السنة الأمازيغية.. هل نحن في حاجة لجعلها عيدا وطنيا؟؟

السنة الأمازيغية.. هل نحن في حاجة لجعلها عيدا وطنيا؟؟

عبد السلام بنعيسي

باتت في السنوات الأخيرة الدعوةُ إلى الاحتفال بما يسمى رأس السنة الأمازيغية، وجعلها عيدا وطنيا، وعطلة رسمية مؤدى عنها، نغمةً، تظل سائدة، وتتردد على مسامعنا، على امتداد، شَهْرَي، دجنبر ويناير، من كل سنة ميلادية، ويسبق هذه الدعوة ويصاحبها، هجومٌ، تارة سافرٌ وكاسح، وأخرى مبطّنٌ وملتوٍ، على الاحتفال بذكرى تقديم ثلة من الوطنيين المغاربة بتاريخ 11 يناير 1944 للمستعمر الفرنسي وثيقة المطالبة بالاستقلال، الوثيقة التي شكلت الأرضية التي انطلق منها المغاربة للنضال من أجل طرد الاستعمار الفرنسي من المغرب. 

 ونظرا لأهمية حدث تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في تاريخ المغرب الحديث، فإن الدولة المغربية كانت قد جعلت من ذكراه عيدا وطنيا، وعطلة رسمية، ولأن تاريخ 11 يناير، يتزامن مع التاريخ الذي يراد ترسيمه عيدا لرأس السنة الأمازيغية والذي هو 13 يناير، يصبح الهجوم على ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، مقصودا، لإلغائها واجتثاثها من الساحة، لكي تُستنْبَتَ بدلا عنها، السنةُ الأمازيغيةُ، عيدا وطنيا.. ولتبيان المفارقات العجيبة في هذه الدعوة يتعين علينا استحضار أن الباعث إلى جعل السنة الأمازيغية عيدا وطنيا، كما يتم الترويج لذلك، هو تخليد ذكرى انتصار الأمازيغ بقيادة الملك شيشناق من ليبيا الحالية، انتصارُه، على الفرعون رمسيس الثالث في المعركة التي وقعت على ضفاف النيل عام 950 ﻗﺒﻞ ﺍﻟﻤﻴﻼﺩ، وهي المعركة التي حكم بعدها الملك الأمازيغي شيشناق ﺍلأﺳﺮﺓ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﻌﺸﺮﻳﻦ للفراعنة. ورغم أن هذه الرواية مختلف حول صحتها، إذ هناك من يشكك في صدقيتها، ويعتبرها مختلقة من ألفها إلى يائها، فنحن سنفترض أنها رواية تاريخية صحيحة، وسنناقش المترتب عنها المتمثل في مطلب جعل السنة الأمازيغية عيدا في المغرب، بناءً عليها. 

 إننا نعيش في عصر الدولة الوطنية، والاحتفال بالأعياد الوطنية، بالنسبة لنا نحن المغاربة، يتعين أن يكون مرتبطا بالوقائع والأحداث التي تجري في ترابنا الوطني الممتد من طنجة إلى الكويرة، الوطن الذي تجمعنا تحت سقفه، رايتُه الوحيدة، ونشيده الأغر، ومؤسساته الدستورية، فكل حدثٍ يقع خارج هذا المجال الجغرافي الذي هو وطننا المغرب، فإنه غريب عنا، وجعلُه عيدا وطنيا مغربيا، واحتفالنا به، يكون احتفالَ المتطفلين على أعياد غيرنا، وطبعا نستثني من هنا العيدين الدينيين، عيد الفطر وعيد الأضحى، فهما مناسبتان دينيتان، يجتمع حولهما كافة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ويحتفل بهما الأمازيغ، والعرب، والترك، والفرس، والكرد سواء بسواء. 

من حق أمازيغ ليبيا الاحتفال بانتصار بطلهم شيشناق على الفرعون المصري وأن يجعلوا منه بطلا تاريخيا، ومن يوم انتصاره عيدا وطنيا، كما أن من حق التونسيين الاحتفال بالانتصارات الباهرة التي حققها قائدهم هاني عنبل ضد الرومان، وأن يختاروا يوما ليجعلوه عيدا وطنيا يفخرون فيه بما أنجزه لهم في تاريخهم ذلك القائد العسكري الفذ، ونفس الأمر بالنسبة للجزائريين مع ماسينسا وغيره من الجزائريين القدامى، لكن أن نحتفل نحن هنا في المغرب بانتصارٍ تحقق في معركة عسكرية خارج حدودنا الحالية، وأن نجعل منه عيدا وطنيا، فنحن في هذه الحالة نتطاول على إنجازات تاريخية لغيرنا، ونريد أن نحشر أنوفنا فيها، وننسب أنفسنا إليها، رغم أن لا ناقة ولا جمل لنا فيها. 

الذين يصرون على جعل السنة الأمازيغية عيدا وطنيا هم أنفسهم الذين في أغلبيتهم المطلقة يكرهون كرها شديدا الإسلام والعربية، ومنهم من لا يطيق سماع كلمات من قبل، عرب، وعربي، وعربية، وإسلام ومسلمين، ومنهم الذين يدافعون بشراسة عن التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، وهم الذين يلومون جزءا مهما من المغاربة حين يبدون تعاطفهم الإنساني مع نضالات الشعب الفلسطيني وسعيه لنيل حقوقه المشروعة التي تقرها له الشرعية الدولية. إنهم يتهمون المغاربة المتعاطفين مع الشعب الفلسطيني ومع قضيته العادلة، بالاستلاب إلى المشرق، وبالتضحية بالمصالح الوطنية، خدمة للأجندة المشرقية.  لكن هؤلاء الذين يقولون عن أنفسهم إنهم وطنيون ومرتبطون بالأرض، هم أنفسهم الذين يلحون على جعل السنة الأمازيغية عيدا وطنيا، لأن الليبي شيشناق هزم في هذه المناسبة الفرعون، ويتطلعون إلى تشييد الأمة الأمازيغية الممتدة من جزر الكناري إلى سيوة في مصر، مرورا بشمال التشاد والنيجر ومالي؟ ويرفعون علمها الأمازيغي، ويرفضون رفع العلم المغربي، بل منهم من يصفه بعلم المقيم العام الفرنسي اليوطي، فأين هي الوطنية هنا؟ وأين هو الارتباط بالأرض، كما يتغنون بذلك في أدبياتهم؟؟؟ وأين هو الانسجام في الخطاب مع الممارسة؟؟؟

 ثم كيف تستقيم الدعوة، لجعل حدث انتصار شيشناق والذي وقع منذ ما يفوق 2970 عاما، وجرى ذلك خارج المغرب، جعْلِهِ، عيدا وطنيا، على حساب حدث تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال والذي تم في 11 يناير 1944؟ ما هو الأقرب إلى ذاكرة ووجدان وعقل وعاطفة المغاربة؟ هل وثيقة المطالبة باستقلال المغرب عن المستعمر والتضحيات التي تكبدها أجدادنا لنيل الاستقلال، أم ما وقع على الحدود الليبية المصرية في حدث مرَّ عليه ما يقارب 3000 سنة؟

  لعلنا لا نجانب الصواب عندما نقول إن الشعب المغربي يجد ذاته وتظهر له صورته البهية في العاهل المغربي الراحل محمد الخامس، ومعه ولي عهده وقتها الحسن الثاني، ومن حولهم شخصيات وطنية من طينة علال الفاسي، وأحمد بلافريج، والمهدي بنبركة، وعبدالرحيم بوعبيد، وبوبكر القاردي، وبوشتى الجامعي.. وكل رجال الحركة الوطنية الذين سُجنوا، وعذبوا، وتعرضوا للنفي، دفاعا عن حرية المغرب، ومن أجل حصوله على استقلاله. 

 ولاشك في أن المغاربة يفخرون بشخصيات من صنف محمد بن عبد الكريم الخطابي، وموحى وحمو الزياني، والشيخ ماء العينيين، وبالشهداء من أمثال محمد الزرقطوني، وعلال بن عبدالله، وحمان الفطواكي.. فهؤلاء الذين قارعوا المستعمر وقدموا التضحيات الجسام من أجل حصول المغرب على حريته واستقلاله، هم الرموز الوطنية التي يجوز لكل مغربي الانتساب إليهم، والشعور بأنهم يشكلون جزءا من ذاكرته وتاريخه، ولا مجال لمقارنتهم بشيشناق، أو من يحذو حذوه من الأغيار، بالنسبة لنا. هوية المغرب الحضارية كما حددها دستور 2011: (عربية – إسلامية، وأمازيغية، وصحراوية حسانية، وغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية). لكن إذا جعلنا من السنة الأمازيغية عيدا وطنيا، ألا نظلم بذلك أصحاب باقي مكونات الهوية الوطنية، من عرب وصحراويين، ومنحدرين من روافد أخرى؟ ألا يشعرون بأن هناك تمييزا تفضيليا عاملت به الدولةُ الأمازيغ؟ وإذا انطلقت دعاوى تطالب بجعل يوم من أيام السنة عيدا ويوم عطلة، خاصّ بالمكون العربي في الهوية المغربية، ونفس الأمر بالنسبة لذوي المكون الصحراوي، ولكل رافد من الروافد الأخرى، كم من عيد سيصبح لدينا؟؟ أليس هذا هو الطريق الذي قد يفضي بنا إلى المحاصصة البغيضة كما فرضها الأمريكان بقوة السلاح في المشرق العربي؟ 

لا مانع من الاحتفال بالسنة الأمازيغية شعبيا، والاهتمام بها إعلاميا، وإبراز الطقوس التي تصاحبها، نظرا لارتباطها بالأرض وبالفلاحة، وتجسيدها لرغبة شعبية في الخصب، والحصول على منتوج فلاحي جيد، ومع التمني بأن تكون السنة سعيدة ومُزهرة، ويعبر المغاربة عن فرحهم وسرورهم خلال هذه المناسبة، وعن ثقافتهم المحلية بأزيائها، وأطعمتها، وغنائها، وأهازيجها، فهذا كله أمر محبذ وجيد، ويحتفل ويستمتع به كافة المغاربة، لكن أن تتحول المناسبة إلى عيد خاص بالأمازيغ لوحدهم، وأن يحتكروها ماضيا وحاضرا لأنفسهم، ويفرضوها على غيرهم من المغاربة، بصفتها الأمازيغية، ففي هذا التصرف تطرف ومغالاة وشطط.

 اسم المغرب العربي الذي كان سائدا في السابق، تمّ تغييره في الدستور الحالي، باسم المغرب الكبير، وذلك بإلحاحٍ من النشطاء الأمازيغ، وبدعمٍ من التيار الفرنكفوني المسيطر على الثروة وعلى جزءٍ مهمٍّ من السلطة في المغرب، فكيف يُجيزُ هؤلاء لأنفسهم تسمية مناسبة فلاحية مغربية، باسم رأس السنة الأمازيغية، وأن يجعلوها، تحت هذا المسمى، عطلة مؤدى عنها وعيدا وطنيا؟ 

أليس هذا هو الكيل بمكيالين؟؟

لقد سبق للمجلس الدستوري أن رفض نتائج انتخابات جرت في مدينة تارودانت وفازت بها لائحة كانت تحمل اسم السوسية، وأمر بإعادة الانتخابات، لأن المجلس الدستوري اعتبر أن في التسمية السوسية، تمييزا بين المتنافسين على أساس عرقي، ورأى فيه تصرفا مخالفا للدستور، فكيف سيقبل المجلس المذكور بجعل رأس السنة الأمازيغية عيدا وطنيا؟؟ ألن تسقط الدولة في تناقضات مع قرارات أعلى سلطة قضائية فيها إن هي انصاعت للضغط وقبلت بجعل رأس السنة الأمازيغية عيدا وطنيا؟؟

وظيفة الأعياد الوطنية هي جمع أبناء البلد الواحد، في مناسبات محددة، وإشعارهم أنهم كيان مندمج ومنصهر، وأن قيم المواطنة هي التي تربطهم، وأن لا فرق بينهم بسبب اللون، أو العرق، أو الطائفة، أو الدين، أما استحضار وقائع تاريخية قديمة قدم الزمان، واستيرادها من جغرافيات بعيدة عنا، لجعلها عيدا وطنيا لفائدة مكون عرقي واحد من مكونات الهوية الوطنية، ويتمُّ ذلك على حساب تاريخنا المشترك، ممثلا في وثيقة المطالبة بالاستقلال، وانصياعا لضغوطٍ من قوى خارجية، فنحن بذلك، نخرّبُ ما يجمعنا، ونزرع بذور الفتنة المدمرة في تربة وطننا. المفكر المغربي الكبير عبد الله العروي رفع صوته محذرا: (الدولة الوطنية راهنا تتفكك وتسلب منها كل سيادة). ويتعين ألا يقبل بهذا التفكك، وسحب السيادة من الدولة، ويتصدى لهما، كلُّ مغربي، سواء كان من أصول عربية، أو أمازيغية، أو صحراوية حسانية، أو من أي رافد من روافد الهوية المغربية

شارك الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *