المدرسة المغربية وإعادة إنتاج التفاوتات الطبقية

المدرسة المغربية وإعادة إنتاج التفاوتات الطبقية

محمد امباركي

كثيرة هي الانتقادات التي طالت أطروحة بيير بورديو حول الهيمنة وإعادة الإنتاج، متهمة إياه بالسقوط في نوع من النزعة الحتمية التي تجعل من الأفراد يخضعون لمنطق وإكراهات النسق المهيمن اقتصاديا، اجتماعيا وثقافيا، وبالتالي تتقلص أمامهم خيارات بناء الموقف الحر والفعل المستقل أو بلغة ” ريمون بودون ” بناء الاستراتيجيات الفردية والحساب العقلاني…بمعنى آخر، أن نجاح الأفراد وبلوغهم أمكنة ومواقع اجتماعية ورمزية مرموقة لا يتوقف فقط على أصلهم الاجتماعي،  بل أيضا على استراتيجياتهم واستراتيجيات أسرهم على مستوى توظيف قدراتهم ومواردهم المادية والرمزية  في تحقيق حراك سوسيومهني صاعد قد يختلف عن الوضعية الاجتماعية الأصلية لآبائهم، أي أنهم ليسوا بالضرورة ” ورثة ” كما يؤكد “بيير بورديو” الذي كشف من خلال العديد من أعماله الى جاب “جون كلود باسرون” عن حقيقة سوسيولوجية دامغة تتجلى في كون المدرسة آلية حيوية للانتقاء الاجتماعي، و “أنه من النادر ملاحظة بعض الأشكال الأكثر خفاء للامساواة أمام المدرسة من قبيل تهميش التلاميذ المنحدرين من الطبقات السفلى والمتوسطة داخل بعض التخصصات والتأخر أو التعثر على مستوى الدراسة”1، وبالتالي فالفوارق أمام المدرسة ليس نتاجا فقط للفوارق على صعيد الموارد الاقتصادية للأسر. إن تلك الفوارق توجد أيضا داخل المدرسة، يعاد إنتاجها طيلة المسار الدراسي وتجد تفسيرها بالأساس من خلال الأصل الاجتماعي، لأن الطبقات الاجتماعية تملك تجارب مختلفة عن العالم2 .

شخصيا لما أتابع هذا الجدل الابستيمولوجي الغني، تتبادر إلى ذهني أحوال المدرسة المغربية وتأمل هاته الأحوال على ضوء هذا السجال النظري، وأجد نفسي أميل الى بسط الإضاءات التالية:

الأستاذ(ة) هو النواة الصلبة للمدرسة العمومية بالقدر الذي يشكل فيه التلميذ أو المتعلم مبرر وجودهما أي وجود المدرسة والمدرس…فكيف يمكن العناية بهاذين الفاعلين/ الركيزتين في ظل منظومة تربوية تتعاقب عليها الإصلاحات المتقطعة وغير الالتقائية منذ الاستقلال إلى حدود الآن؟. وهي إصلاحات حكمتها شعارات براقة ومغرية من قبيل : التعميم، التوحيد، المغربة، مدرسة النجاح، مدرسة الإنصاف، الجودة والارتقاء وتكافؤ الفرص…الخ

في الواقع شهد المغرب تحولات كمية وكيفية هامة في مجال التعليم لا يسع الحيز هنا لعرضها وكشف أبعادها وخلفياتها، وعلى الرغم من أن تلك التحولات لم يوجهها منطق منسجم ورؤية سياسية لا تخضع لإكراهات الظرفية الوطنية والدولية،  يبقى أن أبرز تحول شهده الحقل التربوي في بلادنا هو الانتقال من طموح المدرسة الموحدة، الوطنية والمواطنة والتي تتيح فرص تربوية واجتماعية متكافئة وتشكل رهانا للارتقاء الاجتماعي وتشييد مجتمع المواطنة، الى التكريس الفعلي والمتدحرج لنموذج يتجه شيئا فشيئا نحو المدرسة ” المسلعة” والمخوصصة، والتي تستمد مشروعية وجودها على أنقاض تبخيس المدرسة العمومية والحط من قيمتها المعرفية والاجتماعية من خلال آليات عدة تهدف إلى القتل الرمزي المتواصل للفعل التربوي العمومي على مستوى أطر وبرامج التدريس، الشواهد، ثم ربط المدرسة العمومية بإنتاج العطالة وثقافة الافتقاد الى حس المبادرة وعقلية الإنتاجية، وتثبيت اختيار التعاقد وعدم الاستقرار المهني والاجتماعي، وعلى المستوى القيمي، يلاحظ التسويق الإعلامي القوي لتطبيع المدرسة مع شتى مظاهر الغش والتحايل ونبذ ثقافة المجهود والعمل الجدي. وحتى في حالات سعي المدرسة العمومية إلى ممارسة الاحتجاج والانفلات من آليات المراقبة الأمنية والضبط الأيديولوجي، تتعرض للاضطهاد وتتحول إلى خطر مزعج في أعين الدولة يستوجب مواجهته وردعه، ولا شك أن محطات تاريخية عدة ظلت شاهدة على العلاقة ” المتوترة” بين المؤسسات والشبيبات التعليمية الغاضبة ودوائر الحكم التي لجأت إلى خيارات عدة سياسية، مؤسساتية ومادية ل”ترويض” المدرسة المغربية كي تظل حقلا لإعادة إنتاج هيمنة الطبقات السائدة…

إن العمل على إعداد الأرضية الملائمة لتشجيع التعليم الخصوصي، يتأطر ضمن هذا السياق المحكوم برؤية نيوليبرالية للمدرسة تسعى إلى تحويلها إلى ” مقاولة ” تستجيب للحاجات المباشرة للاقتصاد من خلال مقولات ” الكفاءة”، “المؤهلات”، “التميز” واديولوجية ” المواهب والجدارة”، وهي مقولات تحكمها خلفية تصدير فشل السياسة الرسمية في التعليم نحو الفرد أي التلميذ وأسرته، حيث يندرج هذا الفشل في صميم مسؤوليتهما الشخصية، وكذلك من خلال تكريس منطقيات الريع في اشتغال التعليم الخصوصي عبر استفادة غير عادلة وغير مقبولة قانونيا وأخلاقيا بأطر المدرسة العمومية وبتحفيزات الإعفاء الضريبي.

إن منطقيات “التسليع ” وتكريس نخبوية التعليم، تشتغل من خلال استراتيجية مزدوجة تجمع من جهة أولى بين إعادة إنتاج مدرسة عمومية مكتظة، تتراجع مكانتها الرمزية من حيث البرامج، جودة التدريس والشواهد في مختلف المستويات والاسلاك، منذ التعليم الابتدائي إلى حدود الإجازة، ومن جهة ثانية تشجيع الخوصصة منذ التعليم الأولي إلى حدود المدارس العليا أو مدارس ” الحظوة” خاصة في مجال الطب، الهندسة، البوليتكنيك…وغيرها من تخصصات “الامتياز” التي يخضع فيها الولوج لانتقاء مدرسي واجتماعي صارم يتأسس على المعدلات الأكاديمية للتلميذ والأصول الاجتماعية المحظوظة لأسرته، والرساميل الاقتصادية والثقافية التي تتوفر عليها ( الموقع الاجتماعي، المستوى التعليمي والألقاب المدرسية، القدرات اللغوية، الذوق الفني، أنشطة الترفيه، المكتبة المنزلية…الخ)،  وتسجل العديد من الدراسات والأبحاث أن هناك تهميشا مفضوحا لكليات الآداب والحقوق والعلوم، وهي تشكل أكبر المؤسسات الجامعية عددا وتضم بين جدرانها الأغلبية الساحقة من الطلبة، ذلك أن 95% من الطلبة أي حوالي 200 ألف طالب يكدسون بتلك الكليات، بينما حوالي 5%  فقط، أي ما يناهز 9000 طالب ينتقون ويوجهون حسب إمكاناتهم ومؤهلاتهم وحسب مقاييس محددة نحو المعاهد والمدارس التقنية وكذا مؤسسات العلوم الطبية، حيث يحظون بظروف جيدة نسبيا تساعدهم على الدراسة والتحصيل3.

بمعنى آخر، وكما كما يقول بيير بورديو أن هابيتوس التلميذ الذي يتابع دراسته بالمدارس الكبرى والراقية هو امتداد للهابيتوس الطبقي لأسرته، باعتبار الهابيتوس هو الشكل المستبطن للواقع الطبقي والاشتراطات التي يفرضها4…وهكذا نجد أن هاته الفئة الأخيرة تجد نفسها أمام خيارات عدة تتراوح بين التطلع إلى متابعة الدراسة بالخارج والقيام بالأسفار” المعرفية الذكية ” أو ولوج سوق شغل متاحة ومنظمة وهي التي تمنح – إلى جانب المسار الدراسي المتميز والمنتقى- القيمة الرمزية والمكانة الاجتماعية للدبلوم المحصل عليه، باعتبار تلك السوق فضاء للتبادل المنتج وللرواج الجيد للخيرات الرمزية والمادية بين النخب المحظوظة، أي أنها سوق شغل انتقائية بامتياز طالما أنها لا تفتح غير قطاعها غير المنظم لخريجي وخريجات المدرسة العمومية في شخص المؤسسات الجامعية ذات الاستقطاب المفتوح ومعاهد ومراكز التكوين المهني…بل إن منتوج هاته المؤسسات الأخيرة غالبا ما يجد نفسه في وضعية حرمان هو أيضا مزدوج : أولا الإقصاء المبكر من متابعة الدراسات العليا نتيجة ” آلة انتقائية جهنمية” على مستوى الآليات القاسية والمقاعد البيداغوجية المحدودة, وتشمل آليات الإقصاء هاته أيضا بعض أسلاك ما بعد الإجازة من قبيل مسالك الانتقاء: الماستر، الإجازة المهنية التي تم تعويضها بمسارات ” التميز” برسم الموسم الجامعي 2023_2024 على ضوء الإصلاح الجامعي الأخير، وثانيا بطالة دائمة أو مقنعة من خلال ممارسة بعض الأنشطة المهنية الهشة التي لا تكون لها بالضرورة صلة بالشهادة المحصل عليها…مع العلم أن عددا مهما من طلاب الجامعة المغربية لا يستكملون سلك الإجازة، وسبق لوزير التعليم العالي أن صرح بأن نصف الطلاب المغاربة يغادرون الجامعة دون الحصول على أية شهادة، وهذا يعني أن الخطب حول إصلاح هذا القطاع كانت منذ عشرات السنين، فقط كلام في الهواء”5.

ينضاف الى هذا الإقصاء المدرسي والاجتماعي المتعدد الأشكال، إقصاء من نوع آخر وأكثر حدة، الأمر يتعلق بشباب لم يحظ بأي تعليم أو تكوين أو تشغيل، شباب يصطلح عليه بالفرنسية les ” ni-ni-ni “، وباللغة الانجليزية les “Neet ” ، وحسب دراسة حديثة العهد للمندوبية السامية للتخطيط يقدر عدد الشباب في المغرب الذي يفتقد الى التعليم والتكوين والشغل، بحوالي مليون ونصف شاب وشابة، ويعكس هذا الواقع عجز السياسات العمومية في تلك الميادين الثلاث، حيث عدد مهم من الشباب يغادر المدرسة خلال طور من أطوار التمدرس، ويجد نفسه في مواجهة سوق شغل هشة بدون دبلوم، في سياق يتميز ببطالة متصاعدة لحاملي الشواهد العليا، ارتفاع الطلب على التكوين المهني في ظل بنية استقبال محدودة جدا لسوق الشغل وضعف شبكات وقنوات التضامن الاجتماعية والتقليدية، نتيجة الأزمة الاجتماعية وهيمنة القيم الفردانية المرتبطة بنظام اقتصادي نيوليبرالي متوحش.

على ضوء هذه الإضاءات “المتشائمة” حول حال المدرسة المغربية ، أجد نفسي ” بورديوي” الهوى! ((Bourdieusien..إنها مدرسة الورثة وإعادة الإنتاج : جهة ترث المعرفة، الثروة، السلطة والجاه، وفي المقابل جهة أخرى ترث الإقصاء الاجتماعي المبكر فلا يكون أمامها غير خيارين : إما الرفض والاحتجاج أو استدماج ذلك الاقصاء والتأقلم معه ومع تبعاته فيتحول إلى ” إقصاء ذاتي (Auto-exclusion) يساهم بشكل وافر في إعادة إنتاج هيمنة الجهة الأولى.   

هوامش

1 Pierre Bourdieu · Jean-Claude Passeron. Les Héritiers. Les étudiants et la culture. Collection Le sens commun. Les éditions de minuit. Paris. 1985. P: 11

2 Philippe Masson . Retour sur Les Héritiers de Pierre Bourdieu et Jean-Claude Passeron.

https://www.periodicos.udesc.br/  2014

3  إدريس السايح. التعليم العالي الواقع والآفاق. مجلة عالم التربية. العدد الثاني والثالث. ربيع وصيف 1996. ص: 28

  4  مايكل بوراوي. الهيمنة الثقافية: عندما يلتقي غرامشي ببورديو. ترجمة خلود الزغير. https://aljumhuriya.net/ar/2018/07/09

5 https://fr.le360.ma.le 30/04/2 Enseignement supérieur: l’Université agonise. 023

شارك الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *