اللعبة المضطربة لمجموعة “فاغنر” في دعم الجنرال حميدتي

اللعبة المضطربة لمجموعة “فاغنر” في دعم الجنرال حميدتي

ريم ياسين

   يغرق السودان منذ منتصف أبريل الماضي في حرب قذرة بين الجنرال عبد الفتاح البرهان الرئيس الفعلي للبلاد، وبين مساعده السابق رقم اثنان الجنرال محمد حمدان دقلو الملقب بحميدتي، هذا الأخير الذي يرأس كتائب المليشيا القويه لما يسمى بـ”قوات الدعم السريع”. وتحاول البلاد المجاورة التي تشهد على هذا الصراع الدموي القائم بسبب الكراهيه التي تجمع بين الضابطين، القيام بدور الوسيط.

   في هذا الإطار، تلعب روسيا ومجموعة “فاغنر” أدوارها بشكل منفصل ومعقد.

   تقول الباحثة في جامعة لندن للاقتصاد الأستاذة آن لوري مهي، إن الروس مثل جميع الفرقاء لديهم مصالح متناقضة. فروسيا في خطابها الرسمي تقف على مسافة واحدة من الفريقين المتنازعين. مظهرة أنها تتفادى اتخاذ موقف مع أي فريق حتى لا تخسر كل شيء. ؛يث أن السودان بالنسبة إليها هو عنصر مهم في غزو أفريقيا، ضمن مشروع قرره الكرملين خلال السنوات الماضية. وقد حاول بوتين الاستفادة من الروابط السابقة بين الاتحاد السوفييتي والسودان خلال حكم الرئيس النميري. بالتقرب من الرئيس السابق عمر البشير، وذلك بهدف الحصول على قاعدة عسكرية روسية على البحر الأحمر في بورسودان.

    ويقول الباحث في جامعة العلوم السياسية في باريس رولان مارشال، أن المصلحة الوحيدة لروسيا في السودان هي هذه القاعدة العسكرية. والحكومة هي الوحيدة التي تستطيع منحها. لذلك فإن موقف موسكو المعلن هو مع الشرعية.

 غير أن مجموعة “فاغنر” لا توافق على هذا الخط، أو على الأقل على جزء منه. فقد انتشرت هذه الشركة العسكرية الخاصة في السودان على خلفية التقارب الروسي- السوداني واحتلت مكانة مهمة.

يبدو أن نشاطات هذه الميليشيا هي مالية أكثر منها عسكرية. وذلك بخلاف تواجدها في دول أخرى.  حسب  

رفائيل شوفريون، الخبيرة في تجارة الذهب في مركز الأبحاث والتطوير في باريس، فإن مجموعة “فاغنر” تقوم بتجارة الذهب، وعملية إدارة أعمال هذه المجموعة في السودان تشبه ما يحصل في البلاد الأخرى. فقد أسست شركة محلية باسم “مارو غولد”، وعبرها تأسست عدة شركات صغيرة. وهي مرتبطة بشركة أخرى موجودة ضمن مجموعة شركات باسم “كونكور”. وهي مجموعة شركات غامضة يملكها مؤسس فاغنر. وأكثرية هذا الشركات صدرت في حقها عقوبات أمريكية. والمسؤول عن الذهب في السودان بالنسبة لمجموعة فاغنر هو ألكساندر كونت سوف، وهو عسكري سابق عمره 46 عاما، وهو على القائمة السوداء للاتحاد الأوروبي بسبب نشاطاته في ليبيا.

 تسليم أسلحة

   في السودان، تتألف هذه النشاطات من الاستثمار في القطاع المعدني الحرفي. وفق المحلل الخبير في تجارة الذهب،  فإن مجموعة فاغنر تشتري الرمل الذهبي المعالج جزئيا من قبل حرفيين. ثم تعيد تكريره، مستعملة تقنيات أخرى لاستخراج الذهب. وهذا مربح جدا.

    لإيجاد هذا الذهب، انصب اهتمام المهندسين الروس على منطقة دارفور الغنية بهذا المعدن الثمين. وفي هذه المنطقة الخطيرة لا يجرؤ سوى عدد قليل من المستثمرين على القيام بمثل هذه المغامرة. بينما تستفيد مجموعة فاغنر من قدراتها العسكرية. ويقول خبير في المنطقة “إن هذه المقاطعة تخضع لقوات الدعم السريع بزعامة الجنرال حمد تي وعائلته، ولديهم مصالح كبيرة هناك، مما أدى إلى تقارب بين حمد تي ومجموعة فاغنر. وقد نمت العلاقات وتعززت منذ سنة 2017 بين الضابط السوداني والمرتزقة الروس. فهما يعملان بنفس الطريقة، ميليشيا خاصة تعمل في ظل الدولة وبموافقتها.

 يبقى حجم تجارة الذهب السودانية لمجموعة فاغنر غامضا.

ضخامة التجارة السودانية لميليشيا فاغنر ما تزال غامضة. الوكالة التي تعطي التراخيص، وهي الشركة السودانية للموارد المعدنية، كانت قد أعطت 72 ترخيصا، من بينها 56 لفاعلين يوجد من بينهم ستة أو سبعة مرتبطين بهذه المليشيا، وليس من الممكن حصر وتقدير الأرباح التي تجنيها، حسب ما يقول هذا الخبير في تجارة الذهب. 

وفق مسؤول رسمي سوداني قابلته قناة “سي أن أن”، لا يقل عن 16 طائرة اتجهت، ما بين سنتي 2021 و2022، من السودان إلى الإمارات محملة بالذهب. وتهريب الذهب السوداني بشكل غير رسمي يقدر بمليارات الدولارات. وقد ربحت مجموعة فاغنر مئات الملايين ومولت حربها في أوكرانيا.

   والسؤال الذي يطرح. ماذا تقدم هذه المليشيات مقابل أرباحها؟

   على عكس حلفائها الآخرين، فإن السودانيين ليسوا بحاجة إلى مقاتلين. والمقابل إذن، هو تسليم أسلحة وتدريبات خاصة، وفق ما يقوله دبلوماسي في هذه المنطقة.

    عندما اجتاحت روسيا أوكرانيا في شهر فبراير 2022، كان التحالف بين حمدتي وفاغجنر في قمته. وقد قام الجنرال حمدتي الذي كان يعد الرجل الثاني في السلطة بالخرطوم بزيارة إلى موسكو.  فتجددت الاتفاقات بين المرتزقة والسلطات السودانية والكرملين.

   ولكن القتال الذي اندلع بين القائدين غيّرالمعطيات وعمَّق الخلافات، ليس فقط بين السودانيين، ولكن مع الروس أيضا. فبينما موسكو تلبس عباءة الحياد، لا تستطيع فاغنر قطع الجسور، فهي مرتبطة ارتباطا وثيقا بالجنرال حمدتي. بينما ينفي رئيس الميليشيا الروسية نفيا قاطعا انحيازه لأي فريق في الأزمة السودانية، غير أن نفيه لا يقنع أحدا.

   حسب صحيفتي “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست”، فإن المخابرات الأمريكية قد رصدت عدة رحلات جوية بين قواعد لمجموعة فاغنر في ليبيا ومواقع لـ”قوات الدعم السريع” في السودان لتسليم أسلحة. وقد اتصل قائد مليشيا فاغنر عدة مرات بالجنرال حمدتي. وأفادت مصادر من جمهورية أفريقيا الوسطى معلومات عن تسليم صواريخ محمولة ضد الطيران، وهي مفيدة جدا لـ”قوات الدعم ” للدفاع ضد غارات الجيش السوداني.

 الخط الدبلوماسي

   هذه الأسلحة حقيقية كانت أم لا، ليست حاسمة، ترى الخبيرة في جامعة لندن الاقتصادية آن لوري مهي، أننا نبالغ في دور فاغنر في الأزمة السودانية. فهم لا يملكون الوسائل للتأثير عليها. فإذا كان وجود مئات من المرتزقة في جمهورية أفريقيا الوسطى يغير المعطيات، غيرأن مستوى الحرب في السودان لا يسمح بذلك. فالجيش السوداني مدرب جيدا ويملك طائرات مقاتلة ومصفحات. وتتابع الباحثة أن التكلم عن تأثير فاغنر هو خط سياسي ودبلوماسي. وهو لا يعكس الوقائع. ولكن له تأثير حقيقي.

   وفق ما قاله وزير في بلد مجاور، فإن التأثير الأول هو تقارب بين الولايات المتحدة الأميركية والجنرال البرهان. إذ تبحث واشنطن لطرد روسيا ومليشيا فاغنر من أفريقيا. وبإمكان الأزمة السودانية إضعافهم في هذا البلد، مما يشكل نقطة مهمة. وهذا يضع أيضا حكومة أفريقيا الوسطى في وضع صعب، وهي المقربة من الميليشيا الروسية.

_______

بتصرف عن صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية، 29 أبريل 2023

Visited 6 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة