 12 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

جورج الراسي

صحفي وكاتب لبناني