صرخة الهوية المهاجرة.. حين يصبح اللجوء ملاذًا للكرامة
♦بين اللجوء كجرحٍ تاريخي واللجوء كطوق نجاة أخير، تتبدى مأساة جيل لبناني وجد نفسه عالقا بين سندان الانتماء ومطرقة الانهيار… هذا النص ليس مجرد توصيف لرحيل، بل هو تشريح وجداني لقرار مرّ، حوّل كلمة لاجئ وصمة انكسار إلى صرخة حرية.. إنه اعتراف شجاع وقاس بجيل آمن بالبقاء حتى استنزفه الصمود، فقرر أخيرا أن يبحث عن “وطن الكرامة” حين ضاق به “وطن التراب“./ المحرر
محمد ابراهيم حوحو
في كل مرة كانت تُدوّن فيها كلمة “لاجئ“، كانت تُحمَّل بثقل الألم ومرارة الانكسار؛ فالمعنى كان دوماً يعني اقتلاعاً من الأرض، وانفصالاً عن الهوية، وخسارةً وجودية لا تُعوّض. لكن اليوم، وبالنسبة لكثيرين من الشباب اللبناني، لم تعد هذه الكلمة مرادفاً للضعف، بل باتت تعبيراً عن محاولةٍ أخيرة للنجاة.
هذا الشاب اللبناني الذي وُلد وكبر على وقع الأزمات، لم يعرف الاستقرار يوماً؛ عاش الحروب، اختبر الخوف، واعتاد أن يبدأ من الصفر في كل كرة. كان ينهض دائماً، يتمسك بوطنه، ويؤمن أن البقاء فيه هو أسمى أشكال الصمود. لم يفكّر يوماً في هجران لبنان، رغم كل ما مرّ به من اجتياحات وعدوانات وأزمات داخلية متلاحقة.
لكن المعادلة تغيّرت..
اليوم، لم تعد القضية مجرد حربٍ عابرة أو أزمة مؤقتة؛ إنها حالة مستمرة من عدم اليقين، من الانهيار المتسارع، ومن العنف غير المنتهي. لم يعد الخوف حدثاً طارئاً، بل أصبح نمط حياة، ولم يعد الصمود كافياً عندما يتحول إلى استنزافٍ دائم للإنسان وكرامته ومستقبل عائلته.
هذا الشاب، الذي كان يرفض فكرة الهجرة، بات اليوم يراها خياره الأخير. ليس هروباً من الوطن، بل هروباً من دوامة لا تنتهي؛ لم يعد يبحث عن رفاهية، بل عن حدٍّ أدنى من الأمان، عن فرصة ليعيش بكرامة، وعن مستقبل يضمن فيه لعائلته حياةً طبيعية. يقول في سرّه: “سمّوني لاجئاً.. إن كان ذلك يعني أن أتحرر“.
إنها مفارقة قاسية؛ أن يصبح طلب اللجوء حُلماً، وأن تتحول الغربة إلى ملاذ، وأن يشعر الإنسان بأنه غريب في وطنه أكثر مما سيكون في أي بلد آخر. لم يعد اللجوء فقداناً للهوية، بل محاولة مضنية لإعادة بنائها في مكان آخر.
ليست هذه قصة فرد واحد، بل هي قصة جيل كامل؛ جيل تعب من إعادة الإعمار، ومن التكيّف مع الأزمات، ومن انتظار ما لن يأتي. جيل لم يعد يرى في البقاء “بطولة”، بل مخاطرةً غير محسوبة.
“سمّوني لاجئاً“.. ليست جملة استسلام، بل صرخة واقعية في وجه واقع لم يترك خيارات أخرى. إنها إعلان عن قرار صعب: أن تختار الرحيل، لا لأنك لا تحب وطنك، بل لأنك تحب الحياة أكثر، وتريد أن تعيشها بكرامة.
في النهاية، قد لا يكون اللجوء حلماً، لكنه بالنسبة لهؤلاء، أصبح الطريق الوحيد نحو حياةٍ تستحق أن تُعاش.
