قتل الإناث.. إجرام يسري في دم كل المجتمعات

قتل الإناث.. إجرام يسري في دم كل المجتمعات

باريس- المعطي قبال

   تأتينا كل يوم أخبار يتحول فيها الزوج تحت مفعول الخمر أو بسبب غيرة عمياء أو مشاكل مالية، يتحول إلى مجرم تافه. ويجد الإعلام في سفك دم الزوجة مادة دسمة تعرض خلالها صور الضحية والمدية الملطخة بالدم أو الأداة التي قتلت بها. ثم تقف الشرطة على مكان الحادث لتعتقل الجاني ويقف الوزير أو الوزيرة للتنديد أمام الكاميرات بهذا الشنيع والتعبير عن المواساة للأطفال. بعدها تعود الأمور إلى نصابها وكأن شيئا لم يكن!  

   وإن اختلفت الطرق والأساليب يبقى وأد الإناث واحدا ولم يسلم من هذه الممارسة أي مجتمع.  بصفته ظاهرة كونية فإن قتل الإناث قديم قدم طرد آدم وحواء من الجنة. اليوم لا تتستر المجتمعات وبالأخص المجتمعات الديمقراطية على قتل الإناث أو حتى تعنيفهن. وبفضل نشاط بعض الجمعيات المناهض لهذه الظاهرة بدأت الأرقام تنطق بحقيقة القتل والتعدي مع تحليل أسبابه وطرق معالجته سيكولوجيا وقضائيا، مع العلم أن الحلول السحرية الناجعة لم توجد بعد.

في فرنسا فإن الاهتمام بمتابعة هذا الملف حديث العهد. في السابق كان قتل الإناث من باب المنوعات. اليوم خصصت للمشكل وزارة في اسم الوزارة المكلفة بالمساواة… نظمت مظاهرات ومناظرات في الموضوع، وقعت عرائض، نشرت إحصائيات وبدأ الرأي العام الفرنسي يعي أهمية هذا الإجرام الذي لا يزال يسري في جسد المجتمع.

هكذا كشفت وزارة الداخلية الأسبوع الماضي النقاب عن ضحايا العنف بين الأزواج لعام 2021، مبينة أن 122 امرأة قتلن على يد أزواجهن أو أزواجهن السابقين بعد الطلاق. وقد ازدادت النسبة بـ 20 في المائة مقارنة بسنة 2020 . فيما قتلت 146 عام 2019 امرأة مقابل 121 عام 2018. هناك إذا تزايد في وتيرة قتل الإناث، الشيء الذي أثار حنق العديد من الجمعيات المدنية التي تعمل في الميدان. وقد قارن البعض بين ما قامت به إسبانيا التي يساهم كل مواطن بها بـ 16 أورو شهريا لمحاربة هذا الوباء، مقابل 5 أورو التي تخصصها فرنسا لما سمي بـ «الإرهاب العائلي».

 حقق الاهتمام العلمي بهذه الظاهرة خطوات أساسية. انكب مؤرخون، علماء سوسيولوجيا وأنثروبولوجيا، علماء إحصاء، ناشطون على المواقع الاجتماعية، انكبوا من جديد على قتل الإناث لإعادة النظر في الاستراتيجيات النظرية الدينية، السياسية والأيديولوجية التي حرفت المقاربة العلمية الجادة للظاهرة.

في هذا الإطار تندرج الدراسة الجماعية التي أشرفت عليها كريستال تارو بعنوان يمكن ترجمته بـ «نساء تحت القتل». والمؤرخة متخصصة في تاريخ المغرب العربي الحديث، في تاريخ النساء، في الجندر والجنس في المجال الكولونيالي. كما أنها أستاذة بجامعة كولومبيا. يقع الكتاب في 928 صفحة، وجند 100 متخصصة ومتخصص، وجمعويات، مناضلات، وشخصيات سياسية،. وقد سبق لكريستال تارو أن أنجزت بحثا قيما عن الدعارة ببلدان المغرب العربي، ما بين 1830 و 1962. يقدم هذا البحث الوازن قلبا وقالبا (يزن الكتاب أزيد من 2 كيلو)، جردا للحالات التي مرت منها المرأة بحد النار والسوط والتصفية. استعملت في حقها أساليب وحشية من تنكيل، شنق، اغتصاب باسم مطاردة واصطياد الساحرات الخ… وحسب إحصائيات قدمتها الأمم المتحدة قتلت في العالم 47000 امرأة وفتاة من طرف الزوج أو الرفيق أو من طرف أحد أعضاء العائلة.أي  امرأة كل 11 دقيقة. تعود المؤرخة إلى ينابيع وجذور هذا الحقد الدفين المناهض للنساء، لتعيد النظر في بعض الأفكار الجاهزة على غرار فكرة «الكاهنة» أو الساحرة التي تقول عنها تارو أنها من صنع الخيال مثلها مثل الهستيرية في القرن التاسع عشر. اصطياد الساحرات هو جريمة دولة. وقد ضافرت كل من الدولة والكنيسة جهودهما لاستئصال النساء. وفي هذا الإطار كتب بوكاتشيو في القرن الرابع عشر: «لا يوجد حيوان أكثر اتساخا من المرأة، بل وحتى الخنزير الذي ينقب في الوحل بلا كلل لا يصل إلى مستوى اتساخ المرأة». الهدف تشير كريستال تارو هو أن تبني النساء عالما آخر على أسس جديدة. وقد بدأ منذ مدة اقتحام حقل العلوم الإنسانية لابتكار مفاهيم وإشكاليات جديدة. لذا فإن قتل الإناث ليس انحرافا بل رمزا لنظام قديم يقوم على التقليل وعدم معاقبة أشكال وأنماط العنف التي تمارس على النساء وجرائم الحقد ذات الطابع الجنسي الممارس ضدهن. وتحمل المؤرخة النظام الأبوي، الباترياركي مسؤولية هذه الممارسة.    

  تساعد هذه البانوراما على رصد ومتابعة ظاهرة قتل الإناث عبر التاريخ ودلالتها في الوعي واللاوعي الجماعي. كما تعرف الدراسة القاريء على نصوص غير معروفة في الثقافة الفرنسية  تخص هذا الموضوع وتترجم لأول مرة . تعتبر كريستال تارو أن أقدم عنف ضد الإنسانية هو العنف الذي مورس على وضد النساء. لأنه عنف نسقي ونظامي  يضرب جذوره في مجتمعات  أصبحت فيها ظاهرة قتل الإناث جريمة دولة أي فعلا لا يؤخذ على محمل الجد وبالتالي جريمة بلا عقاب.  

Visited 7 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

المعطي قبّال

كاتب ومترجم مغربي - رئيس تحرير مساعد لموقع "السؤال الآن".