فرانز فانون.. ثائر في قرن متصدع

فرانز فانون.. ثائر في قرن متصدع

كاركاسون- المعطي قبال

     أنجزت مآت الأبحاث والدراسات عن نتاج ومسار فرانز فانون (1925-1961)، الاخصائي في الأمراض العقلية، المثقف والمناضل المناهض للاستعمار. ويكاد تصدير جان بول سارتر لكتاب «المعذبون في الأرض»، بمثابة فاتحة للتعريف أكثر بالمفكر والمناضل فانون.

  كان هذا الأخير في وضع صحي متدهور لما التقى سارتر وسيمون دو بوفوار في شهر غشت من عام 1961، بمدينة روما وطلب من الفيلسوف كتابة تقديم لكتابه. لمدة ثلاث ساعات، تحدث فانون معرفا بنفسه كطبيب ومناضل مناهض للاستعمار. متطوع في الجيش الفرنسي ثم غير مرغوب فيه بسبب مواقفه من الطب النفس الذي يقفل على المرضى بدل علاجهم الخ…

  في آخر حديثه أعرب سارتر عن إعجابه وموافقته لكتابة نص تقديمي للكتاب. كان ذلك في حقبة نضالية ظهر فيها فانون نجما لامعا في مجال النضال والفكر التحرري.

  بعدها كان اكتشاف نصوص فانون في مجال الطب والأمراض العقلية والنفسية بمثابة حدث بيداغوجيا ونظري حاسم في حياة عدة أجيال. وإلى اليوم لا يزال فانون محط دراسات تجديدية واستكشافية تضيء جوانب مجهولة أو غير معروفة من حياته وأشغاله. ذاك ما تعرضه علينا الدراسة الصادرة هذا الاسبوع عن منشورات لاديكوفيرت في عنوان “فرانز فانون، حياة في خضم الثورات”، والتي وقعها آدم شاتز. وهو مدير تحرير مجلة «لندن ريفيو اوف بوكس» والمتعاون أيضا مع «النيويوركر» و «النيويورك تايمز ماغازين». إضافة إلى ذلك يعمل شاتز أستاذا زائرا بـ «البارد كوليج» و«بجامعة نيويورك».

   يتوزع الكتاب على خمسة فصول، ويقدم كل فصل ترسيما دقيقا لبورتريهات دقيقة عن الرجل وتنقلاتها:

– فانون الوافد من الأنتي من وراء البحار، فانون الجزائري، فانون المنفي، فانون الإفريقي، فانون النبي.

ويتضمن الكتاب خاتمة في اسم «أشباح فانون».

  من خلال هذه البورتريهات التي تتداخل وتتقاطع في كثير من الأحيان تتضح الصورة العامة لفانون الثوري- الطبيب الأخصائي في الأمراض العقلية ونقرأ خلف الصورة مرحلة تاريخية أساسية من تاريخ العالم الثالث بما حمله ويحمله من آمال وتصدعات وانتكاسات. وبالنظر إلى ما آلت له بالمجتمعات التي ناضل من أجلها حيث سيادة استعمار وطني مستبد ولاديمقراطي كما هو الحال بالجزائر، فلربما «تقلب في قبره» إن هو عاين ما آلت له هذه البلدان. في شهر نوفمبر من عام 1960، وصل شخص غريب الأصول، أصله لا هو بإفريقي ولا من شمال إفريقيا التي تعتبر «إفريقيا البيضاء». له بشرة داكنة، وصل إلى مالي. جواز سفره يعرف به كطبيب ولد عام 1929 بتونس. غير أنه سلمت له هذه الوثيقة قبل سنتين بتونس، وكانت تحمل طوابع بلدان مر منها، مثل نيجيريا، غانا، ليبيريا، غينيا وإيطاليا. كانت الوثيقة في اسم إبراهيم عمر فانون. لكن الأمر يتعلق باسمه الحربي. غير أن فرانز فانون لم يكن تونسيا بل مارتينيكيا. لم يفد إلى مالي لممارسة مهنة الطب، بل جاء كعضو ضمن كوماندوس.كان بمعية ثمانية من رفاقه. انطلقوا من ليبيريا ليجتازوا على متن سيارتهم 2000 كلم، اجتازوا خلالها الأدغال، الصحاري والبراري. في مذكرته أشار فانون أنه وقع تحت سحر الطبيعة التي كانت في وضعية تغير دائم.

  في نفس الوقت لم تشر المذكرة إلى الحراك الإفريقي، في الوقت الذي كانت فيه أوروبا غارقة في نوم عميق. أما آسيا فكانت قد دخلت في سلك ما- بعد الاستعمار منذ 15 عاما. وبما أن عين المستعمر لا تنام، فقد ركزت مراقبتها على المناهضين للاستعمار بغاية سجنهم أو تصفيتهم. هكذا سممت فرنسا أحد أصدقاء فانون، الكاميروني فيليكس موميا، وامتدت يد المخابرات أيضا لفرانز فانون وهو بروما لاغتياله، لكنه نجا بأعجوبة. أما الولايات المتحدة الأمريكية فدخلت بدورها على الخط لفرض صوت أمريكا في مجموع المعمور. إلا أن فانون أدرك بأن إفريقيا ستواجه خطرا أكبر من خطر الاستعمار, أولا ستحصل على الاستقلال بشكل متأخر. ثم لن يكون من السهل توفير مخطط لمجتمعات عانت كثيرا من صدمة وهيمنة الاستعمار، مجتمعات تلقت منذ زمن طويل أوامر من الغير. كما أن الاستقلال حل كذلك بشكل مبكر والذي منح البورجوازيات الوطنية النرجسية نهما كبيرا. وأكد فانون أنه بقدر ما غاص في الثقافات والأوساط السياسية، تأكدت لديه القناعة بأن الخطر الأكبر الذي يتهدد إفريقيا هو غياب الأيديولوجيا. هذه الملاحظات مدونة في دفتر مدرسي باللون الأزرق مخصص للأساتذة الغانيين والذي استلمه بغانا. ويوجد اليوم بمعهد الإيميك (معهد ذاكرات النشر الحديثة) الذي يوجد مقره بالنورماندي بفرنسا. وجاءت كتبه «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء» و «المعذبون في الأرض»، تحاليل نافذة لظواهر العنصرية، العصاب الجماعي، العنف المستدام الذي تمارسه الآلة الاستعمارية. وكان لهذين الكتابين وقع قوي في الأوساط الثقافية بفرنسا.

   لم يكن فانون على علم أنه مصاب بابيضاض الدم، المتسبب للسرطان وأن حياته ستعرف نهايتها في مستشفى بالماريلاند، في قلب عالم أمريكي كان يكن له حقدا صريحا. غير أنه وإن كان يشعر بأنه في بلده بمالي بين إخوته ، فإنه بقى ذاك الأجنبي. حل بهذا البلد كعميل للجزائر. فيما بعد وهو طبيب بجوانفيل- لبليدة، عمل بمستشفى الأمراض العقلية حيث قدم خدمات للمرضى, غير أنه طرد في نهاية الخمسينيات. واستعصى عليه أن يصبح جزائريا. لم يكن يتحدث لا اللغة العربية ولا الأمازيغية. وفي عمله كأخصائي نفسي غالبا ما كان يلجأ إلى مترجمين. بقيت الجزائر بالنسبة له عشقا مستحيلا. كما كان شأن الكثير من المعمرين الذين رغبوا في الاستقرار في البلد. بما أن فرنسا لم تقبل بتبنيه كفرنسي وأن الجزائر لم تحتضنه، فقد بقي مغتربا ويحمل بصمة الثوري المنشق. أشعرته فرنسا أنه خائن فيما أهملته الجزائر، ليجد نفسه إلى حد ما في وضعية الحاركي. غير أنه بقي وفيا للمثل العليا للثورة الفرنسية، أملا أن تحققها الدول المستقلة وبالتحديد دول العالم الثالث. ولما اقترحت السلطات المحلية في مدينة بوردو إطلاق اسم فانون على أحد الشوارع تم رفض هذا الاقتراح!

   يعج القرن العشرون بثوار جاءوا من بعيد، ثوار راديكاليون جذبتهم بلدان بعيدة رأوا فيها الكثير من الأمل. لكن حالة فانون تخرج عن المعتاد. فقد أصبح بنوع ما سفيرا لقضايا العالم الثالث وبالأخص لشمال إفريقيا. عرف به على أنه «العقل المفكر للثورة». لكن يعرف عن فانون أنه لم يكن الرجل المتواضع والبسيط، بل كان مشبعا بالغرور، الغطرسة وغلو الأنانية. لكن أمام المرضى كان يتحلى بالتواضع والبساطة. كان يقرأ على محياهم فقدان الحرية، وهي أحد أشكال الاستلاب والتي تمنعهم من التمكن من الواقع والتأثير عليه. بعض من هؤلاء المرضى كان ضحية للجنون، البعض الآخر ضحية الجوع، العنصرية والعنف الاستعماري (عالج فانون جنودا فرنسيين قاموا بتعذيب جزائريين مشتبه فيهم وكتب بنوع من التعاطف عن الصدمات التي كانوا يعانون منها).

كان الجميع يتقاسم خوفا مبطنا، انطبع في أعماق مشاعرهم محدثا شللا في الجسد وفي الروح. في الوقت الذي حولت فيه بعض البلدان فرانز فانون إلى توتم يخرجونه لتمجيد «ثورتهم»، تحول لدى المحافظين والرجعيين إلى خطر يجب محاربته لأنه أحد دعاة أيديولوجية «الووك». (وتعني حرفيا أن يكون الإنسان يقظا ومنتبها إزاء الظلم وانتهاك حقوق الأقليات).

   في مختلف الأوضاع ستجد من يكره فانون ومن يحبه وهذا الاختصام دليل على حيوية تفكيره الداعي إلى محاربة الفكر ما بعد- الاستعماري والعنصري بشكل يومي ودائم.

فرانز فانون، حياة في خضم الثورات. منشورات لاديكوفيرت. 512 صفحة.

Visited 11 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

المعطي قبّال

كاتب ومترجم مغربي - رئيس تحرير مساعد لموقع "السؤال الآن".