فرانز كافكا في ذكرىَ رحيله.. إبداعاتُه تلامسُ حُدودَ اللاّمعقول وتسبرُ متاهات الجُنُون (2-2)

فرانز كافكا في ذكرىَ رحيله.. إبداعاتُه تلامسُ حُدودَ اللاّمعقول وتسبرُ متاهات الجُنُون (2-2)

    د . محمّد محمّد خطّابي

     في القسم الأوّل من هذا المقال الذي تفضّل بنشره مشكوراً هذا الصّرح الإعلامي والثقافي المنيف، رأينا كيف صارع كافكا الحياة، وواجه الدّاء والأعداء الذي كان ينهش أحشاءه. وكافح بكلّ ما أوتي من قوّة حتى لا يُساق أو يُقتاد إلى المُحاكمة من دون اِقترافِ أيِّ  ذنبٍ أو جُنحٍ، أو جُرمٍ، أو جِنايةٍ، يُساق إلى حبل المشنقة قهراً، وقسراً، وعنوةً بعد أن أُرْغِم على إرتداء ثوب العيْش دون اِستشارته كما قال قبله بقرون الشاعر “عمر الخيّام” في رباعيّاته  الشهيرة: لبِسْتُ ثوْبَ العُمر لم اُسْتشرْ/  وَحِرْتُ فيهِ بين شَتىّ الفِكَرْ!، لقد كافح كافكا من أجل تثبيت قيم إنتاجه الأدبي، كما أنه لم يهدأ من خوض هذه المعركة مع نفسه، ومع المجتمع، ومع أعدائه، وخصومه، لم يهدأ سوى عندما أُخبر عام 1917 أنه يعاني من مرضٍ عُضال لا شفاء ُينتظر منه وأنّ الموت قادم إليه بعيونه الجاحظة المُرعبة.

    وفى القسم الثاني الموالي من هذه الدراسة، سنسلّط الأضواء  الكاشفة على كتاب طريف للكاتب والناقد الفرنسي “موريس بلانشُو” عن هذا الكاتب والقاصّ التشيكي، الذائع الصّيت عالمياً  فرانز كافكا تحت عنوان: “من كافكا إلى كافكا ” (نقل مؤخراً  إلى لغة سيرفانتيس)، هذا الكتاب لا يمكن للقارئ أن يتخلّص منه بسهولةٍ ويسر، يلقي فيه مؤلّفه الأضواء باحترافية عليا على حياة هذا الكاتب الذي لامست كتاباته حدودَ اللاّمعقول، وسَبَر فيها متاهات ودهاليز الحمق والجنون، والذي ما فتئت أعماله الروائيّة والقصصيّة تثير ردود أفعالٍ متباينة في مختلف الأوساط الأدبية في العديد من بلدان العالم بما فيه العالم العربي. يشير “بلانشو”: أنّ الكتابة عند ” فرانزكافكا ” هي تأكيد  وجوده حيال إستحالة تحقيق الحبّ، وهو بمعاناته  الجوّانية، وعذاباته الداخلية، وبعزائه ومواساته لنفسه إنّما يحاول تفجير ما يعتمل  في أعماقه من صراعات، وتناقضات، وتساؤلات، ومناوشات وتحويلها إلى صور، وأخيلة خارج ذاته عن طريق الكتابة والخلْق والإبداع. فصراحته المفرطة تحيل أعماله إلى نوعٍ من الاعتراف المكشوف الذي  يحلّق به وبكتاباته  الغرائبية  ما  وراء حدود الوجود، وهنا تكمن فكرة فشله أو إحباطه، ومعاناته التي تعتبر  بالنسبة له فراراً، وهروباً، أو ملاذاً، أو إنعتاقا، أو بالأحرى تحرّراً من قيود الزّمن و عتوّه جبروته.

التحوّل.. تفجير لما كان يعتمل  في أعماقه من صراعات

   وقد ظهر ذلك بوضوح في أعماله الروائية المحيّرة والمذهلة على وجه التحديد في روايته Métamorphose ”  أو  “التحوّل”، يشير الصديق الناقد/ القارئ المُجدّ الأستاذ عبد القادر الحلوي في هذا الخصوص: “قرأتُ سابقاً كتابه (روايته ) الآنفة الذّكر سابقاً، ولقد أذهلتني طريقة وصفه لـ “التحوّل” الذي سيطرأ على بطل الرواية عندما استفاق من نومه فوجد شخصاً آخر غيرَ نفسه، وجد البشاعة مباشرةً أمامه، وهو ملتصقٌ بسريره على شكل وحش حيوانيّ رهيب بمخالب Tentacules كبيرة مذهلة ومُخيفة تمنعه من القيام الى آخر الرواية… الواقع أنّ البشر بصفة عامة يتعايشون بشخصية ظاهرة وأخرى مختفية تثير الرّعب حتى في صاحبها. اليوم يظهر أننا بشر نعيش في مجتمعات بهيمية وحيوانية وما يقع من حروب، وتقتيل،وفتكٍ، وتدمير، وتشريد لبني البشر لهو شيء فظيع جداً! كان فرانز كافكا يحبّ الكتابة ويجد فيها ملاذه أمام المسخ البشريّ المُستشري، وهو الذي كان يقول: (الكتابة شكلٌ من أشكال الصلاة)، وهو الذي كان يقول  أيضاً من جهةٍ أخرى: (يا له من جهدٍ أن تبقى على قيد الحياة)! إنه هنا كمن يريد المغادرة باكراً عن هذه الحياة البئيسة والممسوخة، وبالفعل لقد تحقّق له ذلك  فلم يعش أكثر من 41 سنة ثم غادر دنيانا في هدوء”.

انقباض وتشنّج وشكّ وحيرة وقلق

   قارئ كافكا  يبدأ معه رحلة  الشكّ والقلق في عالم  غريب من متاهات الصّمت، والصّخب، واللّجب، والدّأب، والارتياب في مختلف أعماله الإبداعية، وهذا  الاتجاه عنده يمثّل ضربا من التحدّي  ينطوي على أخطار محدّقة. ويقاسم  القارئ الجادّ هذا الشّعور مع كافكا،  وتجسّم كتاباته  مختلف المخاطر والأهوال  والصراعات التي عاشها أو تخيّلها هذا الكاتب المنكود. ويشعر القارئ  بنوعٍ  من الانقباض، والتشنّج يعتريان ضميره وهو يبدأ رحلة الشكّ والحيرة والقلق، الغموض  مع الكاتب المُعنّى. فلا يجد ملاذاً من مشاركته مشاغله، ويشاطره مشاكله، ويقاسمه معاناته، على إمتداد حياته القصيرة باعتباره كاتبا يسجّل كلّ ما  يشعر به ويتراءى له وما يعتمل في داخله من تخوّفات، وتوجّاس، وتردّدات، فضلاً عن الوحدة، والعزلة التي كان يعانيها مع نفسه وذاته، فضلاً عن هوس الإنقاذ الذي كان يعتبره إدانة صارخة مسبّقة للوجود. وهي فكرة قديمة تستمدّ أصولها، وتستقي ينابيعها من بعض التعاليم والأقانيم والترانيم  والتراتيل القديمة عند اليهود.

   الكاتب والناقد الفرنسي “موريس بلانشو” في هذا الكتاب ينطلق من مغامرة لمحاولة كشف وإماطة القناع عن جوانب غامضة ومبهمة في حياة كافكا وأدبه، ويعيد النظر  في مهمّة الكتابة وفي مغزاها انطلاقا من الجوانب التي قد تبدو سهلة أو عسيرة، أو مظلمة او منيرة عند البعض لتصل في الأخير إلى فهم  الهوّة السحيقة التي يتردّى فيها الكاتب. وهكذا يحاول هذا الناقد تحليل مهمّة الكاتب انطلاقا من كلماته، ومكنوناته، ومعاناته، ومشاغله.

كتاباته إدانة صارخة للوجود

   واجه فرانز كافكا الموت ليس كموقف درامي، بل إنّه حاول من جرّاء كتاباته استيعاب أو فهم هذا الشعور المأساوي والحدث الدرامي، وهو لم يجد  في الأدب  وسيلة فقط  لتحقيق غاياته  أو مآربه، بل  إنّه وجد  في الكتابة  نوعاً من  الفرار  أو الخلاص، أو منفذا، أو ملاذا، أو إنقاذا لفداحة الموقف الذي يتردّى فيه حيال حياته  المضطربة وتعنّت والده الجبّار. وأمام هذا النغوص أوالعذاب كان على كافكا أن يجد الإجابة بواسطة هذا الغموض ذاته، فالحديد لا يفلّ إلاّ بالحديد. وهكذا فجذوة الأدب عنده  كانت  تشكّل نوعاً من  الغموض نفسه مثلما  هو الشأن عند الألماني “ريلكه “، أو الفرنسي “مالارميه”، اللذين كانا يريان أنّ الأدب الجيّد لا يمكن فهمه أو إدراكه أو الوصول إليه،  إلاّ  بقدر باهظ  وكبير من الذكاء، والفطنة والتفكير، والمعاناة، والمكابدة والصّبر، فكثير من الأعمال الأدبية العظيمة هي أعمال غير مريحة، أو سهلة أو مستساغة الفهم بسهولة ويسر، و”التفكّك” الذي قد تحدثه بعضها لدى  قارئيها قد يكون في آخر  المطاف “تركيباً ” أو بناءً يغدو فى آخر المطاف عنصراً من عناصر الأمل أو فسحة من فسح الانفراج .

    ويتساءل بعض النقّاد: هل  تحنل كتابات فرانز كافكا بين ثناياها بذرة الموت الذي يشكّل  عنده هو الجانب السّلبي والقّسري للحياة.  فالموا عنده لا يسلب المرء حياته وحسب، بل حرّيته كذلك، وهكذا تصبح الحياة فارغة وتافهة وعبثية وغير ذات مدلول ولا معنى. الناقد الفرنسي “موريس بلانشو” يقوم بمراجعة متأنيّة لبعض كتابات كافكا مثل “اليوميّات” ومراسلاته، وكتاباته الذاتية في محاولة منه لاستدراك عمقه وإستكناه سرّه، وهوسه في معانقة  العزلة و الارتماء في  أحضان الآلام كما إنه سلّط الأضواء  على الدّور المحوري الذي اضطلع به  “ماكس برود” في حياة هذا الكاتب المعنّى وإخراج أعماله إلى النّور، وإماطة الستار عن النساء اللواتي تصادفن معه في حياته أمثال “ميلينا فيليس باور”، و”دورا ريمان”، و”جولي ووزيزيك”، فضلاً عن المرض الفتّاك الذي حاق به وصار ينهشه، ثمّ أخيرا الذنب الذي كان ينتابه ويلازمه ويستشعره.

احتجاج صارم وصيّاح مكتوم

    يؤكّد لنا “موريس بلانشو” في كتابه أنّ ثقة كافكا في”الكلمات” هي عنده ثقة استثنائية، وهو يعتبر  أنه منذ اللحظة الأولى التي يبدأ يزاول فيها عملية الكتابة يدين الوجود، فالتطلّع نحو الآمال يغدو  في بعض الأحيان ضربا من تحقيق هذه الآمال. وعليه فإنّ الأدب عنده هو نقطة تلاقي المتناقضات، وتلاقح المضادّات، فقد يحدث أحيانا أنّ الكاتب الأكثر بعداً عن الحياة يغدو هو الأقرب منها. وكافكا كان واثقا من رسالة الكتابة، والخلْق، والإبداع. واختياراته في هذا المجال كانت واعزا ثابتا، وحافزا قويّا للمضيّ في هذا السبيل، ولو على حساب سعادته، أو تعاسته، أو حياته، أو حبّه، أومرضه، ثم موته في آخر المطاف. وهو في هذه المراحل جميعها يشعر بثقل الذنب، وبصخرة سيزيف التي تنوء بكاهله، وهو لا يذعن أبدا  لأعراف الحياة، والمجتمع، فالزّواج عنده، والتديّن، أو الإيمان  أو الإدمان، كلّ ذلك بالنسبة له يكمن في الكتابة التي يرى فيها إلتزاما ذاتياً بعيداً عن الدّلالة  الثورية للكلمة، بل هو التزام مع قدَره، ومصيره. فالمسألة أو القضيّة تمسّ عنده أبعد من المحيط ، أو الوسط، أوالبيئة، أو المجتمع الذي يعيش فى كنفه، بل إنّها تشمل الوجود ذاته، هذا الوجود الذي وضعه في قفص الاتّهام دون ذنب ارتكبه، غير ذنب الوجود القسري نفسه. ومعه عالم القيم، والمبادئ، والتقاليد، وهو في هذا الخضمّ لا يملك سوى سلاح الكتابة التى تصبح عنده   احتجاجاً صارماً وصيّاحا مكتوما.

    وأشير في آخر هذه العجالة إلى التذكير ببعض مؤلّفات فرانز كافكا، وهي:  رسائل إلى ميلينا، طبيب ريفيّ، التحوّل (أو المسخ)،  القلعة، رسائل إلى والدي، المحاكمة، أمريكا، في مستعمرة العقاب، أمام القانون، تأمّل، فنّان جوع، سور الصين العظيم، رسائل إلى فيليس، الرجل الذي اختفى.جوزيفينه المغنية، أو شعب الفئران… وسواها من الأعمال الأخرى التي طمسها الزّمن وطالها التلف والنسيان والزوال.

Visited 4 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

د. محمد محمد الخطابي

كاتب، وباحث، ومترجم من المغرب عضو الأكاديمية الاسبانية- الأمريكية للآداب والعلوم بوغوتا كولومبيا