هل فعلا وافق الساسي للنويضي على الالتحاق بمهمة مستشار لليوسفي؟

هل فعلا وافق الساسي للنويضي على  الالتحاق بمهمة مستشار لليوسفي؟

عبد السلام بنعيسي

في لقاء نُظِّم بالرباط وخُصِّص لتقديم ومناقشة مؤلفه الجديد: “مذكرات مستشار للوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي، دروس من تجربة التناوب وما بعدها”، فسَّرَ المحامي وأستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري عبد العزيز النويضي قبوله مهمة مستشار لدى اليوسفي بالقول: “كان لدي هدف هو أن أعرف الدولة من الداخل”، كاشفا أنه استأذن من القيادي محمد الساسي، الالتحاق بالمهمة المعروضة عليه، مضيفا: “لو أن الساسي اعترض لامتنعت عن الالتحاق”، وكشف الساسي الذي حضر إلى جانبه لمناقشة مؤلفه الجديد، أنه رحب بالتحاق النويضي مستشارا لليوسفي، قائلا: “إن كان لنا تحفظ على الدخول إلى الحكومة، إلا أننا لا نعترض على أي شيء إيجابي يمكن أن يدعم حكومة اليوسفي، ويكون مفيدا للبلد ولهذه التجربة وتمنيت أن تعتمد تجربة اليوسفي على الأستاذ النويضي، وغيره ممن يدفع في اتجاه الدمقرطة”.

ورغم أنني لم أقرأ الكتاب المشار إليه أعلاه بعد، ففي اعتقادي أن هذا الكلام الصادر عن الأستاذين، النويضي والساسي، يحتاج إلى وقفة، وإلى مناقشة ما ورد فيه، فمن الصعب القبول به والتسليم بما تضمنه، إنه كلام يستفز الأسئلة ويستثيرها، فتجربة التناوب لم تأخذ حظها من النقاش الهادئ والصريح والخالي من المجاملة، ولم يكتب عنها إلا النزر القليل جدا، وجُلُّ ما كتب عن اليوسفي وقبوله بقيادة حكومة التناوب التوافقي، كان في أغليته الساحقة، إطراء ومدحا لهذه التجربة الحكومية، وتصفيقا حماسيا لها، وهذا سلوك لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا يقدم أي فائدة تذكر للمغاربة في فهم ماضيهم، وحاضرهم، لاستشراف مستقبلهم.

في البداية تجدر الإشارة إلى أن من الممكن أن يستشير النويضي الساسي في قبوله مهمة مستشار لدى اليوسفي، فهما صديقان وتجمعهما علاقات طيبة، لكن عندما يقول النويضي: “لو أن الساسي اعترض لامتنعت عن الالتحاق”، فهنا تثار علامات التعجب من هذا القول، لأنه يفيد وكأن للساسي وصاية على النويضي، وأنه هو الذي يقرر مكانه، ويحدد له ما يتعين عليه القيام به، وما ينبغي له تجنب الخوض فيه.

والحال أن النويضي، كشخصٍ مرشح ليكون مستشارا لدى الوزير الأول، يفترض فيه الكفاءة، والاستقلالية، والقدرة على اتخاذ القرار الذي يبدو له مناسبا، نحن نتصور أنه إنسان ناضج ويمارس قناعاته الشخصية، بصرف النظر عن رأي الساسي، سواء كان موافقا أو معترضا، إذ لماذا لا يكون لكل واحدٍ منهما رأيه الخاص به في شأن كل قضية؟ هل من الضروري أن يكونا متوافقين، ومتحدين، وعلى نفس الرأي؟ ألا يلغي الواحد منهما الآخر في هذه الحالة ومثيلات لها؟؟ ألا يذوب شخص النويضي في شخص الساسي، عندما لا يُقدِمُ إلا على ما يوافق له عليه الساسي؟  

وفي الواقع، يبدو النويضي وكأنه في حيرة من أمره مع وظيفة مستشار لدى اليوسفي التي مارسها في فترة حكومة التناوب التوافقي، فتارة يترك الانطباع بأنه يفخر بهذه المهمة ويتباهى بها، وتارة أخرى يظهر وكأنه منزعج منها، يشعر المرء بأن مهمة مستشار سابق لليوسفي تلاحق النويضي حاليا، في مواقفه الراهنة مع المعارضين الجذريين للدولة ولأجهزتها، إنه يحاول أن يتبرأ من ماضيه، كمشارك سابق في مهمة حكومية، وبحثا عن الخلاص من هذا الماضي الذي يُطوِّقُه، فإنه يُورِّطُ الساسي معه في قبوله مهمة مستشار لدى الوزير الأول، فطبقا لرواية النويضي، فإن الساسي شريك في قبوله، الالتحاق بالوزارة الأولى، وهما معا يتقاسمان التبعات المترتبة عن ذلك، والمشكلة إذا عَمَّتْ هانت، كما يقال.

لكن الساسي كما يعرفه كل الذين عاشروه، لا يتدخل في شؤون الآخرين، ولا يسعى لفرض رأيه عليهم، فمهما كانت القناعات الإيديولوجية للشخص الذي يجالسه أو يحاوره، فإنه يخُصُّهُ بالاحترام، ويتجنب إملاء رأيه عليه، ومن هذا المنطلق، فإن النويضي إذا استشار الساسي في قبول مهمة مستشار لدى الوزير الأول، وأدرك الساسي بذكائه المتقد أن للنويضي رغبة جامحة في قبول هذه المهمة، فماذا عساه يقول له؟ لا يملك الساسي هنا إلا أن يجامله ويبارك له اختياره، من منطلق صونه لحرية الرأي والاختيار وتبني الموقف. كان يتعين على النويضي أن يتحاشى إحراج الساسي، وألا يستشيره في قبول مهمة هو عاقد العزم، على قبولها.

صراحة لم أفهم القول المنسوب للساسي في اللقاء المذكور: “لا نعترض على أي شيء إيجابي يمكن أن يدعم حكومة اليوسفي، ويكون مفيدا للبلد ولهذه التجربة وتمنيت أن تعتمد تجربة اليوسفي على الأستاذ النويضي، وغيره ممن يدفع في اتجاه الدمقرطة”. لقد كان رأي الساسي جازما وقاطعا في حكومة التناوب التوافقي، فبالنسبة له، التجربة كانت، قبل انطلاقها، محكومة بالفشل والذريع، لأنها لم تكن تمتلك الحد الأدنى من مقومات النجاح، لقد عارض الساسي تجربة تلكم الحكومة وتصدى لها، وخرج لاحقا من الحزب بسببها، فكيف يكون قد انتظر شيئا إيجابيا منها؟

من موقعه ككاتب عام للشبيبة الاتحادية، وكعضو في اللجنة المركزية للحزب، عارض الساسي تنصيب قياديين اتحاديين وزراء في الحكومة، ولم يترك، لا كبيرة ولا صغيرة، إلا وقام بها لعرقلة قبول الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المشاركة في حكومة التناوب التوافقي، فلقد جال المغرب طولا وعرضا يلقي المحاضرات، ويقدم العروض التي يشرح فيها للمناضلين مخاطر قبول المشاركة في حكومة التناوب، وأدلى بتصريحات صحافية عدة في هذا الصدد، وشارك في ندوات، وأصدر بيانات تصب في نفس السياق، وأعرب عن موقفه المعارض للتجربة في داخل اللجنة المركزية، رفقة نجيب أقصبي وخالد السفياني، في ضوء ما سبق كيف للساسي أن ينتظر من الأستاذ النويضي، المستشار، الدفع في اتجاه الدمقرطة، من داخل تجربة كانت تبدو للساسي ميؤوس منها؟

 لقد كان تقدير محمد الساسي أن الوزراء الاتحاديين، وبمن فيهم الوزير الأول، في الظروف التي شاركوا فيها في الحكومة، لن يقدروا، على الدفع في اتجاه الدمقرطة، فهل سيتوقع الساسي أن مستشارا لدى الوزير الأول سيقدر بمفرده على ذلك؟ وهل الذي لم يكن الساسي ينتظره من اليوسفي، والأشعري، والمالكي، وولعلو، واليازغي، والراضي… سينتظره من النويضي؟؟ نحن إزاء تناقضات فاقعة، قد تكون نابعة من إرادةٍ في المجاملة لا غير…

يصعب على المرء أن يفهم قول النويضي: “كان لدي هدف هو أن أعرف الدولة من الداخل”، عن أي دولة يتكلم الأستاذ النويضي؟ هل لا يعرف الدولة المغربية حقا؟ وكيف لشخصٍ لا يعرف الدولة أن يكون مستشارا لوزيرها الأول؟ وهل للدولة داخلٌ وخارجٌ؟ وإذا كان لها فعلا داخلٌ وخارجٌ، فمبرر معرفة الدولة من الداخل كان بالإمكان لأي كان الاحتماء به للمشاركة في السلطة، إنها الذريعة التي قد يلجأ إليها ويتغطى بها كل الوزراء الاتحاديين الذين شاركوا في الحكومة، لمجرد المشاركة، وطمعا في الجاه، والسلطة، والمنفعة الشخصية، وكان أداؤهم فيها وبالا على الحزب وسمعته بين الجماهير الشعبية.

في كتابه تفاصيل سياسية، شرّح الأستاذ الساسي واقع الدولة المغربية من الداخل، وشخَّصه تشخيصا دقيقا، ولو كانت معرفة الدولة من الداخل هي التي تهم الأستاذ النويضي والتي حفّزته على قبول مهمة مستشار لدى الوزير الأول، كما ورد في تصريحه، لكان، قد اكتفى بالقراءة المتأنية لذلك الكتاب، ولكان قد خرج بالخلاصة التي يفترض أنه يبحث عنها، والمتمثلة في معرفة الدولة من الداخل، ولكان في غنى عن قبول مهمة مستشار لدى الوزير الأول للوصول إلى هذه الغاية.

وفي حوار 07 غشت 1999 الشهير الذي كانت قد أجرته صحيفة “الاتحاد الاشتراكي” مع الأستاذ محمد الساسي، والذي دعا فيه إلى الانتقال “من علاقة المخدومية التي تربط أشخاص الحاكمين بالمحكومين إلى علاقات جديدة قوامها المواطنة والقانون”، مؤكدا في الحوار على ضرورة “الانتقال إلى الملكية البرلمانية ( الذي) هو الأساس الذي ينبغي أن يُبنى عليه الإصلاح السياسي بالمغرب”، وأثار نشرُ الحوار في الجريدة حينئذ غضبا كبيرا في صفوف القيادة الاتحادية التي عاقبت الصحافي عبد الرحيم أريري الذي أجرى الحوار، ونشره بعيدا عن عيني الرقيب، فماذا فعل الأستاذ النويضي المكلف بملف حقوق الإنسان لدي اليوسفي، عقب هذه الحادثة التي تمت فيها معاقبة صحافي لقيامه بعمله المهني بإجرائه لحوار مع قيادي حزبي في جريدة الحزب؟

هل احتج السيد المستشار على هذا التصرف الصادر عن الوزير الأول الذي كان في نفس الوقت مديرا للجريدة؟

وماذا عن منع جريدتي “لوجورنال” و”دومان” من طرف اليوسفي؟

وماذا عن إقامته لحفلٍ تكريمي لإدريس البصري عقب إقالته من طرف الملك؟

هل صدر من النويضي ما يفيد بأنه كان يعارض هذه القرارات الصادرة عن الوزير الأول؟

بل ماذا فعل المستشار حين تبين له أن عراقيل كثيرة توضع في وجه الحكومة وتمنعها من أداء مهامها؟

هل استقال من مهمته بعد معرفته لحقيقة الدولة من داخلها؟؟؟

وكيفما كانت الأجوبة عن الأسئلة السالفة ، فإن مهمة مستشار لدى الوزير الأول، أو لدى أي وزير عادي يكتنفها الكثير من الالتباس في بلدنا، فوظيفة مستشار توحي وكأن الوزير الأول، قبل اتخاذه لأي قرار، يجمع مستشاريه من حوله، ويطرح عليهم الفكرة التي تخامره، ويناقشها معهم لساعات، وربما لأيام، يناقشها معهم من كافة جوانبها، ويجادلونه ويساجلون حولها، إلى أن تكتمل الفكرة، وتتطور، وتتدرج، وتتحول، بمعية المستشارين، إلى قرار، ووقتها يعلن الوزير الأول عن هذا القرار ويتبناه، ويترجمه إلى حيز الواقع، في شكل تدابير وإجراءات حكومية، فهل هذا هو الجاري به العمل في المغرب؟

للأسف، الأشياء لا تتم على هذا النحو في بلادنا، فالقرارات، في غالبيتها العظمى، تأتي من المؤسسة الملكية، والوزراء الأولون، ورؤساء الحكومات، والوزراء العاديون يكتفون بتنفيذها، وهم يصرحون علانية بذلك، ولا يتحرجون في القول بأنهم لا يقومون إلا بتنفيذ الأوامر الملكية السامية، فكيف يكون للوزير الذي لا يعدو كونه منفذا للقرارات، مستشارون؟ وحوْل ماذا سيتشاور معهم؟ قد يكونون مساعدين له، يكلفهم بتحرير بعض المذكرات الإدارية، أو بحضور بعض الاجتماعات العادية، وموافاته بتقارير إخبارية عما راج فيها، أما التشاور معهم، فليس لديه ما يشاروهم حوله، لأن الوزير نفسه لا يملك القدرة على اتخاذ القرار الذي يستوجب الاجتهاد والمشاورة…

عبد الرحمان اليوسفي أفصح عن هذه الحقيقة المُرَّةُ من بروكسيل بعد عدم تعيينه من جديد، كما كان يأمل، وزيرا أول، رغم أن الاتحاد الاشتراكي قد احتل المرتبة الأولى في الانتخابات، وتم تعيين بدلا عنه التكنوقراطي إدريس جطو، فلقد قالها اليوسفي بصراحة، وكان مضمون تصريحه على الشكل التالي تقريبا: كانت لدينا حكومتان، الأولى رسمية والثانية في الظل، وكانت الحكومة الرسمية تُساءلُ وتحاسب، في حين كانت القرارات تُتَّخذُ من طرف حكومة الظل، دون أن تخضع للمراقبة البرلمانية أو غير البرلمانية، فهل هناك وضوح أكثر من هذا الوضوح، وهل في ظل وضع سياسي من هذا الصنف يحتاج وزراء الحكومة الرسمية إلى مستشارين؟؟؟

شارك الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *