مرفأ اللوزة بوابة الهجرة المستحيلة إلى لامبيدوزا

مرفأ اللوزة بوابة الهجرة المستحيلة إلى لامبيدوزا

ريم ياسين

تقع قرية اللوزة، شمال صفاقس على بعد 150 كلم من مدينة لم لامبيدوزا الإيطالية، تلك الجزيرة الواقعة في أقصى جنوب إيطاليا، بين مالطا وتونس وتعد جزءًا من القارة الإفريقية من الناحية الجغرافية.

يوم الأحد الماضي، قتل شخص واختفى عشرة آخرون نتيجة غرق مركب للمهاجرين.

بعد 5 ساعات قضاها الشاب يانيك في البحر، وطأت قدمه الأرض ولكن من الجهة الخطأ للبحر المتوسط. فقد أوقف خفر السواحل التونسي يوم الخميس 6 تموز الشاب الكاميروني مع عشرات من المهاجرين الآخرين الصحراويين من قبل خفر السواحل مقابل شاطئ اللوزة  وهي قرية صيد صغيرة، تقع على بعد 40 كلم من مدينة صفاقس. هكذا اختفى مبلغ 2500 دينار أو ما يعادل 800 يورو  الذي دفعه للعبور إلى إيطاليا. 

على الشاطئ، وحدة من الحرس الوطني تنتظرهم وتحاول منع سكان القرية الفضوليين الذين أتوا للفرجة. نساء ورجال وأطفال يجبرون على النزول من المركب أمام أعين السكان الفضوليين الذين اعتادوا على هذا المشهد وشرطة  تتعامل بعصبية. 

يتصل شرطي ويطالب بتعزيزات وهو متوتر”لقد تركتونا وحدنا، لم يأت أحد بعد. هذا هو الوضع كل يوم وعدة مرات في نفس اليوم.

يخرج المهاجرون واحدا تلو الآخر من المركب ويصرخ رجال الأمن: “اجلسوا هنا ولا تتحركوا”، وهم يسحبون محرك المركب ويضعون جانبا صفائح المازوت الحاضرة للاستعمال لعبور المسافة التي تفصلهم عن لامبيدوزا الايطالية. 

المهاجرون الأفارقة والقرويون التونسيون وشرطة الحرس الوطني ينظرون إلى بعضهم البعض، بينما يراقب خفر السواحل مركبهم الذي رافق المهاجرين في العملية. وجود الصحفيين غير المتوقع في المكان زاد من حدة التوتر. يقول الشاب الكاميروني وبرفقته أخوه الأصغر بقلق كبير”هل سيأخذوننا إلى الصحراء؟ لا تتركوهم يفعلون ذلك، أرجوكم.

منذ أسبوع، طرد مئات من المهاجرين من مدينة صفاقس إلى مناطق صحراوية حدودية، قربة ساحل رأس جدير على الحدود مع ليبيا أو إلى الحدود الجزائرية ـــ التونسية. جاءت هذه العمليات في ظل التوتر الكبير الذي ساد بعد مقتل شاب تونسي  يوم الإثنين 3 من تموز  في شجار مع مجموعة من المهاجرين.

السلطات أوقفت ثلاثة رجال من الجنسية الكاميرونية، بينما اندلعت مواجهات عنيفة في أحياء عديدة من مدينة صفاقس. وقام تونسيون بالهجوم على المهاجرين وأجبروهم على مغادرة منازلهم.من بين المطرودين الشاب يانيك وشقيقه اللذين هربا من المدينة قاطعين عشرات الكيلومترات مشيا على الأقدام حتى وصلا إلى الغابة القريبة من شاطئ اللوزة. 

 منذ ذلك الوقت، تشهد منطقة صفاقس التحركات الغريبة. طوال النهار وفي الليل تحت جنح الظلام، تتحرك مجموعة من المهاجرين الصحراويين على طرقات المدينة المزروعة بالزيتون والشجيرات. يقول يانيك أن بعض الأشخاص كانوا يحملون مشتريات ومياه وقليل من الطعام وينقلون كل ذلك عدة كيلومترات سيرا على الأقدام. وقد نام وشقيقه ليلتين في الهواء الطلق إلى أن دفعت أختهما التي استطاعت الوصول إلى فرنسا منذ عدة سنوات المبلغ المتوجب للعبور في 6 تموز ظهرا.

 بالقرب من مرفأ اللوزة، يقوم حمزة وعمره 60 عاما بدهن مركبه الخشبي الصغير باللونين الأزرق والأبيض. لا يخفي هذا الصياد المتمرس مشاعره حيال ما يحصل في بلدته وهو الذي أصبح فجأة يصطاد الجثامين. فهو يجد أحيانا أجسادا بلا حياة في شبكاته.”في إحدى المرات، وجدت نصف جسد امرأة بحالة متحللة جدا لم أعرف كيف انتشلها  فتركتها في مكانها ولم أستطع أن أنام  عدة أيام”، يقول ذلك وصوته يرتجف.

يوم الأحد 9في  تموز،غرق مركب آخر ومات شخص واختفى عشرة و وأعلن عن اختفاء مواطنين تونسين. بالإضافة إلى الجثامين، تتمزق  شبكات الصيادين  بحطام السفن المستعملة  للعبور. يقول حمزة بأسف: “ليس عندي الإمكانات لشراء شبكات للصيد كل شهر”.

على طول الشاطئ حوالي اللوزة، نرى مراكب حديدية كثيرة أكلها الصدأ. وهي كما يقول الصياد من نوعية سيئة جدا، تبنى بكميات كبيرة وتكلفة أقل بكثير من المراكب الخشبية أو المطاطية أو المصنوعة من البلاستيك  التي كانت تستعمل سابقا لعبور البحر.”إنهم تجار الموت”، يقول حمزة مدينا المهربين وسياسة الهجرة الأوروبية والسلطات التونسية.

 في شهر حزيران، أعلنت المفوضية الأوروبية عن تقديم 105,000,000 يورو لمكافحة المهربين والاستثمار في مراقبة الحدود البحرية من قبل السلطات التونسية، بالإضافة إلى التعاون الثنائي مع روما وباريس. وفق مفوضية اللاجئين في الأمم المتحدة للاجئين، وصل إلى مدينة لامبيدوزا الإيطالية في الفصل الأول من هذه السنة، حوالي 30,000 مهاجر جاؤوا من تونس.

على الصخور المغطاة بالحشائش، توجد مئات من دواليب السيارات  التي تستعمل لإرساء المراكب على الشاطئ، عندما ننظر من الجرف، نرى جثة مهاجر بدأت بالتحلل  وأخرى على بعد أمتار وأخرى أصبحت هيكل عظمي.  لم يفكر أحد في دفنهم أو معرفة هويتهم. إنهم جزء من الذين اختفوا في البحر والكلاب تدور في المكان. المشهد يوحي بالجنة وبجهنم في نفس الوقت.

وصل الشاب الكاميروني عند الساعة الخامسة من بعد الظهر، ثم أفرج عنه على الشاطئ مع مجموعته. وهو يؤكد لنا أنهم تركوا على الشاطئ لأننا كنا موجودين ولولا وجودنا لكانوا أخذوهم إلى الحدود. 

في المساء، قطع مع أخيه عشرات الكيلومترات سيرا على الأقدام للوصول إلى مدينة صفاقس، وعند وصوله إلى محطة القطار الساعة 3:00 صباحا، أقنع رجل عجوز بشراء تذكرتي سفر إلى تونس.

 وأخيرا، وصلا إلى تونس بخير”يجب علي الآن أن أجد عملا. هنا، الوضع مقبول أكثر”.

بالرغم من هذه التجربة، هو لا يزال مقتنعا أن مستقبلا أفضل ينتظره في الجهة الأخرى من البحر المتوسط.”عندما يصبح عندي بعض المال، سأجرب حظي مرة أخرى. العودة إلى بلدي ليست خيارا بالنسبة لي”.

بتصرف عن “لوموند” الفرنسية

Visited 6 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة