ابتسامة غلاسبي خدعت صدام.. فمن ابتسم للقيادة الإيرانية؟

ابتسامة غلاسبي خدعت صدام.. فمن ابتسم للقيادة الإيرانية؟

حسين قاسم

        جرى التداول في صيغٍ متعددة، لما أبلغته السفيرة الأمريكية السابقة في بغداد أبريل غلاسبي، للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، في لقائها معه العام 1990، وقبل أسبوع من دخول الجيش العراقي واحتلاله الكويت، من أن أمريكا لا تتدخل في أي نزاع حدودي بين العراق وبين الكويت. مما حذا بالجانب العراقي على تفسير تلك العبارة تشجيعًا لاحتلالها.
نفت السفيرة تلك الواقعة، في حديث صحفي لها، محملةً إشاعتها للوزير العراقي آنذاك طارق عزيز، معبرة عن عتبها على وزير خارجية أمريكا آنذاك جيمس بيكر، الذي ألقى باللوم عليها، ولم يتحمل مسؤوليته اتجاه هذه المسألة، التي شغلت الأوساط السياسية حينها، مما زاد القضية التباسًا، لكنها لم تنفِ أنها ابتسمت عندما حمَّلها صدام رسالة إلى رئيسها جورج بوش الأب عن رواية خلافاته مع الكويت، مما أعطى انطباعًا آخر عن مغزى تلك الابتسامة، بأنها تأييدًا للموقف العراقي وتشجيعًا له فيما ينوي فعله، ثم أردفت بمقابلتها تلك، من أن الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، أكد للأمريكيين من أن الرئيس العراقي أكد له أنه لن يدخل الكويت، وهم أي الأمريكيون والرئيس مبارك استبعدوا اجتياحًا عراقيًا للدولة الجارة، سيما أن صدام ليس غبيًا ولن يُقدم على مجازفة قد تطيح به وتدمر العراق. لكن الذي حصل كان مخالفًا لتقديرات أكبر رئيس دولة عربية وإدارة أقوى دولة عالمية، وحصلت المجازفة الصدامية التي أطاحت بفاعلها وبنظامه وببلده.
    بيد أنه إذا كان الأمر مقبولًا لشخصية تحمل مزايا كالتي كان يتمتع بها صدام، إذًا ما الذي دفع القيادة الإيرانية للقيام بمغامرة أكبر من المجازفة العراقية، لا سيما أنه سبق أن تعرضت إيران لهجمات عدة منذ انتصار ثورة الخميني في العام 1979، وانتُهكت كرامتها مرات ومرات، ولم ترد، مما كوَّن انطباعًا عن النهج الذي يتحكم بالعقل الإيراني، ذلك النهج الذي سارت عليه طيلة العقود الماضية، لا سيما أن الجمهورية تختزن كفاءات في المجالات كافة، وأثبتت جدارة باهرة في مفاوضاتها مع المجتمع الدولي حول ملفها النووي، ومعظم المتابعين لاحظوا كيف أن حائك السجاد صار حائكًا سياسيًا بامتياز، ثم إنها اعتمدت سلوكًا يعتمد على النفس الطويل في مسألة تصدير الثورة الإسلامية، عبر اختراق المجتمعات العربية، وبتأسيس دروع تأتمر بتوجيهات قيادتها، وتقاتل نيابة عنها تنفيذًا لأجندتها الخاصة، وقد شكلت القضية الفلسطينية المسألة الأكثر جاذبية، فصار تحرير فلسطين الشماعة التي علقت عليها أهدافها الخارجية وخططها من أجل انتزاع دور مقرر لها على مستوى الإقليم. حتى أن البرغماتية الإيرانية تفوقت على البرغماتية الأمريكية بأشواط، فالجمهورية الإسلامية ذاتها غضت الطرف عن عدائها لإسرائيل واشترت السلاح منها خلال حربها مع العراق، وهي ذاتها تحالفت مع الشيطان الأكبر في الهجوم الأمريكي على العراق العام 2003. ليكتمل المشهد ويتضح الهدف الإيراني بسيطرته على القرار في أربع عواصم عربية وفي تجزئة القرار الفلسطيني.
    بيد أنه بلغ المخطط الإيراني ذروته عند انطلاق الطوفان الفلسطيني في “السابع من أكتوبر” الفائت. فجأة وخارج السياق المعروف عنه، تراجعت الجمهورية عن فكرة “وحدة الساحات”، ووحدة قوى محور المقاومة، إلى “مشاغلة العدو”، أتى ذلك في أعقاب تصريح لافت للرئيس الأمريكي، برّأ به إيران من أي دور لها بما جرى في غلاف غزة، مما يؤشر إلى بداية صلات تحت الطاولة بين أمريكا وإيران.
قصد الرئيس بايدن تحييد وكلاء إيران في الحرب التي بدأت رحاها في القطاع لا سيما في بداية انهيار عند القيادة العسكرية للكيان، وإيران وجدت بذلك بداية فرصة لها لقطف ثمار ما اعتقدت أنها استثمرت به طويلًا. هكذا بدا المشهد في الإقليم، بأن مرحلة ما قبل “السابع من أكتوبر” غير ما قبلها. لكن التطورات الدراماتيكية جرت تحت قاعدة معروفة وهي أن من السهل أن تبدأ الحرب لكن من الصعوبة بمكان التحكم بمجرياتها وخاصة بنهاياتها، حتى بلغت الذروة بقصف القنصلية الإيرانية في دمشق ومقتل نخبة الحرس الثوري الإيراني. هنا بيت القصيد، إذا اعتمدنا السياق التاريخي لتصرف القيادة الإيرانية مع مثل هكذا حالات لاستنتجنا أن الرد سيكون بالمثل أي على موقع إسرائيلي مشابه، لكن المفاجأة كانت أن حصل رد خارج السياق المتعارف عليه، وهنا السؤال الذي تطرحه الأوساط المراقبة لتطور الصراع الجاري. بصرف النظر عن كل ما رافق من تعليقات على الرد الإيراني على الداخل الإسرائيلي، بدءًا من الاستهزاء إلى النصر المبين، لكنه خرق الخطوط الحمراء وأوجد واقعًا جديدًا، مما يعني أنه رفع الصراع إلى مرحلة قصوى تنذر في بدء مستوى جديد قد يصل إلى مرحلة حرب كبرى تمتد لعموم ساحات الإقليم لتشمل موضوع الملف النووي الإيراني، وبالتالي صار تاريخ الرابع عشر من نيسان/أبريل غير ما قبله، وأن هذه المرحلة ستستمر فصولًا في المستقبل، وأن ما أشيع عن رد إسرائيلي على إيران ما هو سوى مقايضة إسرائيلية، تهدف لشراء الوقت تمهيدًا للمنازلة الكبرى. بيد أن إسرائيل قبضت ثمنًا وازنًا تمثل برفع المساعدة الأمريكية إلى الضعفين، ولإعادة التضامن معها والتغطية على جرائمها في فلسطين والى عرقلة الاعتراف بدولة فلسطينية في الأمم المتحدة، وإلى التغطية على هجماتها لإنهاء الحرب الدائرة في رفح وفي لبنان، في مناخ يشي بأن تعود إيران إلى مرحلة “المشاغلة” عبر وكلائها. وهذا لا يمنع من انزلاق الأوضاع إلى حرب شاملة، في ظل ميزان قوى لغير صالح إيران.
    السؤال الذي سيطرح الآن ولاحقًا، هو ماذا جنت الجمهورية، التي امتاز سلوكها ببرغماتية ظاهرة؟ ماذا حصل؟ ما هي الحصة التي وعِدَت بها؟
يبدو أنها ليست سوى ابتسامة أخرى حصلت من الشيطان الأكبر، تشبه الابتسامة التي راهن عليها صدام، لكن لن يقع النظام بالحفرة التي وقع فيها صدام.. بل ستقع فيها أذرعها.
 
Visited 106 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

حسين قاسم

ناشط وكاتب سياسي لبناني