ماذا يعني هذا العالم دون الاتحاد السوفياتي؟

ماذا يعني هذا العالم دون الاتحاد السوفياتي؟

 د. زياد منصور

تطرح الأعمال العدائية الجارية على أراضي الاتحاد السوفييتي السابق اليوم، الكثير من التساؤلات حول أبعادها وتداعياتها ونتائجها، ويذهب كثيرون إلى الاعتقاد أنَّ ما يجري هو نتيجة منطقية لاختلال التوازن الدولي، وفرط عقد الاتحاد السوفييتي الذي رغم كل تناقضاته وأزماته، تمكن بشكل أو بآخر، من ضبط عوامل وحدته. وإن كان جرى ذلك  أحياناً بالحديد والنار، وفي أحيان أخرى بالتضحيات التي كتبتها شعوب أوراسيا والشعوب السلافية، التي اختبرت هذه الوحدة في الحرب الوطنية العظمى بتكريس الانتصار النهائي على النازية والفاشية عام 1945.

 فلم يكن انهيار الاتحاد السوفييتي متوقعا ولم يكن محددا سلفا، لكن سلسلة من القرارات الخاطئة والأعمال الهادفة أدت إلى وقوع هذه الكارثة، التي يتجلى جزء منها في الصراع الروسي الأوكراني، كما الصراعات في كل الجمهوريات السابقة التي تندلع حيناً وتخبو في أحيان أخرى. هكذا يمكن اعتبار انهيار الاتحاد السوفيتي في كانون الثاني 1991 حدثًا لم يتوقعه أحد، وقد أثر بشكل جذري ليس فقط على مصير روسيا وجمهوريات الاتحاد الأخرى، ولكن أيضًا على تاريخ العالم بأكمله. فحتى الآن، يحاول العلماء فهم سبب مثل هذه العملية الانحلالية السريعة، التي دمرت واحدة من أعظم القوى في القرن العشرين على مدار عدة سنوات.

 يعتقد البعض أن انهيار الاتحاد السوفييتي كان أعظم كارثة جيوسياسية في القرن العشرين. وهذه الإشكالية تسببت في الكثير من الجدل والنقد، بما في ذلك في الغرب، ولكن عندما تتفكك أية دولة، فإنها بالتأكيد كارثة. فما حدث في عام 1991 هو أحد أبرز الأحداث الأكثر غرابة ليس فقط في تاريخ روسيا والجمهوريات السوفييتية السابقة، ولكن أيضًا في تاريخ البشرية،” لقد كتب هنري كيسنجر بعيد هذا الانهيار: “لم تتفكك أي قوة عظمى بهذه السعة وبهذه السرعة دون أن تهزم في الحرب”.

 دون شك تنتشر في الغرب حقيقة تبدو غير واقعية حول أسباب هذا الانهيار، والتي تقول، إن الاتحاد السوفياتي لم يستطع الصمود في وجه سباق التسلح الذي قوض إمكاناته الاقتصادية. وهذا يجافي بعض الحقيقة إذ أن المؤشرات الرقمية لم تشر في الثمانينيات إلى زيادات استثنائية في الإنفاق العسكري. 

أما في روسيا، فيسود الاعتقاد أن من بين أسباب ذلك الانهيار تلك المشاكل الداخلية، وهي إشكالية أكثر شيوعًا وأكثر تبريرًا. إذ يقول البعض إن الاتحاد السوفيتي انهار بسبب عدم كفاءة النموذج الاقتصادي والسياسي للاشتراكية. وهناك جهة نظر أخرى هي أنه كان من الممكن إنقاذ الاتحاد السوفياتي، وكان انهياره نتيجة لجهود هادفة بذلها الأشخاص المهتمون بهذا الانهيار، في المركز وفي المحليات وفي داخل الحزب حتى على حد سواء.

في كل حال فإن وجهتي النظر هذه، لا تزالان هما من أهم وجهات النظر في المجتمع العلمي وبين السياسيين. ومع ذلك، فهما ليستا متعارضين، بل تكمل كل منهما الآخر.

واليوم تعود إلى الواجهة مسائل تتعلق بالسيناريوهات التي حدثت، وخصوصاً بالنظر إلى الحدث الأوكراني وأسبابه، إذ لو أنّ الاتحاد بقي لما وصلنا إلى ما نحن عليه على حد زعم البعض، ويعيدنا أن (لجنة الدولة لحالة الطوارئ) غي.كا.تشي.بي (GKChP)، التي تم إنشاؤها على أسس قانونية وكان لديها “برنامج ممتاز”، والتي أخذت على عاتقها مهمة استعادة الدولة، لكن بعد ثلاثة أيام من دخول الدبابات إلى العاصمة انتهى كل شيء، إذ عادت الدبابات والجيش إلى الثكنات، ولم تعد GKChP موجودة. فلماذا ا؟ 

يجيب البعض لقد كان دخول الدبابات عرضًا مسرحياً، ومهزلة. وعلى حد زعمهم كل هذه المسرحية تمت عن قصد لإعطاء أسباب لانتقال السلطة من غورباتشوف إلى يلتسين ولحصول الأخير على سبب قانوني للإعلان عن نهاية وجود الاتحاد السوفيتي لاحقًا”. يقول هؤلاء: إن المنظمين الرئيسيين لعملية إدخال الجيش- أي “غورباتشوف ويلتسين وكريوتشكوف، ومن التحق بهم هم المتورطون، فكما هو الحال دائماً يمكن لثلاثتهم أن يتحملوا هذه النتيجة المأساوية للانهيار، وبالتالي لن تقع على عاتق فرد بحد ذاته. 

 ويضيف هذا البعض: لم يكن من الضروري سحب القوات من أوروبا. “فلو بقيت دباباتنا تقف هناك، فلن نسمع من يغرد اليوم في أوروبا ويتحدى، ويتطاول ويجلب الناتو إلى حدودنا…”. لو بقيت الآلاف من دباباتنا هناك. وبدأت بتشغيل محركاتها فقط، فإن أوروبا بأكملها سترتعب وستصمت!!!. كان يمكن إنقاذ الاتحاد السوفيتي، يختم هذا البعض، لكن من أجل ذلك كان من الضروري التخلص من الإيديولوجية القديمة. 

 في المقلب الآخر يغوص البعض في شرح مواقف دعاة الإصلاح والبيروسترويكا الروس الذين وقعوا أسرى العقائد التي تقول إنه في الاشتراكية لا يمكن أن يكون هناك استغلال للإنسان من قبل الإنسان، في الاشتراكية لا يمكن أن تكون هناك ملكية خاصة. ونتيجة لذلك، لم يكن للقرارات التي اتخذوها تأثيراً إيجابياً، بل أدت إلى تدمير الاقتصاد وعدم الاستقرار الاجتماعي. 

برأيهم فإن “المشكلة الرئيسية تكمن في الايديولوجية التي دمرت الاتحاد السوفيتي والآن لا تسمح لروسيا بالوقوف على أقدامها من جديد”. كان من الضروري التخلي عن العقائد الاشتراكية واتباع طريق التقارب بين النظامين، تمامًا كما فعلت الصين وحققت في النهاية معجزة اقتصادية. 

 لكن القادة السوفييت كانوا خائفين للغاية من الأحداث التي وقعت في تشيكوسلوفاكيا عام 1968، وبالتالي قاموا حتى بعد ذلك بتقليص إصلاحات كوسيجين الهادفة إلى تحرير الاقتصاد المنظم واقتصاد الخطط. فبعد بدء الإصلاحات الاقتصادية في الاتحاد السوفيتي في عام 1987، اضطرت حكومة نيكولاي ريجكوف (رئيس الحكومة الأخير في الاتحاد السوفييتي) إلى ذلك، لكنها كانت تخشى الإفراج عن الأسعار، مما أدى إلى تكوين عجز في أسواق السلع الأساسية. كان الوضع مع الطعام حرجًا، لأن الزراعة السوفيتية بمزارعها الجماعية لم تكن قادرة على تلبية احتياجات السكان. وكانت القيادة السياسية خائفة من تنفيذ إصلاح في الأسعار، لأنه كان من الواضح أن هذا الإجراء لن يحظى بشعبية. وهذا الخوف أوقف القيادة السياسية العليا، بما في ذلك ريجكوف. لقد كان الأمر متروك له لاستكمال الإصلاحات، لكنه لم يتخذ هذه الخطوة الحاسمة. وبمجرد أنه لم يفعل ذلك، بدأت الكوارث “. 

 فبدلاً من القرارات الضرورية، تم تبني عدد من القرارات السخيفة تمامًا. منها قرار تحويل جمهوريات الاتحاد إلى الاكتفاء والتمويل الذاتي في الاقتصاد. ولكن إذا كانت الجمهورية تتحول إلى التمويل الذاتي الكامل، فلماذا إذن هناك حاجة للقيادة المركزية في الاتحاد؟ لماذا نحتاج إلى الاتحاد السوفيتي أصلاً؟ ولكن بعد ذلك اتبعت مبادرة أكثر تدميراً: إلغاء معاهدة الاتحاد القديمة وكتابة معاهدة جديدة، بحيث تعود الجمهوريات إلى الاتحاد السوفيتي بالشروط التي يمكن قبولها وحسب رغبتها. وأيضاً كل هذا انتهى بكارثة. 

 يؤكد الخبراء على الطبيعة المدمرة لإعداد معاهدة اتحاد جديدة، فضلاً عن مشكلة الاختيار السلبي للكادرات. “التحلل، كان هو المبدأ الأساسي في اختيار الكادر” -هذه هي النقاط الإشكالية التي دمرت القيادة السوفيتية في الاتحاد السوفياتي في عام 1991 كان هناك وضع لم تقم فيه أعلى هيئة للسلطة – مجلس نواب الشعب – بوظائفها بحكم الواقع، واتضح أن الهياكل الإقليمية أكثر شرعية. حفز هذا عمليات الانسلاخ والرغبة في الاستقلال الذاتي في الاتحاد السوفياتي، إذ كان يجب ألا تسمح أبدًا للسلطات المحلية والإقليمية بأن تكون أكثر شرعية من السلطات المركزية. إذا كان الجسم المركزي غير شرعي في نظر السكان، فإن هذا يخلق المتطلبات الأساسية للأمراء الإقليميين للتفكير: “دعونا نفترق”. وهذا ما حصل. 

أما الخطر الداهم فكان تصرفات القيادة السوفيتية، التي نقلت في عام 1987 الشركات والمشاريع إلى إدارة التعاونيات العمالية وسمحت بإنشاء تعاونيات، وبذا في النهاية تحررت المؤسسات من اضطهاد وقرارات الوزارات، وشُلّت، لأنهم لم يعرفوا ماذا يفعلون، لأنهم لم يتخذوا قرارات إدارية قط. أما بالنسبة للتعاونيات، فقد أصبحت أمام فرصة قانونية لتحويل الأموال غير النقدية إلى نقد، فحصل على الفور اختلالات في جميع الأسواق، بما في ذلك السوق الغذائية. 

 في النهاية إن أخطر ما حصل هو تنفيذ نوع من الخصخصة في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، حيث أنتجت فئة من الملاك وأصحاب المؤسسات الضخمة – (وهم من فئة العاملين في المناصب الحاكمة والحساسة) النومينكلاتورا، والتي لم تكن مهتمة بالحفاظ على السلطة السوفيتية. 

 بحلول هذا الوقت، أي عند الانهيار، كان 80 في المائة من الأمناء الأوائل للجان المحلية قد تغيروا. أين ذهبوا؟ غادروا حزبهم ومشاريعهم ومؤسساتهم وقاموا بشرائها بأبخس الأثمان ليصبحوا مديرين للبنوك الخاصة والشركات الضخمة والقطاعات الثقيلة. النومينكلاتورا هم ليسوا أمناء اللجنة المركزية، وهؤلاء ليسوا الوزراء، هؤلاء كانوا أمناء لجان المناطق ورؤساء اللجان التنفيذية. لم يعودوا بحاجة إلى هذه السلطة، لقد غيروا السلطة إلى ملكية خاصة.

شارك الموضوع

د. زياد منصور

أستاذ جامعي وباحث في التاريخ الروسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *