لبنان يغرق في الظلام وعتمات الفساد

لبنان يغرق في الظلام وعتمات الفساد

درويش حوحو

يعيش اللبنانيون في ظل عتمة شبه شاملة، جراء انقطاع التيار الكهربائي وتوقف معامل الطاقة عن العمل، بسبب السياسات القاصرة للمسؤولين عن هذا القطاع الحيوي والتنازع السياسي على السلطة والإصرار على سياسة المحاصصة في كل المشاريع والمؤسسات. فالفساد المستشري في وزارة الطاقة والذي تفاقم خلال السنوات العشر الأخيرة. كلف خزينة الدولة ما يزيد على أربعين مليار دولار امريكي، دون تحقيق أي إنجاز يذكر، على الرغم من الخطط والمشاريع المتعددة لإصلاح هذا القطاع والنهوض به، عبر بناء مصانع جديدة لتوليد الطاقة وصيانة ما هو موجود بغية تأمين احتياجات البلاد من التيار البالغة ثلاثة الاف ميغاوات.  

وبدلا من بناء المصانع، لجأ الوزراء المتعاقبون على وزارة الطاقة (معظمهم من المنتمين لـ “التيار الوطني الحر” الذي يتزعمه اليوم النائب جبران باسيل صهر رئيس الجمهورية ميشال عون، وقبلهم كان يتسلمها وزراء من حركة “أمل” المعروفة بتحالفها مع نظام دمشق قبل خروجه من لبنان عام 2005 إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري)، إلى مشاريع تفوح منها روائح الفساد والسمسرات مثل استئجار البواخر التركية، لتأمين الطاقة بأسعار خيالية، كلفت خزينة الدولة مليارات الدولارات، كان بالإمكان استخدامها لبناء محطات جديدة وحل الأزمة، علما أن الدولة عجزت عن دفع مستحقات شركات أصحاب البواخر، ما دفع هذه الأخيرة إلى الانسحاب وربط نزاعها مع الدولة لتحصيل أموالها. 

وآخر البدع، النقاش الدائر داخل حكومة الرئيس الحالي نجيب ميقاتي بشأن خطة النهوض بالكهرباء، إذ تلحظ هذه الخطة المقدمة من وزير الطاقة العوني وليد فياض صديق باسيل المقرب، الحصول على سلفة خزينة بمبلغ خمسة آلاف مليار ليرة لبنانية، تحت مسمى الصيانة وتركيب عدادات ذكية ورفع تسعيرة الكيلو واط ساعة بمقدار أكثر من عشرين ضعفا عن السعر الحالي، دون التطرق إلى إنشاء مصانع جديدة لتوليد الطاقة وإصلاح الإدارة وإنشاء الهيئة الناظمة للقطاع، مع وعد “بتأمين التيار بعد سنوات خمس”، ما يعني أن المواطنين دفعوا فاتورة سلفة الخزينة من جيوبهم وأموالهم دون الحصول على التيار أو توقع أي تحسين.  

وهكذا لم يعد التيار الكهربائي يزور منازل المواطنيين إلا ساعة أو ساعتين يوميا، فيما قصور المسؤولين وأماكن سكنهم تتزود به أربعة وعشرين على أربعة وعشرين يوميا. وما زاد الطين بلة، حالة الانهيار العام الذي ضرب البلاد خلال السنتين الأخيرتين، والذي طال المرافق والمؤسسات التجارية والصناعية جراء انهيار سعر صرف الليرة، ما أدى إلى عجز مؤسسة الكهرباء، عن تأمين الموارد المالية لشراء مادة الفيول لتشغيل المصانع المتوفرة وإجراء الصيانة الضرورية.

 أمام هذا الواقع المذري، لجأ المجتمع الدولي إلى حل جزئي لتأمين شراء التيار من الأردن، بمعدل ميتين وخمسين ميجاوات. وهو مشروع لم يتم إنجازه حتى الآن، وتأخر عن موعده ثلاثة أشهر، وما زالت وعود المسؤولين تتوالى وتدعو المواطنيين للصبر. 

أما مشروع إمداد لبنان بالغاز المصري، والذي في حال تأمن يمكن أن يساعد في توليد حوالي أربعمائة ميجاوات، ولكن أمام هذا المشروع صعوبات تتعلق بملف العقوبات المفروضة على سوريا بموجب قانون قيصر. إذ أن أنابيب خط الغاز العربي يمر من مصر إلى الأردن ثم إلى سوريا ومنها إلى لبنان.

وهكذا تستمر الأزمة في الدوران والمواطن يعاني الأمرين، والمسؤولون لا يرف لهم جفن. 

وما زاد من حجم الأزمة تحكم أصحاب المولدات بأسعار التيار، حيث انتشرت في أرجاء البلاد، شبكات المولدات كتجارة رابحة برعاية المسؤولين وتضامنهم. وكل آخر شهر، تزداد تسعيرة الكيلو واط ساعة، حتى وصلت إلى حوالي تسعة آلاف ليرة لبنانية، مما حمل المواطن اللبناني أعباء إضافية على الأعباء التي تفتك به وبمعيشته. اذ لا تقل فاتورة التيار شهريا عن مليون ليرة لبنانية، فيما الحد الأدنى للأجور لا يتجاوز سبعمائة ألف ليرة. ما اضطر آلاف المواطنين إلى التوقف عن الاشتراك بالمولدات واللجوء إلى الشمع لإضاءة ظلام لياليهم وحياتهم. 

وهكذا تتراكم الأزمات المعيشية والحياتية للمواطنين الذين وعدهم رئيسهم بجهنم. فإذا بهم يمضون لياليهم بالعتمة والفقر والجوع والأمراض تفتك بهم وبأطفالهم مع فقدان القدرة على تأمين أبسط موجبات العيش. ورغم كل هذا الظلام رغم الآلام والتعب والقلق يطلب رئيس حكومة اللبنانيين منهم قائلا: “معلش بدنا نتحمل بعض”، وكأن الشعب اللبناني ما تزال لديه القدرة على التحمل.

Visited 3 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

درويش حوحو

كاتب وناشط سياسي