هل إرساء “الديمقراطية” في العالم مهمة أمريكية؟

هل إرساء “الديمقراطية” في العالم مهمة أمريكية؟

 باتريك ج. بوكانان* 

في خطابه عن “حالة الاتحاد”، قال الرئيس الأمريكي جو بايدن: “في المعركة بين الديمقراطية والاستبداد تزداد قوة الديمقراطيات، ومن الواضح أن العالم يختار جانب السلام والأمن”. “إن الأمر يتعلق باختبار حقيقي، لذلك سيستغرق بعض الوقت”.

 إن هذه هي الطريقة التي يقدم بها جو بايدن معركة أيامنا الماضية في الولايات المتحدة من أجل قيادة الديمقراطيات في العالم، معسكر القديسين ضد قوى الشر والظلام، من المستبدين في العالم.

 لكن هل “الديمقراطية” فعلاً قضية أمريكا؟ 

هل “الأوتوقراطية” هي خصم أمريكا الأكبر في المعركة من أجل المستقبل؟ 

 بعد كل شيء، ليس كل المستبدين هم أعداء لنا، وليس كل الديمقراطيين هم أصدقاؤنا الموثوق بهم. 

عندما تم غزو أوكرانيا، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا “يستنكر بأشد العبارات” “العدوان” الروسي على أوكرانيا. من بين 35 دولة امتنعت عن التصويت نجد أكبر ديمقراطية في العالم، أي الهند، فإلى جانب من تقف الهند في هذه المعركة العظمى؟

 إن المنظمة الأمريكية “فريدم هاوس” (“بيت الحرية”، التي تعنى بالبحوث حول الديمقراطية والحرية السياسية وحقوق الإنسان)، تصنف دول مصر، والإمارات العربية المتحدة، والبحرين، وقطر، وعمان، والمملكة العربية السعودية والأردن، وعدد من الأصدقاء والشركاء، الذين نجدهم من حلفاء الولايات المتحدة، على أنها دول “غير حرة”. 

 فهل نحن في صراع عالمي ضد كل هذه الدول وكل هذه الأنظمة لأنها أنظمة استبدادية؟ 

عندما يتعلق الأمر بحروب أمريكا نفسها، تبدو الديمقراطية مقابل الاستبداد وصفا مضللا. فخلال الثورة، تحالفنا عسكريًا منذ عام 1778 مع الملك لويس السادس عشر ملك فرنسا ضد بريطانيا العظمى، أم البرلمانات. لم يكن هدفنا إقامة ديمقراطية، بل كان الهدف هو استقلالنا وانفصالنا عن أكثر الدول ديمقراطية في العالم. 

عندما أعلنا الحرب على ألمانيا في عهد القيصر في أبريل 1917، تحالفنا مع أربع من أكبر الإمبراطوريات الاستعمارية على هذا الكوكب: الإمبراطوريات البريطانية والفرنسية والروسية واليابانية. 

عندما بدأت الحرب العظمى، كان الرايخ الألماني الثاني أكثر ديمقراطية من النظام القيصري لنيكولاس الثاني في روسيا. 

خلال الحرب العالمية الثانية، تحالفنا مع أكبر إمبراطورية استعمارية في العالم، وهي بريطانيا العظمى، واتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية بقيادة جوزيف ستالين. ولم تكن الديمقراطية هي السبب الذي من أجله خضنا الحرب، بل كان هو الانتقام من اليابان للهجوم المفاجئ على “بيرل هاربور”. وكان أهم حليف لنا في هذه الحرب الآسيوية هو الصين الوطنية بقيادة الجنرال شيانج كاي تشيك، ولم يكن ديمقراطيًا البتة. 

غالبًا ما يكون المحدد هو التاريخ والدين والعرق والثقافة والقبيلة والإقليم، أكثر من مائة دولة في إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا تقودها أنظمة استبدادية. 

خلال الحرب الباردة، تعاونا بشكل علني مع الديكتاتوريين – رافائيل تروجيلو في جمهورية الدومينيكان، وأناستازيو سوموزا في نيكاراغوا، وشيانغ كاي شيك في الصين، وسينغمان ري في كوريا الجنوبية، وأوغوستو بينوشيه في تشيلي، وفرديناند ماركوس في الفلبين، وشاه إيران، ونغو دينه ديم وسلسلة من الجنرالات بعد اغتياله في جنوب فيتنام. 

إذا كانوا إلى جانبنا ضد الشيوعيين خلال الحرب الباردة، فنحن إلى جانبهم. 

قال روزفلت عن سوموزا: “قد يكون لقيطًا، لكنه لقيطنا”. 

 كانت الشيوعية عدونا الايديولوجي، وليس الأوتوقراطية. إذا كنت من أعداء الشيوعية في الحرب الباردة، مستبدًا أم لا، فمن المحتمل أن تعامل كصديق من قبل الولايات المتحدة. إن جعل الديمقراطية العالمية هدفنا في “المعركة” العظمى لهذا القرن، هو السماح لتقييم نجاح أو فشل أمريكا كدولة، وقياس ما تنجح أو تفشل في فعله الدول الأخرى، وليس دولتنا.

 ولكن، منذ متى أصبحت السياسات المحلية للدول الأخرى قضية أمريكية، أو معيارا  لنجاحنا كأمة؟ 

لم تكن مهمة تأسيس أمريكا هي الديمقراطية أو لغاية ايديولوجية أخرى. هذا ما أعلناه في الوثيقة التي وافق عليها آباؤنا في المؤتمر الدستوري لعام 1787: 

“نحن شعب الولايات المتحدة، من أجل تشكيل اتحاد أكثر كمالا، وإقامة العدل، وتأمين السلام الداخلي، وتوفير الدفاع المشترك، وتعزيز الرفاهية العامة، وتأمين منافع الحرية لأنفسنا وللأجيال القادمة… يعهد ويؤسس هذا الدستور للولايات المتحدة الأمريكية”.

 لم يرد ذكر لفظ “الديمقراطية”، حتى في الدستور أو ضمن أي وثيقة إعلان للحقوق.

 إذا ما إذا كانت الدول الأخرى ديمقراطية أو استبدادية هو الإجراء الذي نحكم من خلاله على نجاح أمريكا، فيجب أن يؤدي ذلك دائمًا إلى تدخل الولايات المتحدة في الشؤون الداخلية لتلك الدول التي ليست دولتنا – لضمان نجاح هذا النضال. 

ولذلك فإن السعي وراء “الديمقراطية” العالمية هو صيغة للتدخل اللامتناهي في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، والصراع الذي لا نهاية له والمؤدي للحرب في نهاية المطاف. 

والترياق، هو صياغة جون كوينسي آدامز: 

” لا تسافر أمريكا إلى الخارج بحثًا عن الوحوش لتدميرها؛ بل هي الراعية لحرية واستقلال الجميع. هي البطلة والعادلة وحدها”.

Pat Buchanan: سياسي وكاتب أمريكي، كان من كبار مستشاري الرؤساء ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد ورونالد ريغان. من مؤلفاته: “تشرشل وهتلر”، و”الحرب غير المجدية”، و”كيف فقدت بريطانيا إمبراطوريتها والغرب خسر العالم”. 

شارك الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *