لبنان: حكومة العهد الأخيرة.. هل ستبصر النور؟

لبنان: حكومة العهد الأخيرة.. هل ستبصر النور؟

أحمد مطر

انتهت الاستشارات النيابية وتم تكليف الرئيس نجيب ميقاتي بتشكيل الحكومة، ولدى معظم الكتل النيابية هواجس من إمكانية الإسراع في تشكيل الحكومة الجديدة والأخيرة في عهد الرئيس ميشال عون، الذي أمضى أكثر من نصف ولايته بلا حكومات تحكم، أو بحكومات عرجاء أو مستقيلة. وهذه الهواجس تتقاطع مع هواجس تصل حد عدم الوصول إلى تشكيل حكومة، تعمل بصلاحيات ، لأن لبنان ومواطنيه لا يستطيعون تحمل الشلل السياسي، نظراً للتحديات الاقتصادية والاجتماعية القاسية التي يواجهونها، حسب ما جاء في موقف لافت لمجموعة الدعم الدولية لأجل لبنان، التي اعتبرت أن من الأهمية بمكان الالتزام بالمهل الدستورية من أجل إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها.

وبين التأليف المرغوب بإنجازه بوقت سريع، يستجيب لأجندة التفاوض مع صندوق النقد وخلاصة التحقيق الجنائي، واستجرار الغاز المصري، والإصلاح المالي وإقرار الموازنة، وهو ما يتطلع إليه الرئيس المكلف، بدا أن نغمة المعايير والميثاقية والفعالية عادت إلى الواجهة مع الإعلام العوني الذي يروج لحسابات لا تتفق مع طبيعة مهمة ميقاتي، مع أن موقفا لحزب الله على لسان رئيس كتلة الوفاء للمقاومة، النائب محمد رعد، طالب فيه باختصار عدد الوزارات والاستعجال بالتأليف.

ويتردد من بعض الجهات المتابعة أنه على الرغم من قيام مشاورات معينة في ملف تأليف الحكومة، إلا أنها لم تصل إلى المستوى الذي يسمح بالقول إن مهمة التشكيل ميسرة. واعتبرت أن الرئيس المكلف لا يزال على ليونته، إنما ثمة قواعد لن يتخلى عنها، مشيرة إلى أن ما ذكره عن مواصلته القيام بمهمته من خلال حكومة تصريف الأعمال، لا يعني أن التأليف لن يتم. وأعربت عن اعتقادها أن مسار التشكيل سيفتتح الأسبوع المقبل، مع لقاءات الكتل النيابية في مجلس النواب، ويتواصل من خلال لقاءات مع رئيس الجمهورية، الشريك الأساسي في التأليف. وقالت إن لكل من ميقاتي وعون حساباتهما وأولوياتهما في الحكومة،  ودعت إلى انتظار ما ستحمله المشاورات المقبلة في هذا الملف، وما إذا كانت المطالب والشروط ستفرمل العملية برمتها أم لا.

وتوقعت تلك الجهات متابعة لملف تشكيل الحكومة، أن يتحرك الرئيس ميقاتي بوتيرة متسارعة، بعد الانتهاء من لقاءاته التشاورية مع الكتل النيابية والنواب المستقلين، والاستماع إلى مواقفهم، باتجاه وضع اللمسات الأخيرة على مسودة التشكيلة الوزارية، التي سيحملها إلى رئيس الجمهورية ميشال عون، في غضون أيام معدودة للتشاور بخصوصها، وكشفت أن التشكيلة المتوقعة، لن تخرج عن مواصفات حكومات تصريف الأعمال باعتبارها حكومة اخصائيين، ولن تضم سياسيين كما يطالب البعض، ولكن من المتوقع أن يتم تغيير بعض الوزراء فيها، على أن تكون في مقدمة اولوياتها، استكمال المفاوضات مع صندوق النقد، والمباشرة بالخطوات التنفيذية لحل الأزمة المالية والاقتصادية الصعبة، وتسريع الخطى للنهوض بقطاع الكهرباء، والاهتمام بمطالب وحاجات الناس المعيشية والحياتية.

 ولم تستبعد تلك الجهات أن يطلب رئيس الجمهورية تضمين التشكيلة، مطالب رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل، لعرقلة التشكيلة الوزارية، ولكنها شددت على أن التشكيلة ستكون متوازنة وترضي الجميع، بينما يعرف الجميع أن المطالب التي تقدم بها باسيل مؤخرا، لم تعد خافية على أحد، وقد كشف عن بعضها النائب سليم عون بقوله: إن الكتلة تريد سؤال رئيس الحكومة المكلف عن وضعية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وما تنوي الحكومة الجديدة القيام بخصوصه.

وإذا كانت العواصم الكبرى المعنية أخذت علماً بتكليف الرئيس نجيب ميقاتي تأليف الحكومة، تتجه الأنظار إلى الأسبوع المقبل، وإذا كانت العجلة سمة حركة الرئيس المكلف، للمرة الرابعة، وسط تطلع لأهمية الإسراع في تأليف الحكومة وإصدار مراسميها، فإن ثمة مشهد قاتم على جبهة الوضعين المعيشي والمصرفي في البلاد، بدءا من تأخر رواتب موظفي ومتقاعدي القطاع العام من مدنيين وعسكريين، بسبب استمرار إضراب موظفي الإدارة العامة، واستمرار الخلاف بين وزير المال في حكومة تصريف الأعمال، يوسف خليل، ومصلحة الصرفيات في وزارة المال، وإعلان رابطة موظفي مصرف لبنان الإضراب بدءا من الاثنين، ملوحة بالإضراب المفتوح، في ضوء توقفها عند معاملة القاضية غادة عون المذلة للمديرين والموظفين ونواب الحاكم وتجاوز القانون حدود الاخلاق .

ختاماً، اتخذت الأزمة اللبنانيّة الراهنة العديد من الاعتبارات المركبة التي تجعل معالجتها تتطلب إجراءاتٍ من نوع آخر. ولا تشير كل السلوكيات السياسية التي عاشها اللبنانيون، قبل وبعد الانتخابات النيابيّة الأخيرة، بأن ثمّة تحولات جوهرية سوف تطرأ على الوضع العام، وهذا يُعرض البلاد ومستقبلها ومستقبل أجيالها إلى المزيد من الظلامية والتدهور. في كل الدول المتحضرة، ولبنان كان أحدها رغم كل عثراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تشكل الاستحقاقات الانتخابية منعطفاً مهماً لإعادة تكوين السلطة، وبالتالي لإعتماد سياساتٍ جديدة عند إنجاز تلك الاستحقاقات الوطنية تُطلق التغيير المنشود وتضعه على السكة المطلوبة لخدمة المجتمع وتحسين واقعه على مختلف المسارات. إنما في لبنان، دائماً ثمّة شكوك تحوم حول الاستحقاقات الدستورية واحترام أصولها ومواعيد حصولها. لقد بقي التشكيك بإجراء الانتخابات النيابيّة قائماً إلى ما قبل تنظيمها بيوم واحد. كما أن الشكوك تتزايد اليوم حول إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها مع ما يرافق ذلك عادة من مخاوف استيلاد فتاوى دستورية للتسلل من خلالها نحو نظرية عدم مغادرة رئيس الجمهوريّة لمنصبه لحظة انتهاء ولايته، المحددة دستوريّاً بسنواتٍ ست غير قابلة للتجديد أو التمديد. طبعاً، كل المرّات السابقة التي عدل فيها الدستور لمصلحة شخص بعينه، كانت تعكس عقم النظام السياسي وعدم احترامه للدستور.

شارك الموضوع

أحمد مطر

صحفي وكاتب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *