لا تعافي في مشروع “الكابيتال كونترول”

لا تعافي في مشروع “الكابيتال كونترول”

د. وفيق ريحان

الملاحظات الأساسية حول مشروع القانون (الوارد بالمرسوم رقم 9014) لوضع ضوابط إستثنائية ومؤقتة على التحاويل المصرفية والسحوبات النقدية “الكابيتال كونترول”.

إستندت الأسباب الموجبة لمشروع القانون أعلاه، الى وجود ظروف مالية وإقتصادية وإجتماعية ذات طابع إستثنائي يمر بها لبنان، وتراجع الثقة بالقطاع المصرفي محلياً ودولياً، مما إستدعى إعادة تنظيم العلاقة بين المصارف وعملائها بهدف التأثير إيجاباً في عملية التعافي المالي والإقتصادي، وحماية أموال المودعين، على أن تكون هذه الضوايط التي يتضمنها مشروع القانون المحال الى المجلس النيابي جزءاً أساسياً من خطة تعافي مالية وإقتصادية و مصرفية متكاملة تضعها الحكومة وتحدد بموجبها طبيعة وحجم تلك التدابير وفقاً لأهداف خطة التعافي. وحيث يفترض ذلك وضع شروط وحدود أو مستويات للسحوبات والتحاويل النقدية المسموح بها قانوناً، وبما ينسجم مع خطة التعافي ووضع القانون الذي يمنح شرعية إستثنائية ومؤقتة للإجراءات التي ينوي إتباعها، على قاعدة توزيع الأعباء(أو الخسائر) في ما بين مصرف لبنان والمصارف العاملة والمودعين بوجه عام، ومن أجل إعادة النهوض بالقطاع المصرفي الذي أمسى بأمس الحاجة الى إعادة هيكلته في أقرب فرصة ممكنة.

والملفت للنظر هنا، عدم وجود “خطة تعافي متكاملة” على هذا الصعيد، كما أن مشروع القانون هذا قد أتى متأخراً جداً، بحيث تمت أكبر عمليات “تهريب أموال” نحو الخارج لكبار المودعين والنافذين في السلطة  منذ بداية العام 2019 ودون إستكمال عمليات التحقيق الجنائي ذات الصلة، ووضع العراقيل أمامها من أجل عدم فضح أسماء مهربي الأموال وحجم الأموال المحولة نحو الخارج والمقدرة بعشرات المليارات من العملات الأجنبية، مما دعا صندوق النقد الدولي الى إشتراط وجود ضوابط إستثنائية على السحوبات والتحويلات النقدية بموجب قانون ذات طابع إستثنائي من أجل تمكين الحكومة اللبنانية من الحصول على بعض المساعدات المالية والقروض المشروطة، نظراً لإنعدام الثقة الدولية بإدارة السلطة في لبنان بوجه عام.

أما بالنسبة للمواد التي يتألف منها مشروع القانون المعني، فإننا نبدي ملاحظاتنا حول كل منها وفقاً للآتي:

المادة الأولى: “يهدف هذا القانون الى وضع ضوابط إستثنائية ومؤقتة على السحوبات النقدية وعمليات التحاويل الى الخارج وحيث ينبغي إضافة العبارة التالية إليها (بهدف منع تهريب رؤوس الأموال الى الخارج وتدهور سعر الصرف وحماية أموال المودعين).

المادة الثانية : (الفقرة 6). منصة صيرفة : هي منصة الكترونية لعمليات الصرافة، منشأة لدى مصرف لبنان، ويجب إضافة عبارة (ينبغي وضع تشريع نظام خاص بها مع ضرورة تحديد سعرالصرف خلال المدة الزمنية المحددة لنفاذ هذا القانون بعد تصديقه).

كما ينبغي إعادة النظر (بالفقرة 17 من المادة الثانية) المتعلقة بتحديد مفهوم “الأموال الجديدة” أو “الفريش ماني”، بحيث تشمل جميع التدفقات بالعملات الأجنبية كافة المحولة من الخارج الى حسابات مصرفية في لبنان، أو الإيداعات النقدية بالعملة الأجنبية التي تمت بعد 17 تشرين الأول 2019، وعدم إستثناء المبالغ المحولة عملاً بأحكام قرار مصرف لبنان (رقم 13262) تاريخ (2020/8/27) التي ينبغي إعادة إعتبارها أموالاً جديدة، بعد إنتهاء العمل بالقانون الحاضر.

المادة الثالثة: فيما خص تشكيل “لجنة خاصة” لغايات حسن تطبيق هذا القانون، والتي سوف تحدد آلية عملها بقرار يصدر عن مجلس الوزراء لوضع هذا القانون موضع التنفيذ، وحيث ينبغي إضافة العبارة التالية “وأن تتشكل من قاض من الدرجة 18 وما فوق، وثلاثة ممثلين من المجلس المركزي في مصرف لبنان يختارهم هذا المجلس كمنتدبين لهذه المهمة المؤقتة، بالإضافة الى خبيرين ماليين أو إقتصاديين يختارهما مجلس الوزراء بناء لإقتراح وزير المالية، على أن تحدد آلية عمل هذه اللجنة بموجب مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء”.

المادة الرابعة: فيما خص الإستثناءات على نقل الأموال عبر الحدود ومدفوعات الحسابات الجارية والتحاويل، إذ ينبغي إعادة النظر (بالفقرة 6 من المادة الرابعة) المتعلقة بالمدفوعات الجارية لمصاريف الطلاب المسجلين في الخارج، لجهة إعادة الإعتبار للقانون المتعلق “بالدولار الطالبي” النافذ سابقاً رقم (2020/189)، وإعادة تدقيق (الفقرة 7 من المادة الرابعة المتصلة بالخدمات التأمينية المراقبة من قبل هيئات الضمان لدى وزارة الإقتصاد) لأن رقابة تلك الهيئات ليست فاعلة وحيث ينبغي تشديد الرقابة على تلك الخدمات التأمينية وإخضاعها لقانون تبييض الأموال والإثراء غير المشروع ، وحيث لا ملاحظات حول المادة الخامسة، ننتقل لمعاينة المادة السادسة ذات الصلة بالسحوبات النقدية وخضوعها لضوابط وقيود تحددها اللجنة الخاصة فلقد نصت (الفقرة 2 من المادة السادسة) من مشروع القانون، على تحديد قيمة المبالغ المسموح للفرد بأن يسحبها شهرياً من حسابه المصرفي بما لا يزيد عن (الألف دولار أميركياً) شهرياً، بالعملة الوطنية أو بالعملتين معاً، وذلك دون أي تمييز بين صغار أو كبار المودعين، بما لا يتناسب مع حجم أو رقم الأعمال التجارية أو الإستهلاكية لكل منهم، وحيث ينبغي إيجاد ثلاثة مستويات للسحوبات الشهرية بما يتناسب مع حجم الإيداع بمقتضى هذا القانون، وذلك وفقاً لدراسة موضوعية وتقديرات اللجنة الخاصة والمجلس المركزي لمصرف لبنان.

المادة السابعة: المتعلقة بالتحاويل والمدفوعات المحلية وإستخدام حسابات القطع. لقد حددت هذه المادة القيود المفروضة على التحاويل بالعملة الوطنية والعملة الأجنبية بين المصارف، كما وإستخدام الشيكات وعمليات التحويل الى الخارج وفقاً للمادة الرابعة من هذا القانون، كما أجازت تحويل الأموال الى الليرة اللبنانية وإيداعها في حساب مصرفي بالليرة اللبنانية وفقاً للشروط التي تحددها اللجنة الخاصة، كما ألزمت السحب بالعملة الأجنبية ما قبل 17 تشرين الأول للعام2019، بحيث يلزم هؤلاء بتحويل عملتهم الأجنبية الى العملة الوطنية في حال شاؤوا سحب أموالهم وفقاً للتعميم 151 الصادر عن حاكمية مصرف لبنان (أي 8000 ل. للدولار الواحد) ، وحيث ينبغي إعادة النظر بتعددية أسعار الصرف المعتمدة من قبل مصرف لبنان والتي أصبحت حالياً خمسة أسعار، وبما يتلاءم مع التطورات الحاصلة على مستوى القيمة الشرائية للعملة الوطنية وإرتفاع أسعار الدولار الأميركي تجاهها، وتحديد سعر الصرف من أجل إنجاح خطة التعافي بشكل عام، وحيث لا ملاحظات حول (المادة الثامنة) . فلقد نصت (الفقرة 7) من (المادة التاسعة) من هذا القانون على إمكانية فتح حساب جديد بخصوص الأموال الجديدة دون سواها ، وحيث ينبغي تسهيل عمليات فتح الحسابات من الودائع القديمة من أجل تلبية حاجات المودعين القدامى، وفقاً للأصول التي ينص عليها قانون النقد والتسليف بوجه خاص وعدم حرمان المودعين القدامى من حقوقهم المشروعة وفقاً لمقدمة الدستور وللقوانين والأنظمة النافذة.

أما بالنسبة (للمادة العاشرة) المتصلة بمراقبة حسب تطبيق هذا القانون، من قبل اللجنة الخاصة ولجنة الرقابة على المصارف، وحيث تقوم لجنة الرقابة على المصارف برفع تقاريرها الدورية الى اللجنة الخاصة حول نتائج مراقبتها دون تحديد المهلة الزمنية، فإننا نقترح تحديدها شهرياً وحيث تدعو الحاجة، بالإضافة الى إبلاغ تلك التقارير أيضاً الى هيئة التحقيق الخاصة لدى مصرف لبنان للإطلاع على مضمونها. وحيث ينبغي إعادة النظر كلياً بمضمون المادة “الحادية عشرة” من هذا القانون لجهة فرض الغرامات المالية والإدارية والعقوبات الجزائية التي تحتاج الى المزيد من التدقيق. كما ينبغي إقتصار (المادة الثانية عشرة) على المقطع الأول منها، لجهة إتسام هذا القانون بصفة الإنتظام العام ومفاعيله القانونية ولجهة سريان هذا القانون على جميع الإجراءات القضائية مهما كان نوعها، دون إستثناء الدعاوى المقدمة سابقاً والمقامة ضد المصارف والمؤسسات المالية أو المنبثقة عنها مهما كانت طبيعة تلك الدعاوى، وإحترام الأحكام الصادرة بصورة نهائية عن المحاكم الأجنبية والمحلية.

وأخيراً، وبعد الإطلاع على تفاصيل (مشروع قانون الكابيتال كونترول) ، نستنتج ما يلي:

1 ــــــ كان ينبغي العمل على إعادة هيكلة القطاع المصرفي وإقرار قانون دمج المصارف وإعداد خطة التعافي الإقتصادي والمالي قبل الشروع بإحالة مشروع قانون الكابيتال كونترول على المجلس النيابي، وتوحيد سعر الصرف على منصة صيرفة لضمان مستوى أفضل من الإستقرار المالي والإقتصادي، ولجم التفلت في التقلبات الحادة على سعر الدولار الأميركي في السوق السوداء.

2 ــــــ إن الإستجابة العلمية والواقعية لشروط ومتطلبات صندوق النقد الدولي، تفترض إقرار الموازنة العامة في موعدها الدستوري، الأمر الذي لم يتحقق حتى تاريخه، كما يفترض وجود حكومة مستقرة ذات صلاحيات غير منقوصة، وليس حكومة لتصريف الأعمال كما هي حال الحكومة الحاضرة.

3 ـــــ إن وجود سقف مالي ضئيل للسحوبات النقدية والتحاويل بما لا يتجاوز قيمة الألف دولار أميركي شهرياً لا يساهم بصورة جدية في تنشيط الحالة الإقتصادية والإجتماعية عدا عن عدم التمييز بين المودعين الصغار والكبار، وإقتصار الإستثناءات الملحوظة على الفترة الزمنية ما بعد السابع عشر من تشرين الأول للعام 2019 بصورة غير منطقية بما يخل بمبدأ المساواة بين المودعين التي يفترضها قانون النقد والتسليف وقانون الموجبات والعقود.

4 ـــــ لا يعقل العمل على إقرار هذا القانون قبل إستكمال التحقيقات الجنائية حول عمليات تهريب الأموال نحو الخارج، والعمل على إسترداد ما أمكن منها، للمساهمة في رفع قيمة الرصائد المودعة لدى مصرف لبنان وحماية قيمة العملة الوطنية، وإستقرار سعر صرف العملة الوطنية ضمن حدود معينة.

5 ـــــ إن إحتواء مشروع القانون الحالي على ثغراته العديدة، لن يساهم في إقناع إدارة صندوق النقد الدولي بتقديم المساعدات، ولن يساهم في رفع مستوى التعافي الإقتصادي والإجتماعي في ظل الأزمات الراهنة، وقبل وضع الخطوات الإصلاحية موضع التطبيق الفعلي من قبل الحكومة ذات الصلاحيات الكاملة، وإنجاز الإستحقاق الإنتخابي لرئاسة الجمهورية دون أية مفاجآت أو عراقيل سياسية أو أمنية، بل إن إقرار هذا القانون بصيغته الحالية سوف يؤدي الى مزيد من التدهور الإقتصادي والمالي و الإجتماعي في المرحلة الراهنة لجهة إلقاء المزيد من الأعباء على أوضاع المودعين بالنسبة لإستمرارية إحتجاز ودائعهم من قبل المصارف، ومحاولة إشراكهم بصورة غير عادلة في عملية توزيع الخسائر، وحيث ينبغي تأجيل السير به الى ما بعد الإنتخابات الرئاسية المقبلة، وإستقرار الأوضاع الأمنية والإقتصادية والمعيشية في الوطن وبعد تخليصه من الشوائب التي تكاد تفرغه من مضمونه وتشكيل الحكومة العتيدة.

Visited 1 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

د. وفيق ريحان

أستاذ جامعي