عن “جلجامش” وملحمة الباحثة اليهودية

عن “جلجامش” وملحمة الباحثة اليهودية

د. خالد العزي

في السنة الاولى من دراستنا في كلية الصحافة في جامعة سانت بطرسبورغ الروسية شكلت لنا مادة الأدب الميثولوجي مشكلة، كانت لغتنا في طورها الاول والقراءة ليست سهلة والتحضير للامتحانات صعب. لكن ليس بالامر حيلة، لأن المنهج موضوع للطلاب الروس، وهي مادة بالاساس سهلة جدا، إذا ما تم الاعتماد على مراجع من اللغة الأم أو مساعدة الطلاب الروس او الطلاب القدماء.

 وحسب تعريف الميثولوجيا، أنها “علم الأساطير المُتّصلة الآلهة وأنصاف الآلهة والأبطال الجغرافيين، عند الشعوب”. ومصطلح الميثولوجيا يُطلق على شيئين، الأول: دراسة الأساطير، كفرع من العلوم، يهتم بجمع الأساطير ودراستها وتفسيرها، والثاني: مجموع الأساطير والقصص الخيالية في أي ثقافة كانت يطلق عليها ميثولوجيا، سواء الإغريقية أو اللاتينية أو العربية.

أكثر تعريف شائع للميثولوجيا، أنها قصة مقدسة أو قصة عن الآلهة، لذا يستخدم العلماء كلمة “أساطير دينية”، للدلالة على هذا المصطلح. وعليه يمكننا القول، إنّ أغلب القصص المستندة إلى الميثولوجيا تعود إلى أساس ديني بحت، يتناول الآلهة، منذ أقدم العصور وحتى اليوم. 

مادة الادب الميثولوجي، التي وضعت في منهج التدريس كان لها أهمية كبيرة لطلاب الصحافة فهي تطلعهم على قصص العالم وتوسع مخيلتهم وهذا ما تطلبه أدبيات الصحافة العالمية.

تعرفنا على معلمتنا بروفيسور الادب الميثولوجي وهي إمرأة مسنة جدا قد تخطت عمر الثمانين لكنها كانت تعمل بشغف نظرا لحبها للمادة التي تعلمها، اتذكرها كيف كانت تمحي لوح الكتابة، ولانها تستعمل “الطبشور” الكلسي الخاص كانت تزيله بواسطة قطعة قماش مبللة بالماء والسكر،  وكانت تجلس في الصف لمتابعة الطلاب الأفارقة، وكانت تأكل طعامها البسيط في الصف أثناء التدريس .

كانت حالة الانهيار بدأت تطغيى على الطبقات السوفياتية والمجاعة كانت تدق الأبواب، لم أعد أتذكر سوى اسم ابوها مخيائيلفنا الذي ينادى بالشخص في روسيا احتراما له، لكن المفاجأة التي لم تكن معنية يتبريرها امام الطلاب، بانها تعمل على تدوين الذاكرة الشفهية للقصص الأفريقية المتداولة في الأوساط الشعبية لاصدار كتاب، وكان تواصلها مع الأفارقة لهذه الغاية، كونها تتقن بطلاقة الفرنسية والانكليزية وفي الأغلب كان الطلاب الافارقة القادمون الى الاتحاد السوفياتي من دول المستعمرات الفرنسية والانكليزية مع قلة من المستعمرات البرتغالية والاسبانية.

كان الطلاب العرب يعتبرون هذه المدرسة قاسية متآمرة عليهم ولا تحبهم لانهم عرب وهي يهودية ويعزون اليها سبب إخفاقهم الدراسي.

لاحقا عرفنا بأنها قامت ببحثها وجمعت المعلومات على مدى 12 عاما وارتكزت في التحليل  والمقارنة على القصص الافريقية المختلفة، ومن هنا كانت نقطة التقاء لأغلب طلاب القارة السمراء، وقد يعجز أي مركز تدريس في العالم على إرسال بعثات الى أهم دول القارة لكي تقوم بالتدوين.

والذي تم كشفه لاحقا للطلاب إنها المعلمة اليهودية فقدت هويتها بعد عامين من مولدها.

اجتزنا الامتحان بالرغم من حالة الخوف والبروباغاندا التي مورست علينا طوال الفصل الاول، كان السؤال الأول المطبوع والمعد للامتحان، عن ملحمة جلجامش، اين حدثت وكيف نقلت للأجيال.

تتحدث الملحمة عن الملك جلجامش الذي عاش في وادي الرافدين على نهر الفرات، قيل بأنّ ثلثيه اله والثلث الباقي بشر مما جعله يسعى مستميتا لمعرفة سرّ الحياة الخالدة، حيث يعتبر أول كتاب في تاريخ البشرية .

يبدأ التاريخ الأدبي لملحمة جلجامش بخمس قصائد سومرية في القسم الأول من القصة عن  جلجامش ملك الوركاء، وإنيكدو، وهو رجل جامحٌ خلقته الآلهة لوضع حدّ لطُغيان جلجامش على شعب الوركاء.

في الجزء الثاني من الملحمة، يدفع الأسى على موت انكيدو بجلجامش إلى القيام برحلة طويلة محفوفة بالمخاطر لاكتشاف سرّ الحياة الأبدية، الملحمة هي قصة شعرية طويلة، مليئة بالأحداث.

هي حكاية بطولية تخبر عن حركة جماعات أو حركة الشعوب وحركة القبائل وهي نموذج إنساني يُحتذى به، يفعل بحياته وسلوكه ما يمكن أن يطمح المرء لتحقيقه.

لقد برزت في الألف الرابعة قبل الميلاد إحدى أهم حضارات التاريخ، إن لم تكن أهمها على الإطلاق، ألا وهي الحضارة السومرية التي أنتجت فيما بعد ــــ إضافةً إلى المدنية والقانون ـــ فنونَ الكتابة المسمارية التي بقيت حكرًا على كتَبة المعابد، لتشريع ما يمكن تشريعه من أنظمة دينية، تقود المجتمع وفق ما يراه الكهنة من فعلٍ صائب لإرضاء الآلهة، ثم ما لبثت أن عممت بشكل من الأشكال، ونقشت على الألواح الطينية السومرية الأساطيرَ التي تمجّد الآلهة المتعددة، على شكل نصوص شعرية، حفظها التاريخ في متاحف العالم أجمع.

 تعد الملحمة السومرية الخالدة (جلجامش) أولَ عمل أدبي مكتمل، تجاوز حدود سومر، حلما سرمديا، يعاد ويُعاد ولا تشبع منه العقول، وعندما ضربت أمواج ذاك الحلم السومري العراقي الجميل شواطىء العالم المعاصر القريب والبعيد، احتل المكانة الأولى في أساطير الشعوب الإفريقية والآسيوية على حد سواء، وكل ذلك النقل الميثولوجي كان عن طريق الأدب عمومًا، والشعر خصوصا، حيثُ استطاع الكتبة تدوين تلك الملحمة الأسطورية كاملةً في سطور شعرية، على اثني عشر لوحا فخاريا، وعليه لا بد هنا من القول: إنّ الأدب هو الناقل الرئيس لحكايات الشعوب وأساطيرها، كما أن الميثولوجيا ترسّخت بشكلٍ جذري في الشعر والقصص، ليكونا (الأدب والميثولوجيا) متكاملين منذ القدم.

وكانت الاسئلة الاخرى تدور حول عقدة اوديب وعقدة الكترا والفرق بينهما… وسؤال تختاره المعلمة للاجابة عنه في الأدب الميثولوجي العالمي.

انهيت الاجابات وكانت تترقب اجاباتي بنظرات لا تخفي فيها الاعجاب بالرغم من اللغة المكسرة المشوهة التي لا تخلو من الخوف الذي حملته معي للامتحان  والحذر من الشباب .

اوقفتني البروفيسور وقالت: “يكفي ذلك بالتوفيق”.

جلسنا جميعا ننتظر علاماتنا التي تم توزيعها مكتوبة على دفتر خاص بالعلامات سيرافقنا طوال فترة الدراسة. لم يكن يومها يوجد كومبيوتر يحفظ الداتا فيه، فور تسليم الدفتر نظرت للعالمة فوجدتها 5 اي ممتاز لان الجيد 4 والمقبول 3 والسقوط 2 هذه علامات الاتحاد السوفياتي.

عندها نظرت بإستهزاء الى الطلاب الاقدم مني الذين سيطر عليهم  الفزع والمؤامرة والكسل والخمول بسبب الفودكا والنوم.

المهم تفاجأنا بعد عامين بصدور بحثها القيم الذي يعود فيه الفضل لديها وصبرها بتجميع مادة شفاهية .

وتم الاعلان في الجامعة عن توقيع كتابها، ذهبت الى كلية الاداب التي تبعد عن كليتنا مسافة  قصيرة، وبيدي باقة من الزهور لحضور التوقيع اشتريت الكتاب وعندها تكلمت معها بلغة روسية طلقة. أخبرتني عن انجازها والفترة التي قضتها في جمع المادة والمعاناة التي عاشتها في ترقب وتحليل المعلومات المأخوذة يدويا.

 سألتني كيف تمكنت من دراسة المادة بالرغم من كونها صعبة ولغتها صعبة التعبير، أجبتها بأني درست سنتين في الجامعة اللبنانية لمادة الفلسفة وكانت مادة أساسية وقد اجتزتها وهنا ساعدني الطلاب الروس لان لغتي الروسية ضعيفة لا تزال، فتعجبت وقالت ان قلة قليلة من الطلاب العرب يجتازون إمتحان هذه المادة ويحملونها لاعوام دراسية جديدة واحيانا يجتازوها بالتزكية كونها مادة اخيرة لهم.

تحية لروحها التي أصبحت في عالم اخر عام 2021.

Visited 3 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

د. خالد العزي

أستاذ جامعي وباحث لبناني