غرام موسم القيظ

غرام موسم القيظ

  سعيد بوخليط 

          تعيدني ذكرى أغرب علاقة غرامية صادفتُها بين رجل وامرأة، إلى سنوات الدراسة الجامعية بداية فترة التسعينات، حينما كنتُ أذهب رفقة زمرة من الأصدقاء يوميا وجهة أحد الأحياء العصرية الراقية، البعيدة نسبيا عن أحيائنا العتيقة بين دروب مراكش العتيقة، بحثا عن أجواء الهدوء والتركيز ورونق الأزقة الأوروبية الشاعرية، قصد إنعاش الذَّاكرة، وبثِّ الروح في شرايين القلوب الكليلة؛ لكن أساسا التحضير لامتحانات نهاية الموسم الجامعي.

بدأ التقليد محتشِما، أرساه طلبة آخرون قبل فترة جماعتنا بأعوام، وأعطت التجربة أكلها ثم انساب صداها داخل الوسط الجامعي غاية أن صارت عرفا معتادا، بحيث تصير الزوايا والأركان المجاورة لفيلات بعض أثرياء المدينة، قِبلة موسمية لطلبة فقراء أعماق المدينة القابعة داخل السور التاريخي، حين اقتراب موعد الاختبارات وهم يراهنون بكل جوارحهم على اجتياز المرحلة بسلام، قصد إنجاز الانتقال المأمول في مسار حيواتهم، بهدف تحقيق الارتقاء الطبقي المأمول؛ ولو في حدوده الدنيا بعد سنوات من الكدِّ والصبر والانتظار.

في غضون تلك اللقاءات، تجري نقاشات فكرية متنوِّعة تشكِّل أحيانا امتدادا ضمنيا للحلقات النقابية الفصائلية الملتئِمة أوصالها يوميا وسط الحرم الجامعي، كي تناقش بجرأة، المحظورات السلطوية الكليانية السياسية والدينية، وتصدح بشعارات جذرية تجابهها غالبا تدخُّلات أمنية قوية، تخلِّف في جرَّة ضربات سريعة ضحايا وأحيانا موتى، ثم تعود تكتيكيا الأصوات لمكامن جحورها، كي تستعيد سبيلها ثانية بكيفية أو أخرى، حسب مقتضيات ودواعي مكان  عمومي ينتمي لفضاء آخر غير أسوار الكلية.

حينها، تتحقَّق صداقات جديدة، كما تنعقد أولى بواكير غراميات انتهت ببعض الثنائيات إلى الزواج فعلا، بعد نهاية حقبة التحصيل الجامعي، وأحيانا قبل تأمين الدخل المادي المأمول؛ عبر الانتماء غالبا إلى أسلاك الوظيفة العمومية.

هكذا، ارتبط إبراهيم وعائشة، بعلاقة غرامية مفارِقة حقيقة مقوِّماتها ومتباعدة بين طرفي الثنائي، شكلا ومضمونا سواء من ناحية المزاج والطبيعة وكذا نوعية الاهتمامات، بحيث انطبق على حكايتهما مثلما استخلص تقييم الأصدقاء، المثل المغربي الدَّارج: ”إذا رأيت اثنين متآلفين تماما، فاعلم أنَّ ميزان الضغط يقع على كاهل أحدهما دون الثاني”، أو حسب قواعد اللغة العربية : ”إذا التقى ساكنان يحذف أحدهما”.

لم تكن علاقة متوازنة، وتجلَّى بوضوح أنَّ إبراهيم قد أمسك إمساكا، ووجد ضالَّته أخيرا بعد انتظار طويل، بحيث صارت عائشة هاجس هواجس يومياته، لا يفارق  ظلَّها أو ينساب حديث ثان على لسانه غير حديثه عنها، قصص عائشة داخل البيت والكلية واستثنائية شخصيتها، رغم ملاحظة العيان دحض سلوكات الفتاة من خلال تصرُّفاتها العدوانية جراء أدنى مناوشة، ما يهذي به إبراهيم العاشق المتيَّم.

أطلقت شلّة الأصدقاء، على الثنائي نعت”حبٌّ في صَقَر”، أو باللهجة المحلية”حبٌّ في تِقِّيقت”، تشير كلمة” تِقِّيقت” لدى ساكنة مراكش إلى أوج قيظ يوميات فصل الصيف خلال وقت الظهيرة أساسا، بحيث توشك المدينة على الاحتراق نارا فتكاد تغدو مرتعا فقط لأشباح هلامية؛ بين الثانية عشر زوالا والخامسة مساء. لا أحد بوسعه التحرُّك خارجا واحتمال الذَّوبان تحت خيوط أشعة شمس في أوج ضراوتها، سوى من اضطُر إلى ذلك اضطرارا؛ لداعٍ أشبه بوضع السيف على الرقبة.

غير أنَّه، ضدّا على مجرى التيار وممكنات تحمُّل الطبيعة، لا تحلو لقاءات إبراهيم وعائشة سوى إبَّان تلك الفترة بالضبط، ضمن تحدٍّ بطولي للهيب الشمس الحارق، ويستمر تجوُّلهما الطويل متشابكي اليدين لكن صامتين تماما مثلما أدلت مختلف الاعترافات. يسيران ثم يسيران، خلال فترة زمنية غير ملائمة بتاتا، بخصوص إمكانية تحديد مواعد لقاءات سواء غرامية أو غيرها، بل هي أقرب إلى صيغة انتحار مقصودة لاسيما وأنَّهما ينتميان لأهل المدينة الأصليين ويعرفان أجواءها جيدا، وليس بسائحين مضطَرَّين لاكتشاف خبايا فضائها على وجه السرعة، تحت ضغط زمن الرحيل.

كنا نشعر باستغراب شديد حيال هذا التسكُّع السوريالي الصامت، في وقت يكاد يشبه الانغماس عمدا وسط جهنم، لذلك أضاف الأصدقاء أوصافا ساخرة أخرى على هامش العنوان الرئيسي”حبٌّ في تِقِّيقت”مثل ”جاهلية القرن العشرين”، إحالة على مناخ الجزيرة العربية، مع شعراء الفترة الجاهلية الذين اشتهروا بغراميات من هذا القبيل، ”عاشقان من نار”، ”قلبان لن يحترقا”، ”لا يفلّ الحرارة غير حرارة أشد منها”، ”غرام الفيافي”…، معاني من هذا القبيل استفزَّت ضحكنا بجنون دون جعلهما قط يشعران بتداعيات هذا الاغتياب المتنامي بين أعضاء الجماعة، وقد أجمعوا على عدم معرفتهم سلفا بتجربة غرامية مشَّائية شبيهة. 

قال أحدهم:  

– “حتَّى عنترة بن شداد بشحمه ولحمه وفحولته،لن يتحمل وقع المشي طويلا خلال قيظ صيف مراكش، ذروة الزوال، ماسكا بيد حبيبته عبلة، والأفظع عدم  تبادل أطراف الحديث”.

تستطرد أخرى وقد تقطَّب حاجباها الكثَّين، مع شعرات زائدة رسمت شاربا ذكوريا على محياها، يكاد يجهز على ما تبقى من أنوثتها جراء الإهمال والهمِّ والجفاف العاطفي:

– ”لا أعرف ما الذي جعله مخبولا بأختنا حدّ افتقاده كل إحساس بحرارة الطبيعة، ربما لأنَّ حضورها بارد وفاتر دون حرارة تذكر، جعل المسألة ممكنة ”(قهقهات).  

أحسَّ الثنائي المغرم، بأنَّ قصتهما أضحت موضوعا خصبا لملاحظات الآخرين والتطانز. يبالغ أحيانا بعضهم أو بعضهن في الغمز واللمز غاية تجاوز المسموح به،  وإسقاط المشاعر السيِّئة على أحكام افتقدت لحدود اللياقة المطلوبة.

 لم يبديا أيّ موقف علني نحو استهتار الأصدقاء، بل انسحبا بصمت دون تعقيب يذكر ثم توقَّفا كليا عن المجيء إلى عين المكان، مركز اللقيا، وفضَّلا منذئذ وجهة مكان ثان لتهيئ الامتحانات.

بعد فترة عن تلك الأيام الخوالي، وتعقُّب الصدفة آثار بعضنا البعض، التي صارت ماضيا بعيدا، أكَّدت الأخبار زواج إبراهيم وعائشة، لكن لازال دأبهما وفيّا لأخذ حمَّامات الشمس مشيا، خلال التوقيت نفسه، ملتزمين قاعدة الصمت وفق ذات المنوال السابق.          

Visited 14 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

سعيد بوخليط

كاتب ومترجم مغربي