معارضات وبرامج وصراعات

معارضات وبرامج وصراعات

حسين عطايا

كثيرة هي وسائل التعبير والتواصل في هذا العصر، كما هي كثيرةٌ جداً الشعارات التي رُفعت ابان انتفاضة الشعب اللبناني في انتفاضة “السابع عشر من تشرين” من العام ٢٠١٩ وبعدها، وكثيرة جداً المجموعات التي نبتت كالفطر على حوافي وجنبات تلك الانتفاضة، حتى بات كل صديقين أو رفيقين شاركوا بتلك الانتفاضة  يعلنان عن تأسيس مجموعة ثورية وجبهة نضالية، ففاض عدد المجموعات الأربعمائة مجموعة وأكثر، وكذلك تتالت اجتماعات ومؤتمرات ومقالات وأدبيات تُنظِّر للثورة، وكأننا بتنا نعيش زمن الثورة الفرنسية في العام ١٧٨٩، أو الثورة البولشيفية في العام ١٩١٧. غدت كل مجموعة تعتبرُ نفسها جحافل الثوار الفرنسيين وهم يقتحمون سجن الباستيل، أو كتائب الجيش الأحمر وهم يحررون ستالينغراد من النازيين وينتصرون.

نامت تلك المجموعات على ماضٍ تليد ومستقبلٍ زاهرٍ تلوح فيه انتصاراتٍ تُحول لبنان إلى “قندهار” الثورة. وما أن حُددت تواريخ الانتخابات ودعوات الهيئات الناخبة، وفتح باب الترشيح وتسجيل اللوائح، حتى هبَّ الشيطان من مرقده وأخذ يجول ما بين المجموعات وقياداتها وحلفائها، حتى بات الرفيق يخشى من رفيقه، والمجموعة تتوجس خفية من حليفاتها، وتبدلت الظروف وانقلبت الأمور رأساً على عقِب. تكاثرت الترشيحات وانقسمت المجموعات على بعضها البعض، وتعالت الدشم والمتاريس ما بين رفاق الدرب الواحد وبين الجبهات، التي كانت متحالفةً متراضةً كالبنيان المرصوص، حتى غدت وكأن رياح صرصرة أباحت سترها وهتكت أعراضها، فذهبت كل الأدبيات الثورية إلى ما بين الجحيم. 

وبقيت الأمور والانقسامات على حالها، تعالت الشعارات، وانقسمت الأفكار على بعضها، فنجد أن سلاح حزب الله والسيادة أمران لابد من تحقيقهما ولا يمكن لأحد أن يتنازل عنهما، وإلا كان “خائناً انهزامياً وصولياً متسلقاً للثورة”. واستمرت الحال إلى أن دقت ساعة تشكيل اللوائح، ذاب الثلج وبان المرج، ذهبت المباديء أدراج الرياح، وشهدت الدوائر الخمسة عشر على مساحة الوطن تناسلا في عدد اللوائح، خصوصاً في دوائر الشمال والعاصمة بيروت، وتم تخفيض مستوى الشعارات، حتى غابت السيادة، ففي الجنوب غُيب الثوار والمناضلون وحل مكانهم مستنوبون و”مواطنون ومواطنات في دولة” لا أحد يعلم كيف ومن أين جاءت، ولا كيف ومن أين حصلت هذه اللوائح على المال الوفير لتستطيع ترشيح سبع وخمسين مرشحا في أكثر الدوائر، من دون أن يكون لهؤلاء المواطنين والمواطنات وجود بالأساس تاريخاً وحاضراً، وأكيد مستقبلاً بعد أن تنتهي الانتخابات، وتكون هذه الحركة قد أدت قسطها للعلا، وقد وجدت  في  الحزب الشيوعي  حليفاً قدم لها خدمات جليلة لفائدة الثنائي “حزب الله – أمل”، من حيث فبركة الانقسامات الإضافية في دوائر الجنوب الثلاث، حتى بات البعض يترحم على انتخابات العام 2018 في طريقة إدارتها وتشكيل لوائحها. 

إذاً، لا بد للثنائي أن يتقدم بالشكر الجزيل لجماعة “مواطنات ومواطنين في دولة”، على ماقاموا به من خطوات جبارة في المساهمة بتفرقة جموع الثوار، المنقسمين أصلاً، والموزعين على لوائح متنافسة متصارعة جل خطابها السياسي موجه نحو بعضها البعض، وقد تناسوا أن لهم خصماً يتربص بهم شر مستطير، ويصادر قرار الشرعية اللبنانية، لا بل يحتل ساحات الوطن على مختلف المستويات، سياسيا واقتصادياً وحتى أمنياً وعسكرياً، حيث وحده يحتفظ بقراري الحرب والسلم، والذي يدفع ثمنها اللبنانيون جميعاً . 

وهنا يطرح سؤال واضح وصريح: هل هذه المجموعات وثوارها هم على قدر طموحات المواطنين الذين نزلوا إلى الساحات في مختلف المناطق اللبنانية؟! 

حتماً هذه المجموعات وأفرادها شكلوا صدمة للمواطنين اللبنانيين على مساحة الوطن، مما بدر منهم وما نتج عن ممارساتهم التي لا تختلف عن ممارسات أهل المنظومة وقيادتها وحلفائها أبداً، لدرجةٍ اختلطت الأمور وبتنا أمام مشروعية جديدة لمرشد الجمهورية حسن نصرالله وحلفائه، ليستمر بحكم لبنان والذهاب به بعيداً لمدة أربعة سنوات جديدة، وإن استطاع لفرض رئيساً جديداً للجمهورية، على شاكلة رئيس “العهد القوي” ميشال عون، وليستمر حكمه لست سنوات جديدة قد يتغير وجه لبنان الحقيقي، وقد يصل شعب لبنان خلال هذه الفترة إلى ما بعد بعد قعر جهنم التي أوصله إليها هذا العهد. 

لهذا، لعل وعسى تأتي الصحوة وإن متأخرة، ويهب جميع من لهم بعض من ضمير وطني، أن يرصوا صفوفهم من جديد للتصدي لأخطبوط “ولاية الفقيه”، حتى لايُكمل مشروعه الفارسي الجديد، فيذهب لبنان ويذهب أهله، كمن تذروه الرياح في براري هذا الزمن المقيت.

شارك الموضوع

حسين عطايا

ناشط سياسي لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *