حين يُباع الجسد بالنقرات.. الوجه القاتم للدعارة الرقمية
عائشة بوزرار
حين تتحول المنصات الرقمية من فضاءات للتواصل وتبادل المعرفة إلى واجهات لتسويق الجسد واستثمار الهشاشة الإنسانية، يصبح النقاش أبعد من مجرد جدل عابر على مواقع التواصل الاجتماعي. فالتفاعل الواسع الذي أثارته منصة “أفري بابا” أعاد إلى الواجهة أسئلة مؤرقة تتعلق بحدود الحرية في الفضاء الرقمي، وبقدرة القوانين على مواكبة التحولات المتسارعة التي فرضتها التكنولوجيا على أنماط العلاقات الإنسانية. وبين من يرى في هذه المنصات مجرد وسائط إلكترونية محايدة، ومن يعتبرها شكلا مستحدثا من أشكال الدعارة الرقمية والاتجار غير المباشر بالبشر، تتكشف ملامح واقع جديد تتداخل فيه الاعتبارات الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية، بما يستدعي قراءة هادئة تتجاوز منطق الإثارة نحو فهم أعمق للظاهرة وأسباب انتشارها وتداعياتها على المجتمع.
و في عالم أصبحت فيه الشاشات نافذة على الحياة اليومية، ظهرت أشكال جديدة من الاستغلال لم تكن مألوفة قبل سنوات قليلة، حيث لم يعد الجسد يُعرض في فضاءات مغلقة أو في الشارع العام، بل بات يُسوَّق عبر الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، في مشهد يكشف كيف يمكن للتكنولوجيا أن تتحول من أداة للتواصل والمعرفة إلى وسيلة لتسليع الإنسان واختزال قيمته في عدد المشاهدات والمتابعين.
المثير للقلق أن هذا النمط من الممارسات لا يُقدَّم دائما بصورته الحقيقية، بل غالبا ما يُغلَّف بخطابات براقة عن الحرية الشخصية أو صناعة المحتوى أو تحقيق الاستقلال المالي. غير أن تغيير الأسماء لا يغير الحقائق؛ فحين يصبح الجسد وسيلة للكسب، وحين تتحول الخصوصية إلى سلعة تُعرض لمن يدفع أكثر، فإننا نكون أمام صورة جديدة من صور الاستغلال، مهما اختلفت الوسائل وتعددت التبريرات.
لقد أسهمت بعض المنصات الرقمية في خلق بيئة تسمح بانتشار هذا السلوك، حيث يُروَّج للثراء السريع والشهرة السهلة، بينما تُخفى الآثار النفسية والاجتماعية التي قد تترتب عنه. فخلف الصور اللامعة والحسابات التي تستقطب آلاف المتابعين، توجد قصص من الابتزاز والتشهير وفقدان الخصوصية والانهيار النفسي، وهي جوانب نادراً ما تجد طريقها إلى الواجهة.
ولا يمكن فصل الظاهرة عن واقع اجتماعي واقتصادي مأزوم في كثير من الأحيان. فالهشاشة والفقر والبطالة قد تدفع بعض الأشخاص إلى البحث عن أي منفذ لتحقيق دخل سريع، لكن الحاجة المادية لا يمكن أن تكون مبررا لتحويل الكرامة الإنسانية إلى مادة للاستهلاك الرقمي. فالمجتمعات التي تتسامح مع تسليع الإنسان باسم الحداثة أو الحرية تجد نفسها تدريجيا أمام تآكل منظومة القيم التي تقوم عليها العلاقات الإنسانية السوية.
إن أخطر ما في الدعارة الرقمية أنها لا تستهدف الأفراد وحدهم، بل تضرب فكرة الإنسان باعتباره قيمة في حد ذاته. فهي تكرس منطق السوق في أكثر المجالات حساسية، وتعيد تعريف النجاح والقبول الاجتماعي وفق معايير تقوم على الإثارة والربح السريع لا على الكفاءة أو الإبداع أو العمل المنتج.
لهذا فإن مواجهة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تقتصر على المقاربة القانونية فقط، بل تحتاج إلى وعي مجتمعي وثقافة رقمية تحصّن الشباب من أوهام الشهرة السهلة والأموال السريعة. فالتكنولوجيا، مهما بلغت من التطور، لا ينبغي أن تكون جسرا نحو امتهان الكرامة الإنسانية، بل وسيلة لترسيخ المعرفة والإبداع والارتقاء بالإنسان.
وفي زمن أصبحت فيه ضغطة زر قادرة على إيصال أي محتوى إلى ملايين الأشخاص، يبقى الرهان الحقيقي هو الحفاظ على قيمة الإنسان في عالم يحاول، يوما بعد آخر، تحويل كل شيء إلى سلعة قابلة للبيع والشراء. فليست كل تجارة ربحا، وليست كل شهرة نجاحا، وحين يُباع الجسد بالنقرات، يكون المجتمع كله هو الخاسر الأكبر.
