الثورة السورية: بوح أصدقاء في غرفة “واتس آب”

الثورة السورية: بوح أصدقاء في غرفة “واتس آب”

  السؤال الآن ــ خاص

 إنها “الثورة اليتيمة”، الثورة السورية التي تركها العالم لمصير قاتم، وسمح للنظام السوري أن يستجلب احتلالات علنية ومقنعة، إنها ثورة شعب بأكمله خذلته نخبه طورا، وخذله العالم الذي تفرج على مأساته وهو يهجر مدنه وأريافها بعدما سويت بالأرض، بفعل البراميل المتفجرة، وبعدما قتل أطفالها بالكيماوي، وبعدما سحل شبانها وبناتها في السجون واستشهدوا تحت التعذيب، وبعدما تدخل أصدقاء الحاكم لينقذوه من حمام الدم الذي أغرق بها وطن أراده السوريون وطنا للحرية والكرامة. 

إنها الثورة اليتيمة التي باعها جزء من أهلها في السوق الدولية، تارة لنظام اعتبروه صديقا وتارة لنظام عميل، فاستشهدت الثورة مرتين، على يد الديكتاتور، وعلى يد من باعوا القضية، إلا أن القضية لم تمت عند الكثيرين ممن آمنوا بثورتهم وقدموا التضحيات الجسام من أجلها.  

“السؤال الآن” تنقل إليكم هذه الحوارات الوجدانية الصادقة بين أصدقاء ثلاثة حول مآلات الثورة السورية في ذكرى انطلاقتها الحادية عشرة، هو بوح حقيقي وجميل من إحدى غرف “الواتس اب” الخاصة، بوح يؤكد تمسك السوريين بمبادىء ثورتهم، وهم ما زالوا عند وعدهم في العمل لتحقيق الحرية والتغيير، ومن أجل السلام وإنهاء الحرب والحل السياسي.

 الشهادة الاولى من محمد يخاطب نفسه ويروي تجربته: بعد 2011 بفترة، وكنت قبلها بسنوات أدعو لنظام تداولي وتنمية سياسية، قررت البقاء مع النظام لكي أحاول مع من يشبهني إقناعه بالحل السياسي، والاعتراف بالثورة وأهلها، وفشلت في إقناعه طبعا، وكانوا يحاولون إقناعي أنا بأن انخرط في الجريمة بالترغيب والترهيب.  

مرت ثلاث سنوات وطالبت بشار الأسد عام 2014 بألا يرشح نفسه للرئاسة لكي يفتدي شعبه، وبالطبع رفض وصرت مكروها من معسكر النظام الذي ضيق علي في حياتي وعملي وفي كل شيء . 

 كان نقدي للثوار حينها كما هو الآن، لماذا تنصاعون لأصحاب الذقون؟ ومشاريع الإمارة الإسلامية؟ 

وكان من يحاورني من الثوار يقول هؤلاء لا تبلغ نسبتهم 10 بالمية من أهل الثورة. ولكني اكتشفت بأنهم أكثر بكثير.  على كل حال، وعلى طول الخط كنت أعمل لبناء حالة تشاركية بين معارضي ومؤيدي النظام، ولم أعمل مطلقا مع أحد الطرفين لإقصاء الطرف الآخر، ومنذ اللحظة الأولى حتى الآن، لقناعتي بأن الحل هو التشارك في كل شيء، إلا التشارك في “ولدنة” الحرام  وبناء السجون والسرقة وكم الأفواه .  

أعترف  بأني أعيش خيبة أمل حقيقية من الطرفين… كنت أفهم تعنت النظام، لأنه نظام مبني أصلا على الفساد وكم الأفواه. وكنت أحاول إقناع العقلاء فيه، لكنهم ماتوا أو باعوا عقولهم لأن غيرهم مات، فخافوا الموت وقرروا تأجير عقولهم للظالم (خصوصا بعد اغتيال خلية الأزمة). وللعلم قبل اغتيال خلية الأزمة كان تيار الحل السياسي ضمن النظام قويا. بعد عملية الاغتيال، التي في واقع الأمر كانت اغتيالا للحل ولذاك الجانب العاقل في النظام، كان لزاما على من مثلي أن يجهر بثورته وفعلت. 

 لكن للأسف عانيت مع أهل الثورة نفس معاناتي مع النظام!، فتعنت أهل الثورة غير مفهوم مطلقا، في شتى القضايا!. منذ مدة عقدوا مؤتمرا في الدوحة بنفس شروط المصيبة، دون أن يرف لهم جفن. وفي نفس التوقيت صرف رجل أعمال سوري مليون دولار لعقد لقاء في تركيا دون أية جدوى. والإعلام المحسوب على الثورة أحادي مثل النظام تماما!  

قبلها تم انتخاب مفتي، فحجت إليه شخصيات لكي تقدم له البيعة كقائد وليس كمفتي، وخطب هو عدة خطب سياسية وقام مع جماعته بإجراء حكومي عند ظهور مصيبة العمشات في إدلب، وكأن الحكومة المؤقتة خيال مآتة (فزاعة). ويمكنني ذكر عشرات، بل مئات القضايا التي تؤكد أن ما يتم الإعداد له (نظام آخر) فيه مخابرات وسجون وقمع وقلة عقل وفساد وحماقات بقدر ما تريدون … ويحكم؟! من جهة أخرى، وعلى طول الخط عندما تحاول إقناع من يحاورك بضرورة القيام بعمل مختلف وخلاق يغير واقع الحال، تشعر بأن الغالبية لا تريد تغيير واقع الحال، فلقد استرزقوا من واقع الحال، فكيف تأتي أنت لقطع رزقهم! يعني عقابيل المصيبة جعلت من الضحايا والشهداء والمعتقلين وأهل الخيام في قلب الحريق وجعلت من الآخرين محظوظين، والطامة الكبرى… الطامة الكبرى كانت في تحول الكثيرين إلى (الصراع الطائفي) والإقتناع بأن الحكاية كلها حكاية طائفية، ولن ينفعك يا عبد العزيز الخير ولا عارف دليلة ولا عيسى ابراهيم ولا غيركم.. نضاله فأنتم استثناء علوي، ويجب على الكل أن يعلم أن (الدم السني عم يغلي) يعني استعادة شروط الفتنة الكبرى والوقوع في المصيبة والمصيدة…  أشعر حقيقة بخيبة أمل من الجميع، وبلدنا موضوع على طاولة الذبح ونحن ذباحوه. ومن يسمعك يا محمد. 

هنا يرد حسن متسائلا: 

هل نكون صوتا، لمن لم يسمع صوتهم، حتى الآن؟ وصوتهم، وليس أصواتهم، لانه واحد، وهم الأكثرية التي لم يستشرها أحد، وعندما ننصت إليه، سيكون من السهل معرفة حقيقة  الطموح الواحد للشعب، لأنه كما نتوقع جميعا، بعيد عن كل ما أقض مضجعك يا دكتور محمد، من صلافة المتشددين من كل الأطراف، وهم يلتقون رغم صدامهم الظاهر، لان استمرار الحرب، وحالة الفوضى  فيه مصالحهم… إنه السلام، والوصول إلى الحل السياسي للمسألة السورية… وحسب.. 

ويأتي صوت فؤاد: 

جميل هذا البوح بينكما يا محمد ويا حسن. أشعر أن مناداتكما بدون ألقاب أو صفات هو أمر زيادة في الحميمية، وهذا ما أريده في مخاطبتي لكما. بوحك يا محمد ووجعك في النهاية بقولك، ومن يسمعك يا محمد، ليرد عليك حسن، هل نكون صوتا لمن لم يسمع صوتهم، حتى الآن؟ هل هناك أجمل من هذا البوح بين اثنين ينشدان استعادة وطن يرون أنه يتسرب من بين أصابعهم، يذبحه رجال لا يعرفون قيمة الوطن على أنه ملاذ لهم وجنتهم في هذه الحياة. رجال فقدوا معنى السلام الذي يجب أن يعم وطنهم. لأنهم  فقدوا السلام، السلام الداخلي في نفوسهم وبات الحقد والثأر أمران أساسيان في داخلهم. يسيرانهم نحو هدف ينشدونه ويسعون لامتلاك القوة لينفذوه.  

هل يمكن لمن نبذ الحقد والثأر، وسعى جادا للتغيير بهدف الخلاص من الاستبداد، والانطلاق إلى فضاء الحرية التي وحدها يمكن أن تحرر الإنسان وتتغلب على الحقد والثأر فيه وتجعله قادرا على إقناع الصامتين، أن الحياة تشارك وتبادل مصالح وتحقيق ما هو أفضل للإنسان. لكما تحياتي وأرجو أن تقبلا بوحي معكما ليزداد تأثير صوتنا ويزداد الأمل في الوصول إلى الحرية.

Visited 14 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة