الإعلام الثقافي والرهان الرقمي: من نظام الندرة إلى براديغم “اللايقين”

الإعلام الثقافي والرهان الرقمي: من نظام الندرة إلى براديغم “اللايقين”

في إطار الاحتفاء بالرباط عاصمة الإعلام العربي، شهدت العاصمة يوم السبت 23 ماي 2026 تنظيم ندوة التأمت حول موضوع ” الإعلام والصناعات الإبداعية والثقافية.. الأدوار والتكامل الممكن” .

جاءت مساهمة د. جمال المحافظ غنية بالقراءات التحليلية التي جسرت الفجوة بين الذاكرة الإعلامية المغربية وآفاق المستقبل الرقمي، حيث انطلق من دلالات اختيار الرباط عاصمة للإعلام العربي لعام 2026 كاعتراف برمزيتها الحضارية، ليعرج على التلازم البنيوي التاريخي بين حركيتي الإعلام والثقافة في المملكة. ومن هذا المنطلق التاريخي، شخّص الباحث إفرازات الثورة الرقمية وتحديات الفاعلين الجدد في البيئة التواصلية المعاصرة، مؤكدا على محورية الإعلام الثقافي في الذود عن “الاستثناء الثقافي” ومقاومة موجات التفاهة وتحديات الذكاء الاصطناعي. واختتم المحافظ ورقته برؤية استشرافية دعت إلى استثمار أفق تنظيم مونديال 2030، ومأسسة “التربية الإعلامية” كآلية لا غنى عنها لتأهيل الأجيال الصاعدة في عالم محكوم باللايقين ♦ 

جمال المحافظ

    إن اختيار الرباط عاصمة للإعلام العربي لعام 2026 من لدن مجلس وزراء الإعلام العرب، التابع لجامعة الدول العربية، يشكل  تقديرا لما تمثله عاصمة المملكة المغربية من ثقل حضاري ورمزية ثقافية، وتثمينا لتراثها وحضارتها العريقة ومآثرها التاريخية المتنوعة، وللبنيات التحتية والمنشئات التجهيزات الحديثة التي أضحت تتوفر عليها تؤهلها لأن تكون عاصمة الأنوار خاصة بعد “مصالحتها” مع البحر المحيط الأطلسي والنهر أبي رقراق، بعدما ظلت تدير ظهرها عنهما لعقود،وهو ما يؤهلها لتلعب دورا رئيسا في الارتقاء بالثقافة والاعلام، ليس فقط على المستوى العربي، ولكن على المستويات المغاربية والإفريقية والمتوسطية والدولية.

تكامل ممكن

وفي خضم هذا السياق تشكل محاور ندوة ” الإعلام والصناعات الإبداعية والثقافية.. الأدوار والتكامل الممكن” فرصة لحوار متعدد الأبعاد حول واقع ومستقبل الاعلام مع التفكير الجماعي، حول السبل الكفيلة بتعزيز التعاون ما بين الإعلام والصناعات الرقمية الصاعدة.

إن الإعلام الذي هو في الأصل فرع من فروع الثقافة، بامكانه في حالة تأهيله، أن يضطلع بدور أساسي في تحقيق التكامل مع الصناعات الإبداعية والمغرفية بأشكالها المتعددة، فضلا عن الإسهام الفعال في صيانة الهوية والإشعاع الحضاري.  وإذا كان يلاحظ بأن الكتابات الصحافية، تشكل عموما مرجعا مهما لكل باحث من أجل رصد واستقصاء وقائع التاريخ الحضاري والسياسي والاجتماعي والثقافي لأي بلد من البلدان، فإن دور المثقفين المغاربة كان لهم دورا رئيسا في هذا المنجز، إذ كثيرا ما ارتبطت الصحافة منذ بداياتها الأولى بالثقافة.

وكان أبرز الصحافيين الذين تركوا بصماتهم في الصحافة والاعلام بالمغرب، هم أولئك الذين انتقلوا الى هذا القطاع عبر بوابة الثقافة، يمكن ذكر هنا كلا من محمد بلحسن الوزاني، علال الفاسي، عبد الكريم غلاب، المكي الناصري، عبد الهادي بوطالب، محمد عابد الجابري، محمد العربي المساري، وعبد الجبار السحيمي، ، كانوا أيضا مثقفين ومبدعين ومفكرين فضلا عن اعلاميين آخرين من مرحلة ما بعد الاستقلال.  وهذا ما يؤكد أن العمل الإعلامي كان شأنا ثقافيا بامتياز.

الإعلام ثقافة

إن الثقافة شكلت تاريخيا سلاح مقاومة جوهري في الحفاظ على الهوية الوطنية ومحاربة الاستعمارين الفرنسي والاسباني،كما تواصل وإن كان بدرجات متفاوتة احتضان البعد الثقافي بعد الاستقلال في المنابر الاعلامية، حيث كانت الصفحات الثقافية ملتقى رئيس للمثقفين ولنشر الابداعات الأدبية والفنية والسينمائية، وكذلك أدوات للتوعية والتثقيف، كما شكلت جسراً للاطلاع والتواصل مع مختلف قضايا الإبداع الأدبي والفني. وهذه الصفحات تحولت الى منبر للتعارف بين المبدعين ونشر انتاجاتهم داخل وخارج المغرب، ومن خلالها كذلك تمت مواكبة ما يصدر بالعالم العربي والدولي من ابداعات  ومعارف والإبداعية
وفي هذا الصدد، كانت “العَلَم” التي أُسست عام 1946، أول صحيفة مغربية تُصدِر ملحقاً ثقافياً أسبوعياً عام 1969، وتلتها «المحرِّر»، اللتين شكّلتا آنذاك ملتقى لاحتضان المفكرين والمثقّفين، المغاربة والعرب.
ومنذ أواسط عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، توسّع الاهتمام بالصحافة الثقافية، عبر إحداث منابر إعلامية جديدة، عملت بدورها على إصدار ملاحق متخصّصة في المجالات الأدبية والفكرية.

لقد كان للتحولات التكنولوجية، انعكاسات على الاعلام الثقافي، منها المساهمة في تراجع الوسائط التقليدية، وذلك لعدة أسباب، منها تدني مستوى المقروئية وانخفاض نسبة رواج الصحف والمبيعات، والتوجه نحو الرقمنة، وتحولت العلاقة ما بين هذه التقنيات الحديثة، ومجالات الثقافة والابداع والمعارف، الى علاقة متشابكة ووطيدة، وهو ما يجعل من الصعوبة تناول ضعية الاعلام الثقافي، بمعزل عن البيئة الإعلامية السائدة التي تعرف اجتياحا للتكنولوجيات الجديدة التي غزت كافة القطاعات، وفي مقدمتها قطاعي الإعلام والاتصال، وهو ما ساهم  في تغيير العادات والعلاقات، وكذلك طرق الترفيه، والتأثير في المعرفة وفي الحياة المهنية  وتمس الحميمية والهوية الشخصية، وتغير من محيط شبكاتنا الاجتماعية.

فاعلون جدد

ولم يعد غريبا أن نكون اليوم أمام “ثورة صناعية ثالثة مرتبطة بتنمية تكنولوجيا الإعلام والتواصل”، وذلك بعد ثورة صناعية أولى التي ارتكزت على تطور الآلة البخارية والسكة الحديدية، تلتها ثورة صناعية ثانية التي اعتمدت على استغلال الكهرباء والبترول. وبدخولها الفضاء العمومي في أواسط تسعينات القرن الماضي، غيرت الانترنيت بعمق، معالم وسائل الاعلام التقليدية (الصحافة المكتوبة والسمعية والبصرية)، وساهمت في ظهور فاعلين جدد في بلورة انتشار المعلومة الاخبارية، وهوما انعكس على الممارسات المهنية للصحافيين، وغير طريقة إخبار الجمهور، حيث كانت سببا رئيسا في إعادة توزيع الادوار ما بين المنتجين والمستهلكين لمواد ميديا الاعلام، كما جاء في كتاب Révolution Numérique  Révolution culturelle الثورة الرقمية ثورة ثقافية للفرنسي استاذ علم اجتماع الاعلام ريمي  ريفيل الباحث في جامعة باريس الثانية وبالمعهد الفرنسي للصحافة.

كما يلاحظ بأننا انتقلنا من نظام للنذرة إلى نظام آخر سمته الرئيسة والبارزة هي وفرة تلقى الأخبار والمعلومات،وبذلك أصبحت رهانات الاعلام، ليس النضال من أجل الحق في الحصول على المعلومات، لكن يرتبط بمدى التأكد من صحة سيلان الأخبار والمعلومات، وتدفقها بواسطة الوسائط التواصلية، مما ساهم في انتشار المعلومات المضللة، وهو ما يتطلب العمل على مضاعفة جهود الحيطة بشأن الرسائل والصور والتسجيلات بكل أصنافها التي يجرى تبادلها.

الولوج للمعارف

بيد أن التكنولوجيات الرقمية، رغم أنها وفرت لنا ولوجا، غير محدود إلى المعارف، ورفعت من القدرة على التبادل والمشاركة، فإنها لا تعدو أن تكون الا  انعكاسا للاستعمال الذي يقوم به المرء، كما لا يمكن أن تحلل بمعزل عن الفاعلين الذين يمتلكونها.

وهذا ما يتطلب الأخذ بعين الاعتبار انعكاسات البيئة الرقمية وتحديات الذكاء الاصطناعي على الاعلام الثقافي، وهو ما يستدعى اعتماد رؤية ومقاربة متجددة متعددة الأبعاد لتدشين مرحلة جديدة، تجعل الإعلام قطاعا استراتيجيا، حتى يتحول بالفعل الى رافعة للصناعات الثقافية لتحقيق التنمية المستدامة.

ورغم ما يلاحظ من تغير في عادات القراءة، وانتشار واسع للألواح الإلكترونية والهواتف الذكية والحواسيب، فإن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال، وخارج أي تحيز أو حنين للماضي، بنهاية الإعلام الثقافي، بل تظل “الحاجة إلى الانتصار للاستثناء الثقافي… الذي يجعل من الصحافة الثقافية الحصان القادر على مقاومة موجة التفاهة المهيمنة حالياً على الساحة”.

التربية على الإعلام

إن احتضان مونديال 2030 بمعية اسبانيا والبرتغال، بامكانه أن يشكل فرصة ذهبية، وليس فرصة أخرى ضائعة، لتطوير الاعلام بصفة عامة والثقافي بالخصوص حتى يساهم في تثمين الجوانب الحضارية والثقافية والفكرية وتقديمها بحرفية ومهنية الى  “مجتمع كأس العالم” ،وهذا ما يمكن من فتح آفاق للاستثمار في الثقافة التي يعد الإعلام فرعا لها، وذلك لإبراز التنوع الفكري والغنى الحضاري الذى تزخر به المملكة، والذي يتطلب استراتيجة وطنية قادرة على الارتقاء بمستوى التكوين والتأهيل في مجال الاعلام والاتصال .

إن رفع التحديات التي تطرحها التحولات التكنولوجية، يتطلب عدة مبادراته منها ادراج التربية على ميديا الإعلام والاتصال، في المقررات والمناهج الدراسية منذ المرحلة الابتدائية، كما هو شأن التربية الوطنية، والتربية الإسلامية، حتى تتمكن الأجيال الصاعدة من التأقلم ليس فقط مع الثورة الرقمية، ولكن مع عالم متغير، اليقين الوحيد فيه هو ” أننا نعيش في عالم من اللايقين”  كما جاء في مؤلف “بين الزمن والأبدية” للحائز على جائزة نوبل في الكمياء سنة 1977 إيليا  بريغوجين والفيلسوفة إيزابيل ستنغرس، وهو المفهوم الذى أضحى أكثر تداولاً، وتحول بذلك إلى نموذج تفسيري وبراديغم إرشادي جديد.

شارك هذا الموضوع

جمال المحافظ

باحث متخصص في شؤون الإعلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!